سرد

مقتطف من رواية “تليتماس”

من أعمال التشكيلي المغربي خليل بوبكري (الصورة: عبدالمجيد رشيدي-المغرب)

أشيع في سابق العصر أن الهِرَّ المُلوّن البدين “أكيلاس” ذو العينين الزجاجيّتين الهامدتين وأهدابه المقوّسة، المُعفّرة بالوحل وحَنَكه المترهل، يذوب بين رسغ الريح، يتمطّى بحنجلةٍ مُسْتفزّة، هو وحده من هزم “تليتماس” حين كانت بكامل هيئتها البشرية وقبل أن يتحول نصفها السُفلي إلى ذيل سمكةٍ ذهبي، إذ تقول الخرافة أن الصبيّة الحسناء بينما كانت ذات ظهيرةٍ خريفية تمارس هوايتها في صيد السمك، تجلسُ فوق صخرةٍ جرانيتية على ضفّةِ النهر كعادتها وهي تمسكُ بقصبتها الخيزرانية، تتفنّنُ في انتقاء الطُعم المُحبّب للسمك، تضع الصبيّة “تليتماس” حصيلة ما جادت به صنارتها في سلّةٍ سعفية حتى امتلأت عن آخرها، فكان الصيد وفيرا في تلك الظهيرة، تسلّل الهرُّ “أكيلاس” في غفلةٍ من “تليتماس” وأستلَّ سمكة كبيرة بحركةٍ خاطفةٍ وسريعة ولاذ بالفرار، غير أن الصبيّة غاضها المشهد، حتى بات على مرمى قوسٍ منها، أسرعت مهرولة نحو” أكيلاس” ولم يتسنَّ لها اللحاق به وما كان منها إلا أن رمته بحجرةٍ مُسنّنة كانت فيها آخر أنفاسه التي لفظها والسمكة ما تزال بفمه، افتكت الصبيّة تلك السمكة من بين أسنانه وقفلت عائدة إلى بيتها مضطربة خائفة، أثناء قيامها بشواء السمك رأت “تليتماس” أمر غريب وعظيم حيث لاحظت أن السمكة التي افتكتها من بين فكي “أكيلاس” بأنها تتحرك ويخرج من فمها لهيب ناري، بات الأمر مريع ومخيف، أيقنت أن لعنة الهر قد أصابتها بدون أدنى شكٍّ، اعترى الصبيّة ذهول مريع، بدأت تشعر أن شيءٌ ما صار يسري في كل أوصالها، لحقتها حُمى شديدة حتى صارت تصرخ وتستغيث دون أن يسمع صداها أحد، وهنا حصل أمرٌ جلل لم يكن في الحسبان حين بدأت الصبيّة “تليتماس” يتحول نصفها السفلي من جسم آدمي إلى ذيل سمكة ذهبي، لم تغادر “تليتماس” منذ ذلك الوقت النهر الذي ألفته وأحبته، تُمازجُ لحظاتها بذُرْوة مُحيا المساءات البرتقالية كما نشوة اللثغ، تفتّشُ عن روح الجمال تلقاء لوثةٍ الوسن اللائدُ من أشداقِ الغروب، لكنها ما تفتأُ تفيضُ نُكوصًا تحت قسوة مناجلِ المحْوِ الرتيب، لا فكاكَ من وجعٍ وما لها إلا حصاد الخراب النيئ، ومما لا شكَّ فيه فإنها تبقى اللغز المُحيّر للمشهد الزماني  ناهيك عن التفاف الجموع وراء كائن يحمل بُعدين لا سيّما أن عناصر المُتخيّلة المكانية مكّنتها من إيهام العقل الجمعي بأن الفرح قادم، والمحصلة النهائية هي الثورة فهي الهدف السامي للخلاص من العبودية المقيتة والقهر ونبذ سلطة الهيمنة الدائمة التي جسدتها “تليتماس” .

مقالات ذات علاقة

عشري بن حشري آه يا كسري

خالد درويش

حب إلى تجرهي

شكري الميدي أجي

من كتاب “بنات الغابة: سيرة النص والجسد”

سالم العوكلي

اترك تعليق