سيرة

مقام العناقيد

لم تكن (الطابونية ) *حين غرسها جدي مصطفى سوى (فسلة )* أخرى يضيفها لمجموع نخلات سواني شارع (البي* ) التي أسهم بغزارة في نثرها بالمنطقة بالذات في أراضيه ، النخلة لم تخذل اهتمامه الشديد بها فتجدرت ونمت بما سر خاطره وصارت مصدر فخاره ، حين جاءت أخر الخمسينات والستينات جاءت بأهلها وناسها من متتبعي أموال النفط ، بالتالي أتت تلك العقود ومن لحق بها على كل تلك السواني وتحولت إلى شوارع وأزقة و مربعات سكنية هي البيوت التي نسكنها الآن وترتب على ذلك اختفاء كل تلك النخلات إلا تلك النخلة والتي عادت أخيرا إلى ابن أخته وزوج ابنته الوحيدة (والدي) .

كان الوالد قد اعد خريطة على طراز السبعينات لبيت من دورين ،الوالد من أهل العلم فيأتي الأمور دائما من أبوابها لذا أصر على الخريطة ، والذي شرط المهندس الذي أعدها وسيشرف على تنفيذها على أن تقطع تلك النخلة من جذورها لزوم ( التمالي ) *و ( الكتينة )* خاصة وأن بيتنا في بداية مرتفع وسيتكون من طابقين فيستحق فراش من الاسمنت كي يستقيم عود المبنى لكن حين عاد الأمر ( بالشيرة )* قال ابي لخاله الذي كفله صبيا .

ـ ياخالي قال المهندس تقطع النخلة لزوم البناء ( شن رايك …؟؟) فماء كان من جدي إلا أن قذف الخريطة ( ع طول أيده ) وقال لأبي (النخلة براسي يا محمد وين نموت اقطعها).

ولان الوالد كما أسلفت صاحب علم ويدخل البيوت من أبوابها لكنه هذه المرة لم يجد باب للخروج سوى الفسحة الصغيرة التي تركها عناد جدي ، فخرج منها وترك أمر بناء البيت كله بيد خاله ، فجدي إضافة لوظيفته بالسنترال يشتغل كما أسلفت بالعقار والعقار عادة تتبعه المقاولات ، فشمر عن ساعده وشيد لنا بيتنا على ذوقه الخاص ( قالي مهندس !!!) ،في منتصف 76 م كان البيت جاهزا ، لم يخلو الأمر من متانة وقوة إلا أن الجماليات فأمر لم يسمع به جدي ( ياسر عندكم نخلة حسب قوله ) سكنّا البيت الذي لا جنان خارجي يحيط به لذا توسطت النخلة البيت (بالمنور الداخلي ) سامقة شامخة بكبّر مبالغ فيه فهي وان كانت لا تدري إلا أن الأمر انتهى وفق شروطها وعلى مقاييسها ..

لم ينعم الوالد طويلا بمشروعه للاطمئنان على مستقبلنا ،فأخده الله إليه في بداية الـ 77 ، رحمه الله ونشكره على الملك المقدس الذي تركه لنا ،وعدنا نحن أسرة وبيتاً ونخلة لكنف جدي مصطفى وكان التاريخ يعيد نفسه ، تماما كما ربَّى أبي وأخوته جاء دورنا فكفلنا ورعانا ولدين وثلاث بنات وكنت البكر ولم أكن قد تجاوزت التاسعة من العمر حينها فكان وجوده نعمة أخرى إضافة للبيت كي نستمر كعائلة ،هو الأخر فرح بوجودنا فهو لا ولد له سوى والدتي ، ثم إننا كنا إلى جانبه حين عصفت المحن في أخر السبعينات وبدابة الثمانينات وصادر النظام كل ما كان يرتكز عليه من عقار وموارده من إيجارات ..

أما عن النخلة فحين سكنَّا البيت لم يكن يحتاج الأمر إلا أن نقف على السطوح لنقطف من رطبها، الطابوني ثمر من عسل .. كذلك لم يصعب الأمر على جدي لـ (ذكّارها )* و (تعربينها )* وكل ما يلزم من شئونها تلك .

(الفسلة ) التي غرسها في أخر الأربعينات عاشت ملكة ببيتنا وتطورت علاقتنا بها مع الأيام ، أمي تراها دائما في المنام كرجل صالح يرتدي البياض وبلحية بيضاء يهديها أحيانا من معينه ، فتصحو وهي تطير من الفرح ونردد ( جاينا خير ) وتراه أحيانا عبوسا ولا يمنحها حتى النظر فتصحو مرتجفة وتقيم الدنيا ولا تقعدها موقنة بان حدث جلل سيحل بالعائلة ..أما في الشتاء ، خاصة وإنها نخلة بقلب بيت والحوائط تحيط بها من كل جانب وتتكئ على جدار فيقوم جدعها بضبط الإيقاعات في حين تقوم هي برقصتها الشتوية طربا كملكة لعوب (تنخ )*بسعفها في كل عرس ما محيطه ثلاث بيوت ( ع الداير ) *من بيوت جيراننا ،تعودنا مع الزمن على هذا الصخب على أنه أمر لا يخيف كنت أقول لأخوتي حين تشتد العاصفة فيختلط عليهم الأمر ( رعد وبرق وريح ومطر وجنونها ) ناموا أنها النخلة ترقص على إيقاعات ( الهارد روك ) .

كبرنا مع الوقت ، واقترب جدي لأعتاب المئة وزادت النخلة من كبّرها وتطلعها لمعانقة السماء وصارت ابعد من أن نطالها ، ابتعدت حتى عن سطح غرفة السطوح وصعب الأمر على جدي وكان ربَّانا ( العلم وبس ) أي ليس مطلوبا منّا سوى الصحيفة المدرسية وبتقدير ليس بأقل من جيد جدا اقل من ذلك ( كان قاسيا في عقابه ) عدا ذلك علينا إن لا نتدخل في كل ما يحتاج لجهد أو صراع ( وكان قاسيا في قراره هذا أيضا )، لذا وبعد أن ركبها (بالوصلة )* لبضع سنوات صعب عليه الأمر فاحتاج في أعوامه الأخيرة أن نأتي بعامل فكنا نأتيه به ويشرف عليه هو شخصيا كي يقوم بشئون ملكته تماما كما العهد القديم يجمع حصادها ويقسمها لحصص لكل جار وكل صديق وكل قريب تصله لبيته حصته هذا ما تهديه كل خريف ملكته الولود تلك التي كانت يوما في أواخر الأربعينات مجرد فسلة.

لم يكن يخبرنا عمّا يدور بدهنه وهو يثني ركبتيه ويجلس قبالتها يتأملها كلما زارها لخدمة آو رعاية لكنني كنت أحس أنه كلما رآها ابتعدت أكثر نحو السماء كان يشعر بزهوه وفخره بها ، بالمقابل وبدون ضيق وكذئب يبحث عن ملاذ بعيد في السماء ( مثلها ) كان يشعر بدنو الأجل .

في 2003 اخذ الله أيضا جدي إليه لذا نحن أيتام لمرتين ،مات كما تمنى ، ذئب لا ينجب الزمن مثله ، قام بواجبه تجاه كل أفراد القطيع لكنه لم يحمّلهم همّ نهايته (كان الدكتور في مروره اليومي عليه يردد علينا هذا رجل لا مرض فيه لكنه العمر وساعات الرحيل ) ربَّانا كلنا اخوتي واعمامي وعماتي وكل من ينتسب لبيت العنقودي ( ربّاي العناقيد ) حتى تعود الناس مع العقود أن ينادوه بالعنقودي في حين أن لقبه جبيرة وهي عائلة كبيرة بمسلاتة وجده ولي صالح له مسجد ومقام إلى ألان هناك ، خرج منها في حصار الايطاليين لها وترحيل كل أهلها لمدينة الخمس في (جلوة) * كبيرة بعد 1911، كان طفلا حينها ، لم يعد إلى هناك بعدها ألا زائرا ، ترك كل ميراثه لبني عمومته ، أما ما ملكه بطرابلس وادخره لنهايته فصادره الأخ العقيد .. في أيامه الأخيرة هذا الذي لا يحني ظهره لباب كان حين يصحو من غيبوبته القصيرة يردد ( الله لاتسامحه زي ماكسرلي ظهري وقهرني في رزقي قدام عيوني و ما عندي ليه جهد ) مات الوحيد الذي قهَّر جدي ، قتل شر قتلة ، لكن جدي لم يكن موجودا حينها لكن نخلته حضرت ولازالت إلى يومنا هذا تحضر معنا بقايا السيرة الليبية .

بعد وفاته ، وبعد عشر سنوات مقيما بزوجتي وولداي بالغرفة التي تجاور النخلة بالبيت ، وبعد أن ضاق الحال ولم اعد استطيع الاحتمال أكثر، قررت أن أشيّد لي بيتا على السطوح ، فلا أمل في استعادة رزق جدي حينها ولا أمل بالتحصل على قرض فعدنا للقصة القديمة قصة بناء البيت ،لكني لم احضر مهندس كما فعل أبي بل أحضرت صديقي (مختار نشنوش ) دارس قانون ويسكن بشط الهنشير طرابلسي أصيل ، بيتهم كما كل الشط محاط بما تبقى من النخلات بطرابلس وهوايته وقمة متعته الاهتمام بها ( مختار ذئب أخر أحببته لأنه دائما يذكرني بفتوة جدي ) له هوايات أخرى جميلة وغريبة في آن فهو صائد أفاعي أول مرة أرى كوبرا رايتها عنده بطولها الذي قارب المترين بسوادها بأوداجها بوقوفها على عودها كما نخلة جدي قال مختار

ـ ليست من بر طرابلس ولا محيطها أظنها سقطت من شاحنة (قزة )* ربما تكون من ترهونة

أيضا كان مختار يحرث ويغرس الأرض ،كان بارعا في زراعة الخضار بالذات وفيما يزرع كان لا يستعمل ( الصوبة ) كما أنه لا يضيف لمحصوله أي سماد كيماوي ، أما أصحاب الأراضي الزراعية فكانوا صفا ينتظرونه لأسابيع وأكثر كي يكشف لهم عن مكان الماء بالأرض ،لأن رعاية الله كانت تشمله دائما ، فلم يخيب الله عوده الذي يستعمله للكشف عن مصادر الماء كنت حين اتبعه أتخيل الأجداد بفتوتهم بنواياهم الحسنة وهم يزرعون التبغ والخضار على طول ساحل المنشية .

..حين جاء إلي أخبرته القصة القديمة ( المهندس وجدي وابي والنخلة وقدف الخريطة بعيدا الخ الخ الخ ) كان الأمر شاقا علي ،وكانت أمي وأخواتي البنات يبكين بالبيت فربما استقر حديثنا على خلع النخلة وهي بنظرهن الأثر والعطر الأخير الذي تركه لهن مصطفى العنقودي ..حين أنهيت حديثي قال (مختار) ساخرا..

ـ أرأيت ليس بينها وهذا الحائط سوى بعض السنتميترات لقد هلكت الجدار ؟!

..قلت نعم أنا اسكن البيت حينها للعقد الرابع ومفترض إني واثق مما أقول..أجابني مختار بلهجة اشد هذه المرة

( حيط *عينك تتكا عليه النخلة .. النخلة ما توقف إلا على حيلها* ) .

كان يوما صافيا وكانت هي في هيبة صمتها ،وقفت تحتها في لحظة سكونها تلك ، وتتبعت جدعها الضخم وهو يحادي الحائط ، كانت النخلة لا تلمسه بل أن جدعها كان يسحب نفسه بعيدا ويرسم له شكلا أخر كلما برز نتواء في الجدار.. كان الأمر جديدا بالنسبة إلى بل كان أمرا ساحرا .

أدرك مختار حيرتي وجمع نفسه هاما بالخروج والتفت ألي قائلا ( ابني حوشك ولو معوج* ولا تقرب النخلة اسعد والدتك وأخوتك اسعد نفسك فهذه ليست مجرد نخلة أنها روح ذلك الذئب لم تغادر البيت ) .

ها أنا ألان اسكن ببيتي ( ووفق شروطها وعلى مقاييسها حتى هذه المرة ) بعد سنوات من التعب الشديد ، مرت خلالها حرب التحرير بكل ما فيها من رعب وظلام وحصار لطرابلس ، بيتا جميلا سكنته من قرابة عام ، ينقصه الكثير لكن أعطاني الكثير ، والوقت أهم ما أعطاني والذي لم أكن املكه من قبل ، زال كل القلق الذي كان يحاصرني وأنا بتلك الغرفة ، في متسع بيتي الآن أسبح في كل تلك الكتب التي فأتني أن اقرأها ، كل الموسيقى وكل الأفلام التي أهملتها والجديد منها كلها لايفوتني اقتنائه لي مكتب لم يجهز بعد لكن سيكون فيه لكل باب من المعرفة مكان ، أما باب البيت فجعلته مقابلا لروح جدي بالبيت ( الطابونية التي لا تستند إلا على نفسها ) يزورها (مختار ) ولا ينقطع عنها تماما كما كان يفعل جدي ونحن صغار ويقوم بالواجب نحوها أما أولادي فقد هاموا بها عشقا هم اقرب إليها ألان من تلك الغرفة المعتمة ما أن يفتحوا الباب حتى يلامسهم سعفها ، يقابلهم عش ( القصبي )* الذي اختارهم واختارها من دون النخلات ليضعه بين اغصانها ، ( الكناري )* الذي يحضر لأيام ويغيب لأيام ، لكل هذا الفرح تركت لهم فسحة تحتها يلعبون بظلها ويتراقصون رفقة سعفاتها كلما هبت الريح وتساقط المطر .

 ______________________________________

*الطابونية ..اسم لرطب تثمره نخلة تحمل اسمه * الفسلة النخلة الصغيرة المعدة للغرس * ثمالي وكتينة هي الخرسانات التي يقام عليها أي بناء * الشيرة ..اخذ المشورة في الأمر * (ذكّارها ) تذكير النخلة أي تلقيحها أما (تعربينها ) أي قطع جريدها القديم وما تبقى من جدوع وغيره من أوساخ العام المنصرم

* تنخ ترقص بهز شعرها وهنا اقصد جريدها * ع الداير أي على امتداد قطر جريدها

*الوصلة أداة من حبال لتسلق النخيل وخدمتها *قزة رمل يستخدم للبناء *حيط جدار …وحيلها أي تقف على جدعها ولا تتكئ على شي * معوج ..غير مستقيم

*جلوة تهجير قصري قام به الفاشيست الغرض منه كسر ظهر المجاهدين

*القصبي والكناري من الطيور ..

الصور لأخي وصديقي (مختار نشنوش ) وهو يقوم مقام جدي برعاية النخلة 2013 م وهو في الصور يقوم بانزال عراجينها وما لذ من رطبها .والصور تطهر مدى طولها (ماشاء الله ) وابتعادها صوب السماء بغيدا عن سطح البيت المكون حاليا من طابقين .

مقالات ذات علاقة

أحمد الشريف: رجل الفكر والمقاومة..

سالم الكبتي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (29)

حواء القمودي

شاعر الكلمة .. عاشق الوطن.. رجب الماجري

رامز النويصري

اترك تعليق