المقالة

مقاربة عامة في قراءة خاصة

 

..0..

الجيل، يبدو أن العملية من أولها تدخل بنا متاهة لا ندري لها نهاية، ولا نعرف حتى مفردات الدخول لها، فأصعب التعامل ما كان مبتدأه غير محدد.. وهكذا يبدو الجيل مسمىً لعملية لم تتشكل حقيقية حتى يمكننا التعامل معها بمصداقية تامة، أو بمعرفية محدد المعالم يمكننا من خلالها وضع مرجعية للخروج بنتيجة مفيدة.. لماذا؟

لأننا وببساطة شديدة لازلنا حتى هذا الوقت لم ننجح في إنتاج جيلٍ حقيقي، أو كامل المعالم، يمكننا الاعتماد عليه لتكوين صورة واضحة المعالم، أو لتوقع ما يمكن القيام به حيال ما يأتي..

ومن هذا المنطلق فإننا في ثقافتنا العربية نعاني حقيقية من غياب الأجيال الحقيقية، الأجيال القادرة على التفعيل الحقيقي في وسطها الذي تعيش فيه، أو تعايشه.. دون الحاجة للصراخ والأظافر للفت الانتباه.. كيف تتم العملية؟

..1..

لا نستطيع أن نقول أن ثمة جيلاً ما في ثقافتنا العربية، بقدر ما سيكون قولنا متوجهاً إلى مجموعاتٍ ثقافية تكونت، بعيداً عن شكل الجيل.. لأن هذه الأشكال هي أشكالٌ مشوهة لمخلوق كان مفترضاً به أن يكون هو (الجيل)، بحيث تولت هذه المجموعات بالنيابة فعل الجيل في المواكبة والارتقاء، ولأنها جماعة فهي لم تستطع أن تقوم بفعل النهضة (المواكبة والارتقاء) على المستوى العام في القاعدة العريضة التي ينشأ فيها هذا الجيل، الذي اقتصر العمل فيه على مجموعة منه تحاول أن تقوم بدوره.

لم تساعد ثقافتنا التي نشأت عليها العقلية العربية، من توفير المناخ الصحي لنشوء جيلها الذي تعول عليه، وحتى هذه اللحظة مازالت القضية، قضية تكوين جيل غير واضحة المعالم، أو غير مهيأة الظروف لتنشئة جيل، ولن نقول تكوين جيل، لأن ما يحدث هي عملية تكوين لهذا الجيل، حيث تعمل الدولة على تكوين جيلها الذي يتماشى معها، بمعنى إنها تخضع عمليات التنشئة/ التكوين لفرضياتها الأيديولوجية أو تعمل من خلال فرضياتها التي تخدم خطتها للبقاء. ولأن وضعنا العربي، شديد التعلق بالسياسة فإن كل مقومات الفرد تظل معتمدة في تطورها وتطور أدواتها على النشاط الأيديولوجي للدولة.

ومن حقنا أن نعترف على هامش هذا المتن (وهذا الهامش مهم)، إن تاريخنا العربي الذي كتب، إنما كان تاريخاً أيديولوجياً، أي تاريخاً سياسياً يسجل الدول ودول حكامها، بعيداً عن ما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي أو الذي يدرس تكوين المجتمعات العربية، حيث لا يدخل في هذا الهامش، ما كتبته عيون الرحالة، وابن خلدون.

..2..

ولأن تاريخنا يخضع أبداً للتاريخ السياسي.. حتى تاريخنا الشخصي، فإن التعويل القضية تبدو في دورانها الواسع تتجه بعيداً، بينما بقليل من المراقبة نكتشف أن زاوية الدوران تتجه للداخل بدل الخروج.

ولو اعتبرنا أن خمسينات القرن الماضي هي بداية النهضة العربية في خروجها عن التبعية الأجنبية، في حركات استقلالية واسعة، تهدف إلى الرفع من الفرد وضمان حريته، وتأمين كل متطلباته (كما تقول شعاراتها التي خرجت بها في بيناتها)، وحاولنا أن نتتبع أو نتلمس حس أي جيل لاكتشفنا أننا نقف على معالم مشوهة لكائن غير مكتمل، أو كائن ناقص النمو في أحسن الأحوال.. لماذا؟.. لن تكون أجابتنا (لأن).. فقضايا الإطلاق لم يعد لها من إمكان، فلقد أضحى الإمكان متاحاً ولو بقليل من القوة.

..3..

الخمسينات التي شهدت الثورات الأولى، وحماسة الرجال الذين انطلقوا بوعي اللحظة ناحية الفرد، لم ينجحوا في مطابقة النظرية بالواقع، ولم يستطيعوا الصبر أمام السؤال الملح، لذا فإن العقلية التي تقبلت هذه الثورة وحاورتها وساءلتها لم تنج من خوفها، وضرورة حفاظها على كرسيها.. أما العقلية التي بدأت في التكون، كان الإبهار إفطار الصباح، والوعود وجبة المساء، والمستقبل حلم الصباح المقبل.

الستينات، أيضاً لم تأتي بجديد، إلا خيبة الهزيمة، لتسقط كل الأقنعة، ويكتشف أن كل مخابئ الأحلام فارغة، وأنها وزعت باكراً، ولم يعد أمام الفرد إلا الفراغ ليحلم به.

لكن هذه الفترة، رغم هزيمتها كانت شكلت مولد شحن، لضمان بقاء الفرد بعيداً عن التفكير في دولته، فكانت الشعارات ترفع لا تهدأ، وتنزل بأصحابها إلى تحت الأرض، والمحتجزات.

السبعينات، جاءت بنظرية الفراغ.. تفريغ العقول، وتطعيمها بجرعة من مهدئ (النصر) لضمان أن تبقى حبيسة أفواهها المغلقة، وعلينا أن نعرف أن فترة الستينات والسبعينات شهدت أكبر حملة لتمكين المواطنين من أماكن أكثر رفاه (السجون).

ولم تأتي الثمانينات، بجديد كانت أكثر فتراتنا الداخلية غلياناً واشتعالاً، وتطلعاً ناحية الآخر، واستيراده بكل ما فيه، ورادفتها التسعينات بنكستنا الكبيرة في التواطؤ الأكبر..

والملخص أن خدمة الدولة كانت هي الأساس، وفكر الدولة هو المسيطر.. فكيف لأي جيل أن يؤسس لذاته، أو يوجد الزمن ليتمكن من قراءة أفكاره أو رؤاه، أو التطلع فيما حوله للخروج بأدواته إلى آفاقٍ أكثر رحابة..

لم يتمتع الفرد العربي بحالة من الثبات.. حالة من الثبات التي تضمن له الاستمرار والاستقرار، فأن تتغير الدولة (تحت أي ظرف) يعني أن كل المؤسسات بالتبعية لابد أن تتغير لتوافق منهج الدولة وفكرها، والمؤسسات هي التي يتكون من خلالها الفرد وينشأ في ظلها الجيل المعول عليه، الذي ما إن يتكون تحد بندٍ ما، حتى يفاجئ أن البند تم إلغاءه بآخر جديد.

ولو آخذنا مناهج التعليم، أو الخطاب الإعلامي (على مستوى دولةٍ عربية ما)، للاحظنا الفرق الكبير بين نظامها الحالي ونظامها السابق..

وحتى الدول العربية التي عاشت حالة من الثبات السياسي بثبات شكل الدولة لفترات كبيرة، كانت بين الحين والآخر تحاول تكييف الفرد مع طبيعتها أو مع مخططاتها الجديدة لمواكبة العصر، دون العمل من خلال خطة مردوسة.

..4..

باختصار كانت خطة الدولة من الأساس.. هي تكييف الفرد، بما يوافقها.. ولم يكن مقدوراً لجيلٍ ما أن يتقدم من دوره، وينال المكانة التي يريد، أو يصنع الغد الذي يأمله، لقد تشكل في قالب إرادة الدولة، فتارة تصنع منه ديمقراطياً، وتارة اشتراكياً، وأخرى قومياً، وفي النهاية خليط من هذا وذاك..

وتخبط الأجيال (هنا مجموع الأفراد) بين نموذج مستورد، وانكفاء على الذات.. واقع مشوش، وصورة مشوهة، لن تنجح في أن تكون جيلها القادر على بناء ذاته، أو تأسيس الموقع لبناء مشروعه الخاص، مستقلاً عن كل تبعية، يقبله الآخرون كما يقبلهم، يتعاطون سوية الحياة والأفكار والرؤى، والغد الجميل (يقين تأكيد)..

وبين تيارات الجماعات، وأفكار الرغبة تتوزع الإبداعات، تخلق مستوياتها الدفاعية الخاصة، محاولة أن تبلور فكرها، ولو بفكر دعه يفكر دعه يقول.

..5..

لكن منظمتنا العربية لن تنجح في تكوين جيلها..

مازال التفكير يستند إلى مرجعية ماضية، أو يعتمد على عقلية ذات تكوين رجعي، ولننظر أن منظرين مؤسساتنا هم نتاج فترات الخمسينات والستينات، وفي أفضل الأحوال السبعينات.. إنهم ذات الجماعة التي وطدت الأساس لقواعد (قتل الأب)، ونظريات (حرق المراحل)، إن المؤسسات وهي تعمل بهذه العقلية لا تتراجع عن قتل أي محاولة شابة لخلق موازاة حقيقية، وإلا انهار منحنى الالتفاف الذي يتمركزون فيه (لا عليه)، والذي يمنحهم كل شيء.

انظروا إلى كل مؤسساتنا العربية، لا زالت تعمل بأفكار رجالات الماضي، إنهم هم ذاتهم الذين أوجدوا الفتاوى لكل الأخطاء والمراحل السابقة، حتى وأد الديمقراطية.. ومصيبتنا أن نكون في ذات السلسة، تكرُّ علينا المرحلة بكل عنفوانها دون أن نعي الحقيقية، نقابل طموحنا بخجل، ونقتنع أن محاولتنا الصغيرة لرسم ملامح تجربتنا هي (قتلٌ للأب)، لأب لم نره ولم نجده عندما أردناه.

..6..

ومادام هذا حال مؤسستنا العربية، فإن الجيل القادم لن يكون قادراً على صناعة شيء.. لكن ربما تنتج ردة الفعل الطبيعية في ذات الفرد (والجماعة) دفاعاتٍ تجاه تطوير الأداة ناحية خلق مرحلة (جيل) مكتملة.

مقالات ذات علاقة

حكاية لطفل أعرفه في غزة

الصادق النيهوم

أنـا مـدون… أنـا حــر!

فاطمة غندور

الموت يغيب نصيرا للحياة: الشاعر محمد الفقيه صالح

عمر الككلي

اترك تعليق