دراسات

مفردات سريانية في العاميّة الليبية (1/ 8)

ع. المحجوب

مفردات سريانية في العاميّة الليبية (الصورة: عن الشبكة)

هذا ثبتُ مفردات سريانية في العامية الليبية، وهو جزء من مخطوط «كتاب الألفاظ الليبية»، ويجد القارئ في مقدّمته تحليلاً تأريخيّاً لمسار هذه المفردات في العامية ترحالاً وتوطّناً؛ أهي من بقايا الآرامية جاءت مع هجرة القبائل العربية التي حملت المعجم الآراميّ في عامّ كلامها؟ أم أن اللغة الآرامية عندما انحسرت عن تمثيل الأمم في الشرق الأدنى القديم في القرن السابع كان الكلام قد تشبّع بها فاستقرّ أصلاً ثابتاً ولم يندثر بانتشار الفصحى وسيادتها على الحوض الأفروآسيوي الكبير؟ أم هي من الألفاظ المشتركة في اللغة الكنعانية جاء بها الفينيقيون قبل ذلك إلى شمال إفريقيا؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه اشتراك ألفاظ بين العربية وشقيقتها السريانيّة؟

إن العرب أنباطٌ كما جاء في الأثر؛ ورد في لسان العرب: «قال محمد بن سيرين: سمعت عبيدة يقول سمعت عليّاً، عليه السّلام، يقول: من كان سائلاً عن نسبتنا، فإنّا نَبَطٌ من كُوثى»، و«كُوثى العراق هي سُرّة السّواد من محالّ النَّبَط». فاللغة العربية ليست «القاموسيّة» وحدها، أي ما ثبتت صحته قياساً وتواتراً مدوَّناً فحسبُ، بل هي أيضاً ما توطّن من عامّ الكلام القديم على ألسنة الناس، واللغات المكتوبة والمحكيّة يُلزِمها التقعيد على مستوى الأفراد بينما تتطوّر بمعزل عنهم في مسارات عامة على مستوى الأمم. ونحن إن كنّا ننزّه الفصيح عن شوائب الكلم، فلأننا جُبلنا على أن الخطأ اللغوي عيبٌ خُلقي قبل أن يكون شيئاً من فجاجة الخطاب، وذلك نوع من التقديس والأسطرة يُضفىٰ على اللغة لا صلة له بالحياة في هدوئها واضطرابها.


﴿أيوه﴾

أيوه: نعم، إجابة بالموافقة، كلمة استزادة، وغير ذلك مما يقتضيه سياق الكلام. كأنها «أيْ»، بمعنى نعم، وقد اتصلت بها «واو» القسم وأُوقفت على «هاء» السَّكت؛ أو لعلّها محذوف «إي والله» جرت على الألسنة اختصاراً؛ونقرأ في البقايا الآرامية (فاضل مطانيوس مباركة؛ بقايا الأرامية في لغة أهل صدد المحكية، دار ماردين، حلب، سوريا، 1999. ويشار له بعد ذلك بالبقايا الآرامية) أن كلمة أيوا «بمعنى نعم، من مخلفات لغة سوريا القديمة [أي السريانيّة]، كلمتان أدغمتا معاً الأولى: إين اܝܢ، والثانية هوا ܗܘا، أي: نعم، حصلَ، وصارَ».

﴿برّ

بَرَّانِي: خارجي (كما في: بابْ بَرّاني)؛ غريب، أجنبي، جاء من خارج البلاد (راجِلْ بَرّاني). البرّاني فصيحة من البَرّ، أي الظاهر والعلانية، ضد الجو، أي الباطن والسر، ومنه جوَّاني، زيدتا الألف والنون للنسبة. أَصله من قولهم: خرج فلانٌ بَرّاً، إِذا خرج إِلى البَرِّ والصحراء، وورد في لسان العرب أن اللفظ: «ليس من قديم الكلام وفصيحه». جعلته العامية منسوباً إلى بَرَّهْ أي الخارج، كما جعلت الجواني منسوباً إلى جُوَّهْ أي الداخل، ويوافق كل هذا الآرامية السريانية «برَّا» ܒܰܪ أي خارجاً، أو في الخارج، ومنه «بَرَّانايا»، أي الخارج، الظاهر، البرّاني، كما في الآثار (داود الجلبي الموصلي؛الآثار الأرامية في لغة الموصل العامية، مطبعة النجم الكلدانية، الموصل، العراق، 1935. ويشار له بعد ذلك بالآثار). 

﴿بربر

بَرْبَرْ: رطنَ، تكلّم بما لا يُفهم؛ عربيةٌ، وسريانيتها: ܒܪܒܪ، باللفظ العامّي، بمعنى صوّتَ، وهي كلمة تعود إلى اللغة الأكدية وأصل الكلمة سومريّ، ويتّصل الأصل بـ«بر» أي البريّة، أو الصحراء، في هذه اللغات، ثم استعارها اليونانيّون ثم الرّومان من هذا التواتر السومري الأكدي السرياني العربي، دلالةً على سكان الصحراء، أي الأعراب، ثم تركّزت دلالة اللفظ فصارت علماً على سكان شمال إفريقيا القدامى.

﴿برطع

بَرطَعْ: عدا متفلّتاً ونطّ وقفز، وهي كلمة جدّ شائعة في البلدان العربية. لعلّها من بردعَ، لتقارب لفظ الطاء والدال، فإذا اشتُقّ بردعَ على اللزوم، كان على خلاف التفلُّت، وإلى التقبُّض أقرب، كما في زيادة النون، أي ابرندعَ، وتعني تقبَّض، والمُبْرَنْدِع: المتقبّض، ومتقبّض الوجه، إلا أن تؤخذ على الضد، ولكن هذا التخريج لا يبدو مرضياً، وهي في البقايا الآرامية: «برطع: صفة في الحيوان الذي يفلت في البريّة وتكثر رشاقته، أرجّح بأنها مأخوذة من البرطعنا ܦܘܪܬܥܢܐ، أي البرغوث، لتشابهها في المعنى والمبنى، وتعني الرشاقة».

﴿برنس﴾

بَرْنُوسْ: ثوب به قلنسوة، وقد تقتصر الكلمة على القلنسوة فحسب. اللسان (ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، د.ت. ويشار له بعد ذلك باللسان): «البُرْنُس: كل ثوب رأسه منه ملتزق به، دُرّاعَةً كان، أو مِمْطَراً، أو جُبّة»، التاج (الزبيدي، تاج العروس، دار ليبيا للنشر والتوزيع، بنغازي، ليبيا، د.ت. ويشار له بعد ذلك بالتاج): «البُرْنُسُ: قلنسوة طويلة، وكان الناس يلبسونها في صدر الإسلام». تعود الكلمة إلى الآرامية، والسين العربية مبدلة من الشين السريانية، فأصلها برنوش، وهي في الآرامية المحكية في قرى معلولا وبخعة وجبعدين حتى الآن: بَرنوشا وتعني رجل، ومجرّدها برنش ܒܪܢܫ، وهي في السريانية برنوشو ܒܪܢܫܐ أي ابن الإنسان، ثم انتقلت إلى العربية دلالةً على ثوب الرجل، وعاميتها غالباً برنوس، وعلى الأخص في البلدان المغاربية. 

﴿بزل﴾

بَـزُّولْ: ثدي، حلمة، ج. بْزازيل. اشتقاقٌ من البَزْل وهو  الطلوع والكمال؛ بَزَلَ بَزْلاً وبُزُولاً فطرَ، وطلَع، وكملَ، أي نهدَ وكَعَبَ، فهو بازِلٌ وبَزُولٌ. والثدي في لهجات عربية أخرى هو البِزّْ، وقد تساءل صاحب التاج: «البِزُّ: ثدي الإنسان، هكذا يستعملونه، ولا أدري كيف ذلك!»، فأصل الكلمة من السريانية ܒܶܙܳܐ بزّا وهي الحلمة، مشتقة من الظهور والطلوع، استقرَّ في العربيّة وأشتُقّ منه بَزَا أي تطاول وارتفع، والبَزْو أي العِدْل، كما في التاج، فالثديُ بِزْوُ الثدي، إي عِدْله، ومن هذا الأصل الإبْزاء أي الارضاعُ، والبَزِيُّ أي الرضيع، ومنه الباز والبازيّ لأنه يظهر ويرتفع.

﴿بس﴾

بْسِيسَهْ: البَسِيسَة. اتّخذ العرب البسيسة منذ القدم بأن يُلَتَّ السّويق أو الدقيق أو الأقط المطحون بالسمن أو الزيت ثم يؤكل ولا يُطبخ. بَسَّ السّويق والدقيق وغيرهما: خلَطه بسمن أو زيت. واللفظ قديم قدم هذا الطعام، ففي البقايا الآرامية: «البسيسة: هي من مخلفات المأكولات السورية ܦܫܝܫܬܐ بشيشتا أو بسيستا».  

﴿بسر، بصر﴾

بوصار: عِلّة تحدث في المُقْعَدَة، وبجمعونها على بواسير، من الفصيح، مفردها باسور؛ وهي سريانية.

﴿بطل

بطَّلْ: توقَّفَ، كفّ عمّا يفعل، وبصيغة الأمر: توقَّفْ، كُفّ، كفى، أما فصيح بطَّلَ فهي تداولَ الباطلَ، وبَطَلَ بالتخفيف تعطَّلَ فهو بطَّالٌ؛ يتوافق اللفظ العامي مع السريانية ܒܰܛܶܠ  بطَّلْ: كفّ، توقّفَ، زالَ.

﴿بطن

بطن: مولود، حَبَلٌ، فصيح البطنِ النّفاسُ، اللسان: «نثرت المرأة بطْنَها ولداً: كثر ولدها. وألقت المرأة ذا بطنها أي ولدت»، ومعنى الحَبَل يتوافق مع السريانية ܒܰܛܢܳܐ (بطْنَ)، كما في اللهجة اللبنانية: «جابت أوّل بطن»، أي أنجبت بكرها، بعبارة قاموس الألفاظ(عيسى، إيليّا؛ قاموس الألفاظ السريانية في العامية اللبنانية؛ مكتبة لبنان، بيروت، 2002. ويشار له بعد ذلك بقاموس الألفاظ).

﴿بعبع

بَعْبَعْ: ثرثرَ، كأنهم يصفون صوته بالثغاء (بع بع)، وبعبع في قاموس الألفاظ السريانية: ܒܰܥܒܰܥ: صوّتَ، بعبعَ، صرخَ. اللسان: «البَعْبَعُ: صوت الماء المتدارِك»، و«حكاية بعض الأصوات، وقيل: هو تتابع الكلام في عجلة»، المعجم المعاصر (أحمد مختار؛ معجم اللغة العربية المعاصرة، عالم الكتب، القاهرة، 2018. ويشار له بعد ذلك بالمعجم المعاصر): «بعبع الرّجل: تابع كلامه في عجلة، حتى لا يكاد يُبين».

﴿بقل﴾

بَقَّال: هي كلمة نادرة الاستخدام في العاميّة، بعد أن حلّت تاجر محلّها، وبقّال عامّةٌ تقال لمن يبيع المواد الغذائية، الأصل فيها بائعُ البقول، وهو في السريانية ܒܰܩܳܠܳ (بقّالَ): «بائع الخضار»، التاج: «البَقَّالُ: بيّاع الأطعمة»، و«هو من يبيع اليابس من الفاكهة، عاميّـةٌ، والصحيح: البَدَّال».

يتبع

مقالات ذات علاقة

الصيغة السردية بين تنظير السرديات وتطبيق الناقد

عبدالحكيم المالكي

هل حقاً الإسلام في الأسر؟

علي عبدالله

الوفاءُ للمكانِ والبيئة في “حكايات شارع الغربي” عند المرحوم خليفة حسين مصطفى(*)

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق