قصة

مـوت جـــمل !!

كابر الجمل..

تجمل.. ارتدى قناع الصبر.. دفن عطشه القديم ومضى.. مارس الكذب ألف مرة:

– أنا الجمل.. سيد الصابرين وسفينة الصحراء.. خُلقتُ للعطش.. للسنين العجاف.

صدّق الكذبة وظل يحفر بخفه العريض وشماً غائراً على وجه بساط الرمل المضطجع بلا نهاية.. كان يبدو مهيباً فخماً كملوك الجن.. غامضاً ككل الأساطير.. هذا عن الخارج.. إما في داخله فقد كان العطش ينهشه بلا رحمة .

تخيل جرعة ماء.. زين له الوهم واحةً هادئة مترعة ببحيرة عذبة المذاق تنحني عليها بضع نخلات مكابرات:

– اشعر بالعار.. ها أنا أقع ضحية للسراب الخادع.. لستُ جملاً أصيلاً.. يخامرني الآن شك في نقاء سلالتي.. ربما ولدت من رحم ناقة سيئة السمعة.. قاتل الله سوء الظن.

استبد به العطش ومدت له الصحراء لساناً من نار:

– لستِ أماً لأحد أيتها القطعة من جحيم.. ألا تقول الروايات إني ابنك ؟.. سفينتك ؟ أتبخل الأم على جنينها بقطرة ماء ؟

عجز عن المسير.. توقف.. جال بعينيه الحزينتين في الفضاء الساكن.. خمسون يوماً كاملة مرت دون أن يشرب.. دون أن يشرق بالماء الزلال.. دون أن يغوص برأسه العجيب مستشعراً برودة الماء العذب:

– للماء العذب برودته المميزة.. انه يحتويك.. يحضنك ويقبل روحك بحنان تعجز عنه أطيب الأمهات.. عندما تستنجد به من وهج الرمال الملتهبة فانه يتحسسك بأنامله الرطبة.. يسقيك من بدنه الرقراق.. يبعث فيك حياةً جديدة.. لكنه يتركك بعد ذلك مذعناً لقانون الصحراء الصارم.. العطش  أزل  والارتواء عبور.. العطش أزل والارتواء عبور.. لتسقط نواميسك أيتها الصحراء.

عاد للهذيان وقد فقد تماماً قدرته على مجرد الوقوف:

– كيف تجلس الجمال ؟ كيف تضطجع ؟ الحق إني لم أصادف جملاً معدوم الهمة مثلى.. الجمل الحقيقي لا يحيا فوق هذه الصحراء إلا واقفاً.. انه يضرب رمالها البليدة بخفيه العظيمين ويتطاول برقبته العوجاء على كثبانها المراوغة.. الجمل الحقيقي يتهادى.. يزهو بسنامه الشاهق.. ينظر إلى الدنيا من عليائه.. يقترب من السماء ويدوس على الأرض.. هكذا هي الجمال

تبجح قليلاً.. لكنه سقط.. رغم كل هذه المظاهرة الإعلامية الصاخبة سقط الجمل.. كان العطش يقتله.. حتى انه صار يرى كل ما حوله غائماً رمادياً.. تطلع إلى الأعلى.. كانت الشمس قد تربعت على عرشٍ لا تراه الجمال في العادة.. كانت قد توهجت.. امتلأت بالنار حتى التخمة.. حتى إنها اقتربت من الأرض  مستعرضةً جبروتها لبعض الوقت.. عندها أدرك الجمل كل شئ:

– هي إذن مؤامرة.. مكيدة.. الصحراء تمد يدها للشمس لكي تموت الجمال المكابرة.. فقط لو يسمح الماء.. لو يمد لي يده.

تخلى عن أمنيته الساذجة ليواجه السراب الذي تراقص أمامه معلناً عن اقتراب النهاية.. أدرك إن الأمر قد انقضى عندما سكت كل شئ.. انطفأت المصابيح دفعة واحدة وتجرأت ذرات الرمال الساخنة حتى سكنت     حدقتيه :

– الجمل لا يموت عطشاً.. يبدو إنني سأجلب العار لكل جمال الدنيا.. الجمل يموت بعناده .. فداءً لسيده الشجاع.. بمحض إرادته.. لكن بالعطش.. هذا أمرٌ لا تطيقه الجمال.

واصل هذيانه.. لكن العطش لم يتوقف عن الفتك به..  عندها قرر أمراً.. استدعى كبريائه القديم.. استنجد بماضى اجداده الغابر.. أسياد الصحراء ومحترفى الجفاف.. وبما تبقى له من جهد وقف من جديد.. وقف والاعياء يجلده والهلاك ينهشه بنهم.. تماسك لبعض الوقت.. داس على الرمال بخفيه العظيمين وتطاول برقبته العوجاء متهادياً بسنامه الشاهق هامساً فى وهنٍ ظاهر:

– هكذا هي الجمال..!!

مقالات ذات علاقة

أبـوركلة

محمد العنيزي

الـعـجـوزان!

محمد المسلاتي

خـمـسة أقـاصيص

خالد السحاتي

اترك تعليق