من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
قصة

مغترب

من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني

– “الغربة ليست نقمة في كلِّ الأحوال، فهي قد تكون نعمة، ورُبَّ ضارةٌ نافعة”… هذا ما ظلَّ يردده منذ أول يوم لمس فيه كعب حذائه أرض الوطن، إلى اللحظة التي ظهرت فيها نتائج انتخابات المجلس البلدي، وتبين أنَّه لم يحصل حتَّى على أصوات أقرب الأقارب: زوجته وابنته الوحيدة

وهو محق على أية حال، فالحياة في (تاكسس) أو ( كليفورنيا) ليست كالحياة في برقة أو فزان أو حتَّى طرابلس، والمواطن الذي لا يتوانى عن رمي قمامته من نافذة السيارة على الطَّريق العام ليس كالذي يتحمل رائحتها العفنة داخل السيارة، مهما طالتْ الطَّريق، ومهما كانت حالة الطقس، حتَّى يضعها في صندوق القمامة أمام بيته.

الجميل أنَّ الحياة في الغرب لم تُنسه ما تعلمه في مدارس الشرق، فهو حين يرغب في الاستدلال بمقولات لإثراء حديثه لا يستعمل القاموس الغربي، بلْ يستدعي بعض المقولات الشرقية الخالدة التي حفظها عن ظهر قلب تحت لذعات ( تبو) أستاذ اللغة العربية في الصف الخامس الابتدائي، لهذا قال بكلِّ ثقة عند ظهور نتائج الانتخابات: “لا يأس مع الحياة”.

إيمانه الراسخ بأن الليبيين شعبٌ طيب، ساذج بسيط على الفطرة، خبرته في السياسة صفر، وتأكده من أنَّ القبيلة التي وحّدتْ أصواتها مع منافسه في الترشح لمجلس البلدية، ستدركُ الخطأ الذي وقعتْ فيه بعد أن يخيب ابنها آمالها من أول الطَّريق، وستصوتُ معه هو باعتباره الأمل والتعويض الأفضل.

وهكذا وبقوة وباندفاع دفع الرسوم المطلوبة، ثمَّ راح يلملم أوراقه ويدير حملةً دعائية واسعة ليترشح للبرلمان.. صوره غطَّتْ الشوارع كلّها مرَّة مبتسماً ومرَّة بلا تعابير.

لا يريد أنْ يُكشر في فهمها الشعب البسيط خطاً، فالتجربة العميقة بعد الثَّورة بينت له أنَّ الليبيين يترجمون كلَّ شيء إلى ألفِ لغة (ما فيه شيء عندهم يمشي على الأطلق )، والأدهى أنَّ الكلامَ عندهم (روسه لجوه) بمعنى أنَّه ينبغي أنْ يركز على كل كلمة يتلفظ بها، وإلا فُسرت له بستين ألف تفسير على بضعة وعشرين مذهباً.

قبل موعد الانتخابات للبرلمان، كان لابد من إجراء مناظرة بين المرشحين. لم يعتذر كما فعل أغلب من هربوا من إحراج الجمهور بالأسئلة الساذجة، إنَّه يعلم جيداً أنَّ هؤلاء الغائبين لم يغيبوا إلا لأنهم يعتمدون بشكل كامل على القبيلة التي ستخرج يوم الانتخابات بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها، لتُعطي صوتها لمن لا يحملون أي خبرة في السياسة التي خبِرها هو على أصولها لمدة خمسة وعشرين عاماً في الغربة.

قبل اليوم الموعود قرر أنْ يكتب كلمة يلقيها في المناظرة، ليعرف النَّاس البسطاء برنامجه وتوجهاته، ليس لضعف لغته بسبب الغربة الطويلة طبعاً، بل لأنه قد أُبتلي بفقد القدرة على التركيز على ما يقول في حضور جمهور ما، لذا وتفادياً لأي طاريء كتب كلمته، ثمَّ راجعها أكثر من مرَّة: “…. أيتها الثَّورة المباركة سِيري على درب الدم والنَّار، إننا لن نتخلى عنكِ، ولا عنْ تلك الأيام التي خلدت ذكرى في كلِّ شارع وبيت. ..أيها المواطنون. .ولّى عهد الطاغية…. سنعمل بكل جهدنا على ترسيخ حق المواطنة”.

مرشحنا يحب الكلمات المفبركة الطنّانة، لكن عيبه القاتل أنَّه لا يفرق بين حرف الياء حين يأتي في نهاية الكلمة وبين الألف المقصورة، فينطق الياء ألفاً، والعكس بالعكس، وحين وقف أمام النَّاس وفي يده ناقل الصوت بدأتْ الكارثة. لقد نطق الجملة الأولى هكذا: “سَيرى علي درب الدم و النَّار”. فتحول فعل الأمر إلى صيغة تهديد لمنافسه الجالس بقربه والذي كان اسمه، مصادفةً: (علي).

سرتْ همهمة بين الحاضرين، وعلتْ حمرَّة وجه المنافس (علي) لم يفسرها أحد أهي غضبٌ أم خجل. المهم أنَّ الهمهمة فُسرتْ عند مرشحنا استحساناً، فاستمر في الكلام، ونطق الألف في ( ذكرى) ياء، فصارت: “إننا لن نتخلى عنك، ولا عن تلك الأيام التي خلدت ذكرِي في كل شارع وبيت”.

هنا تعالت الأصوات:

– المغرور.
– ماذا يعتقد نفسه؟
– ما الذي فعله أكثر مما فعلناه، وما للذي قدمه للثورة أكثر مما قدمناه؟

على كل طاولة في القاعة فُتحت ملفاته منذ لحظة ميلاده إلى لحظة وقوفه أمام ناقل الصوت، طبعاً وبحكم حالة الغضب لم تُشرع سوى الملفات السوداء. ساد هرج أكبر حين نطق صاحبنا ( ولّى) بمعنى انتهى ب ( وليّ عهد الطاغية )، بمعنى سيدي ومولاي، حتَّى تصور البعض أنَّ الجماهيرية الثانية التي يُهدد بها المخضوضرون ويخافها المتخضرمون قد بدأ ظلامها يزحف على لسان هذا المترشح. رماه أحدهم بكوب ماء، فاعترض البعض، فمهما كان لا ينبغي أنْ نعامله هكذا، بينما رسم منافسه ابتسامة انتصار على وجهه وراح يسرح بأحلامه إلى البرلمان.

ارتبك المرشح المغترب، لكنه وجد العذر لهذا الشعب الطيب الساذج، هذا ما ربى عليه الطاغية هذا الشعب لاثنين وأربعين سنة، فلا تتوقع أنْ تتحسن أخلاقه أو طريقة معاملته مع الآخرين في يوم وليلة، أو حتىَّ في سنوات عديدة، ولا تتوقع أنَّ هذا الشعب الأمِّي سيفهم الديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر حتَّى في عشرين عاماً. ينبغي الصَّبر والتحمل. ومع ذلك لابد من إنهاء الكلمة احتراماً للوقت، وهكذا نطق بالقنبلة الأخيرة وهو في قمة الارتباك، فقال: “سنعمل بكل جهدنا على ترسيخ حق المواطنة”.

ولأنَّه – في غمرَّة ارتباكه – لم يدرك ما المقصود بالكلمة الأخيرة ؟ فقد أضاف بعد أنْ أحسَّ أنَّ ثمة نقصٍ قد بتر خطبته الملتهبة: “والمواطن أيضاً”.

سرتْ الضحكات هذه المرَّة، بينما زاد غضب البعض، واعتبروا موقفه استهزاء بهم ومحاولة انتقاص من ذكائهم. أُنهيتْ المناظرة بسرعة خوفاً من وقوع أية مشاغبات، وخرج المرشح وهو يسبح في عرقه، حائراً أشد الحيرة لموقف هذا الشعب الطيب، غير أنَّه لا يزال يجد له العذر، فمال إلى صاحبه، وهما يغادرن القاعة وتساءل بحماس: “الانتخابات القادمة رئاسة الدولة أليس كذلك؟”.

مقالات ذات علاقة

تَكَدُّسٌ ..

جمعة الفاخري

رقاص الساعة…

هدى القرقني

زينب

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق