من أعمال التشكيلي الليبي عادل الفورتية
قصة

مغامر

واحدة من أقدم ذكريات آلي وردقو عن طفولته، مرتبطة بكهل مشرد، ظنه جاء لزيارة والده، لكنه لا يتذكر طرقاً على الباب. انتهى يومها من زراعة بذور القمح على هيأة اسمه، عندما لاحظ لوحاً ضوئياً يسقط من الباب الخارجي الموارب. قاده الفضول للتطلع، دون أن يغسل يديه من بقايا الطينية، فشاهد كهلاً بشعر رمادي وبملابس رثة، يحمل كتاباً سميكاً وبصحبته كلب أسود ضخم بلا شعر وبأذنين مرفوعتين وقد أخذ يزمجر بتصاعد. ابتسم له الكهل الرمادي ثم أمر الوحش الأسود بالجلوس، فربض بذكاء. “اسمه مغامر، أتعرف ما معنى هذا؟”. هز آلي رأسه مظهراً عدم معرفته. “لا يعرف معنى هذا إلا من خرج للعالم الواسع. اسمك آلي صحيح، هل تحب رؤية العالم؟”. تطلع الطفل إلى الكلب المحمر العينين وهز رأسه بالايجاب. ابتسم الكهل: “سأختبر شجاعتك، أترى هذا الدرب”. أشار باصبعه نحو امتداد الدرب الترابي وقال: “تتبع الدرب عندها سترى شيئاً عجيباً”. هذا ما قاله الكهل ثم اختفى بين طيات الشعاع الشمسي، مثل خدعة بصرية تستخدم السراب. كان آلي يقف وحيداً في الطريق. الساعة قاربتْ الثالثة ما بعد الظهر، عندما اتجه نحو الشرق بدا الأفق السماوي ممزوجاً بلمعان الأبدية.

كل شيء بدا جديداً في نظره. قبل خروجه ارتدى حذاء العيد خاصته حمل معه بحسب طلب الكهل حافظة ماءه. الطرقات كانتْ خالية من الناس، البيوت الكالحة ممتدة بانتظام متراخي، الأزقة ضيقة تحتوي بعضها على حظائر للأغنام، شمس صيفية، لم يستطع النظر إليها، ظلتْ تنسكب بشواظ نحاسي، حاويات القمامة الموزعة أمام البيوت، هياكل لسيارات قديمة، يتطلع بانتباه ليسمع ثغاء الأغنام، أحياناً يسمع أيضاً أصوات نسوة غاضبات، يلتفت بخوف متخيلاً والدته تقف خلفه غاضبة بسبب خروجه بلا إذن، أدرك قيامه بإحدى تلك الخطايا التي لن تغفر له والدته عليها، السماء البعيدة وفي كل خطوة يثير مزيداً من الغبار ليشتم ويحس برائحة التربة الجافة في حلقه.

في منتصف الطريق كشف الكهل الرمادي عن نفسه مجدداً، خرج من الظلال بصحبة كلبه الأسود. مد ذراعيه شارعاً بردته الرثة وقال: “تبحث عن العالم، طفل شجاع”. اقترب منه ومشيا معاً نحو الشرق، خطوة بخطوة ثم أخرج من بردته كتاباً صغيراً مغلفاً بجلد أزرق، تحتوي صفحاته على تخطيطات، رسومات ولوحات لأماكن جميلة: سهوب ممتدة بخضرة لطيفة، غابات كثيفة، جبال عالية بقمم بيضاء، أنهار عريضة كأفاعي ملتوية، فتيان وفتيات بملابس ثقيلة زاهية باختلافات واضحة يقفون بابتسامات واضحة، في أغلب الصور. “من هؤلاء؟”. سأل آلي للمرة الأولى.
تطلع الكهل إلى حيث أشار الطفل باصبعه وقال: “أطفال يشبهونك، شجعان صغار”. تطلع آلي مجدداً في صفحة الكتاب، حيث وجه صبي في مثل سنه يقف وسط غابة بجذوع ضخمة، وعلى كتفه طير غريب بريش ملون وبدا الطفل سعيداً. “هل التقيت بهم؟”. سأل آلي، فأجاب الكهل الرمادي بالايجاب ثم وضح: “هناك صفحة فارغة يا آلي في هذا الكتاب، إنها صفحتك”. بحث الطفل بين الصفحات فوجدها في منتصف الكتاب. وقف متطلعاً إلى الكهل من أسفل متسائلاً بعينيه الصغيرتين. “أنت بحاجة لأن تضع فيها صورتك” هذا ما قاله الكهل ثم أضاف متسائلاً: “هل تريد هذا؟”. لم يكن من آلي إلا أن هز رأسه مبدياً رغبته بفعل هذا وبحماس طفولي. حثه الكهل على التقدم، فواصلا السير ولم يعد يشعر بالتعب وبالشمس الحارقة.

أمام دارة صفراء على تلة بدأ الكلب مغامر يزمجر بحقد واضح، ثم تقدم بقفزتين إلى الأمام، واصل الزمجرة. التفت الكهل نحو الصبي، جلس قرفصاء ثم سأله بوضوح: “هل أنت شجاع يا آلي؟”. فأكد الطفل على شجاعته. “هناك شي أريدك أن تجلبه لي، أنت واحد من حراس هذا العالم، لكن يتوجب عليك أن تثبت شجاعتك، هل أنت شجاع آلي؟”. سأله مجدداً فأكد آلي على أنه لم يخش حتى من مغامر، فأشار الكهل للكلب قائلاً: “مغامر كلب شجاع جداً بوسعه قتل أسود وجميع وحوش الأرض، لكنك أشجع من أي مغامر، أليس كذلك؟”. أكد آلي بحماس على فكرة الكهل. “أعرف هذا، اسمع، أريدك أن تدخل هذه الدار وتجلب لي شيئاً صغيراً من الداخل، هل تقدر على فعل هذا؟”. وافقه آلي. عندها أخذ منه الكتاب الصغير وفتح على صفحة لم يلاحظها آلي من قبل ثم اشار إلى مصباح صغير قديم.
“أريد مصباحاً مثل هذا من الداخل”. هكذا قال بقلق.

كان البيت واقفاً بوحدة تامة فوق التلة، محاطاً بأسلاك ممتدة نحو السماء وبسياج حديدي عليه عشرات القطط النافقة بأفواه مفتوحة نحو الأعلى، أدرك الطفل أنها تتألم بشدة. طلب منه الكهل ألا يخاف، وأن يدخل من فتحة في السياج وهذا ما فعله تسرب مثل قط مرن عبر تلك الفتحة، اتجه نحو الباب الموارب للبيت المكون من صالة واحدة فارغة من البشر، بضبط كما وصف الكهل، وجد نفسه داخل عتمة باردة كأنه في عمق كهف سيبيري، لم يصدق أن يكون واسعاً هكذا، لكنه شاهد المصباح القديم الذي رأه في صفحات الكتاب، على رف رخامي، فرفعه بهدوء وركض به خارجاً عندما ظن أن سيدة ما تراقبه في العتمة، عبر فتحة السياج بسرعة متجهاً ناحية الكهل الذي انتصب واقفاً فيما ظل الكلب مغامر مستلقيا بلا اهتمام. قدم المصباح إلى الكهل، أخذه كمن لا يصدق ما حدث للتو. طلب من آلي العودة إلى البيت واختفى بين طيات الضوء مع مغامر.

عندما التفت آلي نحو طريق، بعد رمشة واحدة خاطفة وجد الدنيا مظلمة تماماً من حوله، أحس بقليل جداً من القلق يتسرب ببرودة إلى أعماقه، لكنه لم يخف وأخذ يمشي بثبات نحو البيت. مشى لمدة طويلة أكثر من تلك التي استغرقها في وصوله مع الكهل، ظل يسير حتى شاهد من بعيد طريق بيتهم وسمع هتافاً من أحدهم وهو يعلن: “وجدته، وجدته، آلي، وجدتُ آلي”. أخبروه أنهم بحثوا عنه طوال اليوم، كان قد غاب عن البيت يوماً كاملاً، يُعتثد أنه خرج قرابة آذان الفجر، ولم يعثروا عليه إلا في نفس التوقيت من اليوم التالي.

في البيت عندما سألته والدته: “أين كنت؟”. أجابها بهدوء وثقة: “كنت مع الله، طلب أن أجلب له مصباحاً وقد فعلتْ”.

مقالات ذات علاقة

العـالِـق

أحمد يوسف عقيلة

اللافي

سعاد الورفلي

سالم وسليمان

نورهان الطشاني

اترك تعليق