قصة

معجنة اللوح*

هكذا أكلت المانجا – من أعمال التشكيلي محمد بن لامين.


كان ذات شتاء أن انتقلنا إلى بيت جدتي القريب من المدرسة، وكانت فرصة نادرة للذهاب والعودة على الأقدام.

أصاحب بنات الجيران في باكر الصباح، والشمس ما تزال تتثاءب من غفوتها، والليل ينسحب بهدوء، والسماء تحرسنا، والشتاء ينعشنا. نسير كالزرافات على الإسفلت حتى نكاد أن نلتهم نصف الطريق.. نحكي ونضحك ونتحرك بحرية وسط الشارع، كأنه لنا. والحقيقة أن السيارات سبقتنا والتهمت الأرصفة ولم تبق لنا منها إلا شريطا ضيقا يصعب معها السير دون التواء وانحناء واحتكاك بالجدران. وهكذا الحال، تكونت أعراف مرورية جديدة.. تقبل العجلات اليابسة على الأرصفة وتسمح بحركة الأقدام على الإسفلت.

حقائبنا ثقيلة وخطواتنا سريعة والأحاديث تتزاحم بتزاحمنا، والسائقون رفقاء بنا وصبورون علينا، وبعض الشباب المتجهون نحو مدارسهم مثلنا، لكنهم دون حقائب إلا من بعض الكتب والكراريس في أياديهم.  شتاء طرابلس قليل المطر معتدل الحرارة.. لكنه في بداية العام يشهد انخفاضا حراريا ورياحا وزوابع.. نرتدي المعاطف الصوفية التي لا تقي مطرا وبالكاد تقاوم بردا.. فيما أصابعنا عارية، باردة حد التورم، وخشنة كالصوف الذي نرتديه، لكن معدتنا دوماً ملأى بالكثير.. وأهمها سحلب الصباح بالقرفة.. يسري نحوها سريعا فتشع أجسادنا وتحتمل كل الشتاءات حتى القادم منها.

أما الغذاء عند جدتي فكان مفاجأة لنا ونحن نعدو نحو بيتها بمعداتنا التي نحملها لتعذبنا بفراغها وحاجتها إلى التعبئة في كل مرة. لأول مرة أراه وأتذوقه.. لم يكن ذاك “البازين”* الذي تعده والدتي.. بدا لنا مغايرا.. وإن اتخذ الشكل المستدير ذاته في قاع “المعجنة” الخشب.

بنظرة متمعنة تبين لنا أن مرقه مختلف.. أقرب الى اللون البني منه إلى اللون الأحمر الذي اعتدناه، كان أيضا خاثرا بلا دهن. ظننا للوهلة الأولى أن المعجنة الخشب هي السبب في لونه.. غسلنا أيادينا واقتربنا بحذر.. كانت جدتي قد بسملت ودفنت أصابعها في جداره، واقتطعت منه جزءا ليس باليسير، وغطسته في ذاك المرق الغريب وهرسته بأصابعها حتى لاّن لها، ثم رفعت منه لقمة إلى فمها.. كنا ما نزال نتمعن فيها وننتظر ردة فعلها.. حتى استفاقت بعد لقمتها الأولى ولاحظت العيون التي تراقبها، والأيادي التي ما تزال نظيفة.

“خيركم العفو.. لمن درته، لعمري؟” وبصرختها تلك، دفنا أصابعنا فيه واغرقنا اللقيمات في المرق الخاثر المليء بقطع صغيرة..

“كولوا خيركم.. هذا بازين بالفول”

 ردد أخي باستغراب.. “بالفول”

 “ايه الفول المدشش.. شنو عمركم ما سمعتوا بيه؟”

لم يجرؤ أحد منا على الإجابة بقول الحقيقة ” إيه ماسمعناش به قبل..”

تجرعناها مع ذلك المرق الذي تلذذناه منذ اللقمة الأولى.. رغم الأجواء الشتوية والصقيع المنبعث من الجدران الذي ينفذ سريعا إلى عظامنا ويسري فيها فتصطك.. وبمجرد تناولنا تلك اللقيمات، سرت فينا حرارة أشعلت أجسادنا، حتى تصببنا عرقا.

“ادفيتوا؟”

هززنا رؤوسنا باسمين.

 “ريتوا هذا البازين بالفول…”

منذ ذلك اليوم وحتى عودة أبوينا وترحيلنا إلى بيتنا… لم نتوقف عن طلب “البازين” بالفول، ولم تتردد جدتي في إعداده، تغرس العجين في “معجنة اللوح” وسط مرق الفول الخاثر وتسكب عليه صلصة حارة، نتحلق على المفرش المزركش، ننتظرها ونحن نهتز جوعا وانتظارا، فيما هي تحمل “المعجنة” عاليا كهدية وتضعها وسطنا مبتسمة، تتسابق أيادينا نحوه، يطرد البرد من عظامنا ويدغدغ معدتنا ويملأها.. يدفئنا ويسعدنا.

11  فبراير 2021


* معجنة اللوح: صحن واسع من الخشب.
* البازين: أكلة ليبية شعبية تصنع من دقيق الشعير.

مقالات ذات علاقة

عصافير…

أحمد يوسف عقيلة

مـا وراء الحـب

محمد العريشية

ساعدني يا قانون على فعل الخطأ

رزق فرج رزق

اترك تعليق