من أعمال الخزافة ميسون عبدالحفيظ.
طيوب النص

معجم الطين

من أعمال الخزافة ميسون عبدالحفيظ.
من أعمال الخزافة ميسون عبدالحفيظ.

في بعض الأحيان قد تجتذبنا بقوة تلك الاختلاجات التي نستشعر فيها بحنين عنيف إلى بهاء الطين وألفته ..هذا الخاطر استدرجني إليه طفلي آسر ذو الأربع سنوات ، والذي لأمر في نفسه صار تواقا لسيمياء الأرض ، حين خاطبني في توسّل ( بابا اشريلي تراب ) .. وهو هنا لا يستخدم أية مجازات شعرية تتجاوز إدراك طفولته ، بقدر ما يعني ترابا حقيقيا كذاك الذي تحسسه بشغف أنامله البريئة عندما ذهبت به ذات مساء للتنزّه في حديقة الحيّ ( نبّي تراب يا بابا ) ،كم تبدو هذه العبارة جارحة وملحة وغامضة حين تنساب رقراقة وحارة على لسان طفل .. ولا سيما بالنسبة لنا نحن سكان الشقق ،الذين تواطأنا مع الضيق والاختناق والظلمة والضوضاء ، وصرنا مع مرور الزمن ننأى كثيرا عن التراب ، ننسى شكله وعبقه وحرارته وطعمه الآن فقط ، وبعد أن استوقفتني عبارة طفلي آسر ، بدأت أدرك جيدا بأن ثلاثة أرباع ما يعانيه سكان الشقق الضيقة من قلق وتوتّر ينشأ تحديدا عن غياب التراب . فلم تعد حواسنا على تماس مع هبات الطبيعة .. فها هي الجدران تنطوي على رئة أحلامنا محمولة بمشاكلها وهمومها وقضاياها .. جدران مقيتة وعازلة تفصلنا عن نبض الطبيعة وأنفاسها ورائحتها ومذاقها، كل شيء يحيل إلى ضجيجه ، حتى الصمت لم تعد له تلك النكهة التي كنا نستشعرها من لدن الطبيعة الآمنة فكرت جادا في تلبية رغبة الصغير آسر ، واستبدال شقتي بمنزل ارضي متواضع ، يجمع في حنوّ بسيط ، بين هبة الأرض وضوء الله .. بحيث يتكرّم دونما أبّهة لاحتضان حديقة صغيرة تستجيب لخيال بريء تربّى شغوفا على تراب الوطن . ولكن الطامة أن التراب في طرابلس وضواحيها بدا مستعصيا وعنيدا ، وصارت سوقه تولي ظهرها للفقراء من محدودي الدخل ، بحيث لن يكون في وسعي شراء بضعة أمتار تصلح لإيواء وتربية تلك الحواس الصغيرة .ومن ثم يصعب الاستجابة لرغبة طفل صار أكثر إلحاحا في امتلاك مساحة رحيمة من تراب بلاده الطيبة ، لكي يتمرغ على أديمه ويتحسسه مستنشقا رائحة وجدان الأرض التي يحنّ إليها. هل صارت مسألة العودة إلى الطين صعبة إلى هذا الحدّ ، لتمسي مجرد الرغبة في امتلاك حيز صغير منه في عداد المعجزات السبع .. وكأن السعي لتحقيق مثل هذه الأحلام المشروعة بات يندرج في قائمة الترف الإضافي لحظة أن تغدو العين بصيرة واليد قصيرة ، وأننا حتى لو افترضنا بعدم استحالتها ، إلا أن لغة السوق تؤكد كل يوم بأن المسالة متعذرة جدا بالنسبة لمحدودي الدخل الذين لم يعد في وسعهم الحصول ولو على حيز بائس من تراب الوطن الذي يحبونه ويؤمنون بمعتقداته ويقدسون رموزه ويعشقون سيرته . فهل أمسينا فجأة خارج أجندة الوطن ؟ وأن من يملكون المال هم وحدهم من يتمتعون بخيراته ومباهجه . بحيث صار كل التوق ينأى عن حواسنا ، بما في ذلك التراب الذي خلقنا من بهاء حكمته . 

مقالات ذات علاقة

قهوتي وصمتي…

رزان المغربي

لماذا تغني العصافير؟

خلود الفلاح

في رحاب الشعر

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق