المقالة

معاناة

إلى سعيد الغانمي الكاتب/ المترجم المبدع العراقي

الذي عاش بيننا في صمت ازوارة وصخب صحارينا،

مرددا له ما كتب ابراهيم الكوني: لأننا لم نختر ميلادنا من آبائنا،

كذلك لم نختر وجودنا في أوطاننا،

أوطاننا، إذا، كآبائنا،

ليست هبة مقدسة فقط، ولكنها أقدارنا.

 ***

 

الحياة بلا عناء لا تستحق أن تعاش، هذه الحياة التي هي قصة تروى بين موت وميلاد، حدى هذا العناء حيث أن الفعل هو العناء، والعناء هو الفعل. هكذا كما دهمت بالحياة داهمتنى دعوة ؛ ليلة الثلاثاء قبل ساعات من الآن. بعد الحادية عشر طرق الباب، الصديق الدكتور محمد المفتي صحبة ابنه الصبى أحمد، جاءني بنباء يسعى أن ثمة دعوة للمشاركة في ندوتكم هذه الزمن في الرواية الليبية أو شئ من هذا القبيل.

و لا شئ يحيرني أكثر من الزمان والمكان، ومع ذلك لا شئ يحيرني أقل منهما لأني قلما أفكر فيهما. والعناء ليس أن تفكر أو لا تفكر في الموضوع فبصفتي منشغل في الانشاء البرهاني والبياني فإن موضوعة الزمكان موضوعة معايشة ومكابدة وليست موضوعة بحث وحسب، وحسب أني أكتب الرواية التي هي مقتطع من عرض الحياة التي شرط سقراط العناء كى تقبل، وان أول نقطة يرسو فيها الفهم السردى في التجربة الحية تكمن في بنية الفعل الإنساني والعناء.

هكذا كما داهمتنى هذه الدعوة داهمنى الموضوع وصعقنى الزمن: ما الزمن ؟ ما الزمن المقصود ؟ هل الرواية ممكنة دون زمن ؟ ولكن مالرواية ؟ هل الزمن المقصود في الرواية هو غير الزمن المحسوس ؟ هل الزمن الروائي زمن ايهامي ؟ ولكن هل ثمة زمن ايهامي وزمن آخر محسوس ؟ وهل يحصل لمفهوم الزمن في الرواية متغير عن الزمن في المعيوش وما الفروق بين زمن الرواية المدونة والرواية الشفاهية، بل هل للرواية الشعبية زمن خاص كما الاسطورة ؟.

عند بول ريكور أن الحياة سلسة من المتواليات السردية أو كما قال تروى الحياة ويعاش السرد، السرد الذي يحتل عند ريكور منزلة انطولوجيا، ومهما كان النوع الذي ينخرط فيه سواء أكان اسطورة أو قصة أو رواية أو رواية مضادة ينطوي على أفقين: أفق تجربة، وهو أفق يتجه نحو الماضي، و لا بد أن يكتسب صياغة تصويرية معينة، تنقل تتابع الأحداث إلى نظام زمنى فعلي، وأفق التوقع، وهو الأفق المستقبلي الذي يهرب به النص السردي، بمقتضى تقاليد النوع نفسه، أحلامه وتصوراته، ويوكل للمتلقي أو القارئ مهمة تأويلها. هكذا نتبين أن السردية تتابع زمنى وأن البنية السردية بنية حركية أى هي النظام الزمنى الفعلى.

سيقول القائل هل هذا بحث في السردية من منطلق بول ريكور الذي يؤلف بين الزمان والسرد، بين النظرية الأدبية والنظرية التريخية، ولكن قبل هل هذا بحث حتى ينهج نهجا ؟ والنهج في أعم معانيه، وسيلة لتحقيق هدف، وطريقة محددة لتنظيم النشاط، وطريقة للحصول على ترديد ذهني للموضوع قيد الدراسة. وهكذا لا أتصور كتابة دون نهج و لا دون أن تستعين بنهج ما، لكن الكتابة التي تتخذ نهجا معبدا وتتقيده لا تضيف جديدا.

بندول دالي

كان يا ما كان بين ظفري الشمس كائن ما كان، الزمن استعارة للشمس أو الشمس استعارة للزمن، هكذا لكل شئ بداية ونهاية وبالتالى وسط كما نظر ارسطو، لكن هذه الحياة المقاسة بالمنطق الصورى تنقضها شمس جدتي التي عندها الحياة المعيوشة هي نفسها الحياة المروية وأنه بمقدار ما يمكن تتبع الزوال وقياسه فإن للحياة وجه آخر أصيل.

ان الزمن يمكن قياسه في حسابات منطق أرسطو، ولكن في منطق جدتي الشيئ الغير قابل للحساب حقا هو الزمن وبهذا تحدثنا كل اسطورة وحكاية وخرافة، وتعلة ذلك في منطق جدتي أن ليس للزهرة لماذا فهي زهرة لأنها زهرة. لكن تعلة ذلك عند ريكور ” أن الزمن السردي في النص وخارجه أيضا هو زمن الوجود – مع – الآخرين ” ؛ في الظلمة تطلع شمس السرد كى نتحقق من الزمن مسرودا أو بما يسميه ريكور الهوية السردية أى صورة الذات المتحركة التي لا تتحق إلا بالسرد ؛ وهكذا فإن القص يتوسط في عمل ريكور بين الوجود والزمان حيث أن المرويات والسرود هي رسوم تخطيطية أدبية تخلق الأشكال والصور للزمن الإنساني.

وكما الإنسان كائن التحولات فالزمن مكمن هذه التحولات لهذا فالزمن مسرود هذا الكائن المتحول أبدا، وإذا كان الزمن في مسرودات جدتي سائب و لا يمكن الالمام به فإنه في لوحة سلفادور دالي الشهيرة سائب أيضا ؛ هل نتذكر تلك الساعات الذائبة والبندول السائح ؟. الفن الحديث يعكس هوسا بالزمن حتى يذهب الكثير من العلماء إلى أن الكرة العظيمة نفسها، بكل ما سترثه، ستذوب، لتتكشف في النهاية لأفهامنا، فإذا هي مجرد أنماط لانطباعات عن الزمن. والرواية على وجه التحديد تركيبة معقدة من قيم الزمن، وكل رواية جيدة لها نمطها الزمني وقيم الزمن الخاصة بها، وتستمد أصالتها من كفاية تعبيرها عن ذلك النمط وتلك القيم ولهذا قيل إن عمل كل روائي، سواء أكان يعلج وضعا معاصرا أو يقودنا إلى النأي عنه إلى برج عاجي، إنما هو تعليق ضمني أو صريح على الوقت الذي كتب فيه، فـ ” الحياة ذات المعنى هي الحياة التي تتوق إلى تماسك قصة ذات حبكة “.

كون الكوني

لم تتخذ الرواية من المكان حيزا وان اتخذت من الزمان، كما لم تتخذ من الحساب عددا وان اتخذت عدة، فقليل هو ما عرف بأنه رواية ليبية ؛ مواشير الضؤ التي تفتقت ” من مكة إلى هنا ” في سؤال الصادق النيهوم عن معنى الزمن الذي يتأول: بأن الحاصل جذوره بعيدة ؛ الصحراء الهامة التي تلتهم البحر، كما أن يد الماضى تشكل الحاضر فيغص مسعود الطبال في زمانه بزمانه / تراجيديا تحرير الجديد من سطوة القديم، كذا اشغلت هذه الرواية، التي لم تحوز حيزا، بالزمان زمانها في روايات أحمد ابراهيم الفقيه وخليفة حسين مصطفي وغيرهما.

وفي هذا القليل / الرواية الليبية حاز ابراهيم الكوني على مكانة منشغلة بالزمان وشاغلته، من المكان – الصحارى الكبرى – اتخذت تراتيل الزمان.

كنت نعتها بمراثي الزوال ؛ ومن الزوال المزولة مقياس الزمان، الرواية الكونية أساطير الأولين، حيث في البدء كانت الاسطورة وحيث الاسطورة البدء، التي ترتبط – كما يقول ريكور – بالتراث الماضي ارتباطا وثيقا بوصفها استذكارا وتحويلا لأحداثه، وترتبط بالمستقبل، ارتباطا لا يقل عن الأول وثاقة، بوصفها تعبيرا عن طموح لم يتحقق بعد في عالم تتمناه، هكذا يكون للأسطورة نظرتان متزامنتان، نظرة متطلعة إلى الأمام، ونظرة متراجعة إلى الخلف، ومن دون نظرة الأسطورة التراجعية تحرم الثقافة من ذاكرتها، ومن دون نظرتها التطلعية، تحرم من أحلامها. أو كما يقول هيدغر: إن الآنية هي دائما أكثر مما هي عليه فعلا.

سردية ابراهيم الكوني – صورة الذات المتحركة التي لا تتحقق إلا بالسرد – مشغولة بالزمنية العميقة التي يكمن مضمونها في محاولة حل لغز الموت والأبدية: الحياة – علة، الموت ترياقها، والسكون – كلام الأبدية، لسان حال الكوني بوق الهيولى والسكون المدوى في رواياته التي فيها لا ” يختلسنا الزمان وحده ؛ المكان يأخذ منا أيضا نصيبه “.

المكان / الصحارى الكبرى التي تذيب الزمان في بيان الابدية وفصاحة اللغز، الزمان مكثف وأثير في نفس الوقت، والواقع أو الحقيقة السراب – متسربلا بجسد الشخوص العنيدة والمثابرة ؛ كما في قصة يرويها عن مطارد الغزالة الذي يمسك من طريدته بالسراب، بعض من زغب كسوتها الطبيعية. أو ذلكم الذي عطشته سبل الصحارى / المتاهة، حين وجد الماء لم يجد الوسيلة كى يطاله، فحذف بجسده في البئر. الزمن هنا هو المكان متخفيا أو متجليا في اللانهائي.

وفي مكان كهذا لا يتجلى إلا الخفاء ؛ هنا يكون الإنسان مرآة نفسه، كما الترفاس الحياة المدسوسة في الموت ؛ وكما ” يشترك الإنسان مع النبات في خصائص كثيرة، منها أنه لا يطلق جذورا في تربة غريبة ” فإنه يشترك معه في أنه يعتصر الزمن كى يروى الابدية.

الزمان في روايات ابراهيم الكوني سر يشفه المكان والنزعة الأسطورية منزع لسلب الزمان من سطواته ؛ استطاعاته في المحو والزوال والنسيان. ليست الأسطورة مجرد حنين لعالم منسي، بل إنها تشكل على حد تعبير ريكور كشفا لعوالم مسبوقة، وانفتاحا على عوالم أخرى ممكنة تسمو على حدود عالمنا الفعلي المستقر، فالأسطورة شعرية الممكن. والممكن في هذه الروايات مطاردة المستحيل ” واو ” الفردوس المفقود ” أو الابدية التي تخفي ” واو ” عن العين المبصرة وتكشفها لعين الحلم، وفي هذه الحالة يكون الزمان هو المكان اللامتناهي والمحدد حتى التناهي، الصحراء التي فيها السراب أكثر الحقائق تجليا، والسراب كما المستقبل في الزمان لا يتجلى إلا كسراب أو كالماء الصحراوي ما يغيب حتى الضماء أو يحضر كسيل يجرف كل شئ، لهذا ليس ثمة علامات غير طلول توشى بالرحيل وكل ما هو محكى يؤمى بالزوال.

وعند ابراهيم الكوني يروق للزمن أن ينفي ما يقره التاريخ، لهذا تبدو روايات الكوني حفريات وشغل أركيولجي في مواجهة الذي يبيد التاريخ، ومحفل يطرز ما تبعثر من تراث الصحراء الكبرى من جهة، لكن من جهة أخرى إنما هو تعليق ضمني أو صريح على الوقت الذي كتبت فيه. و في ” العقل الأصيل، مثلما في الأسطورة الأصيلة، نجد اهتماما بالإنعتاق العالمي للإنسان “، وأخيرا نحن ” نزول في كل خريف، ولكننا لا نولد في كل ربيع ” أو كما قال ابراهيم الكوني.

بنغازي: 06/11/2003

 _____________________________________

المراجع:

1 – الوجود والزمان والسرد – فلسفة بول ريكور – ترجمة وتقديم سعيد الغانمي – المركز الثقافي العربي – الطبعة الاولى 1999م.

2 – الزمن والرواية – أ. أ. مندولا – ترجمة بكر عباس – دار صادر للطباعة والنشر – بيروت – الطبعة الاولى 1997م.

3 – الزمان والمكان اليوم – مجموعة من المفكرين – ترجمة محمد الأتاسي – دار الحصاد – دمشق – الطبعة الاولى 2002 م.

4 – الكشف عن حافة الزمن – جون جريبن – ترجمة على يوسف على – المجلس الاعلى للثقافة – القاهرة – الطبعة الاولى 2001 م – المشروع القومي للترجمة 266.

5 – مفهوم الزمن ودلالته – عبد الصمد زايد – الدار العربية للكتاب – تونس – الطبعة الاولى 1988م.

6 – الناموس – نصوص – ابراهيم الكوني – المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت – الطبعة العربية الاولى 1989 م.

7 – الموسوعة الفسفية – م. روزنتال و ب. يودين – ترجمة سمير كرم – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الرابعة 1981 م.

مقالات ذات علاقة

الأراضي المنخفضة.. قليل الجهد يعيش

سعاد سالم

مسقط وحكاية «واتس آب»

فاطمة غندور

مجلة المؤتمر.. عندما رفعت ألوية المعرفة .. من عرين الأسد

زكريا العنقودي

اترك تعليق