حوارات

مصطفي جمعة يقول: إن نور الحقيقة الساطع يزهق روح الشعر

حاورته: ريم العبدلي

الكاتب مصطفى جمعة
الكاتب مصطفى جمعة


يمتلك المرونة في التعبير ويسلك نحو الحقيقة دروبا غير مطروقة يشغله الهم الذي يحمله كل ليبي هو هم الوطن الذي تتلاطم به الأنواء وتعصف به الأحداث قادنا الحديث معه إلى الكشف عن شخصيته .. فإلى الحوار…

حدثني عن دخولك عالم الكتابة ؟

الكتابة كانت طريقتي في التعبير وملاذي الآمن من حصار الصمت الطويل الذي وجدت نفسي محاطا به. منذ أن كنت في سنوات دراستى المبكرة كان للكتاب تأثيره السحري علي مداركي وخيالي كنت أدخل من خلاله إلى عوالم أسطورية بمتعة روحية وصلت لحد الإدمان. ومبكرا اكتشفت ما للكلمه من قوة ولم أكن أستطيع أن أتجنب الكلمات الفصحى حتى في حديثي مع أصدقاء الطفولة..! لقد كنت آخذهم معي إلى تلك العوالم وهم متحلقون حولي يتلقفون كل كلمة وأنا أرى تأثير كلماتي وأقرأ الدهشة في عيونهم ..

من يقرأ الآن من أصدقاء طفولتي يعرف ذلك.. أساتذتي الذين كانت مواضيع الإنشاء التى أكتبها تبهرهم، وكانوا يشيدون بها ..كل ذلك جعل من الكتابة جزءاً لا يتجزأ من شخصيتي قبل أن يتشكل لدي أي اتجاه لأن أكون كاتبا. وهكذا نمت الكتابة معى وكلما تقدمت في العمر شعرت أن ما يبقيني شابا .. بل حيا هو الكتابة.

كيف يستطيع الكاتب أن يثق في شراسة المصافحة الأولى في لحظة الكتابة؟

للحظة الكتابة خصوصيتها وحميميتها وتفردها وهي لحظة لا تتشابه بين الكتاب؛ لكنها أكثر تجليا ووضوحا حين الهدوء والصفاء والعزلة التامة.

وإن كان يعرف عن بعض مشاهير الكتاب بانهم يهيئون لهذه اللحظة بيئة خاصة بهم وطقوس غريبة أحيانا لا ستدعاء تلك اللحظة من الوحي والالهام . لكن وفي كل الأحيان تولد الفكرة أولا في أعماق الكاتب.

فلابد من وجود ذات مبدعة وخلاقة وشفافة لها اتصال أثيري بعالم الأفكار وإنما تحتاج إلى ما يهيئها لهذا الاتصال فإذا اكتملت الفكرة ونضجت داخل مخيلة الكاتب فإنها تصبح كالجنين الذي حانت ولادته.

إن الإتصال _ لحظة المصافحة الأولى_ هي الكلمة أو الجملة الأولى التي ينتظرها الكاتب أن تأتيه من إلهام ينبع من تاريخه الطويل من المراقبة والاطلاع والتركيز والتجارب المختلفة وأدواته التى امتلكها من خلال تجربته الأدبية . كل هذا هو عامل الثقة الأكبر الذي يمكن الكاتب من ترويض الفكرة وتحويل “شراستها” الي انقياد سلس .

هل الكتابة قلعة الكاتب الدائمة التي يحتمي فيها؟

يقول المفكر الفلسطيني “ادوارد سعيد”:(الإنسان الذي لم يعد له وطن، يتّخذ من الكتابة وطنًا يقيم فيه).

نعم.. إن الكتابة هي قلعة الكاتب بل وطنه .. وطنه الروحي . فالكاتب يعاني حالة من النفي وإن كان يقيم داخل مجتمعه وهو يستحضر عناصر الوطن الذي يحلم به داخل كتاباته في مواجهة الاغتراب الذي يعيشه، وأحيانا في مواجهة غربته عن ذاته إذ تكون الكتابة حينها ملاذا من وحشة الآخر . واحتماء من صخب

“الخارج” وضجيجة. إنها الركن الآمن داخل ذلك الانزواء القسري الذي يشعر به المرء عندما يجد نفسه في وسط لا يستطيع الامتزاج به .انها ذلك الحاجز الغير مرئي الذي يشعر الناس العاديون بأنه يفصلهم عن الكاتب ويفصل الكاتب عنهم لذلك يظل الكاتب كائنا منعزلا _روحيا_ عن محيطه يعيش في عالمه الخاص ووراء جدرانه السميكة لكن غير المرئيه فهو يبدو انسانا عاديا جدا يعيش وسط الناس ويشاركهم همومهم ومسراتهم مع بقاء ذلك الادراك الغامض بانه مغترب عنهم. الكتابة هي من تجعله يراقبهم من بعيد ويحافظ على تلك المسافة من داخل ” وطنه” الخاص.

كيف تبحث عن الحقيقة والجمال في كتاباتك النثرية والشعرية ؟

يحاول الشاعر دوما أن يسلك نحو الحقيقة دروبا غير مطروقة . الشاعر يتجنب الحقائق المباشرة ..إن نور الحقيقة الساطع يزهق روح الشعر ؛ فالشعر يولد ويحيا في مخيال الشاعر ، وان كان يستمده من الواقع فهو لا بد أن يختمر هناك في أعماقه ثم يبعث من جديد وقد جلله غموض وبهاء الرمز، حيث تمتزج الحقيقة بالوحي، والواقع بالرمز والخيال، تلك هي الاجنحة التى يحلق بها الشاعر فوق الحقائق المجردة . تبقى مسألة الجمال وهو الروح الخفية التي تحيا بها قصيدة النثر ان الشاعر دائم البحث عن الجمال في كل شيء وهو القادر علي أن يراه ويستشعره مهما كان خفيا.

إن الحروف والكلمات لها أيضا جمال، فالصوت والإيقاع وتجانس الكلمات ذات الوقع المتناغم يعمل كما يعمل الجواب والقرار في الموسيقى، فغياب القافية والوزن العروضي في قصيدة النثر يجب أن تعوضه موسيقى الكلمات التى هى مزيج من الايقاع الحرفي والتناغم بين الحروف ذات التردد العالي مع الحروف المنخفضة التردد مما يعطى للجملة الشعرية موسيقى فريدة يطرب لها القارئ والمتذوق للشعر. وعلى الشاعر أن يبحث بدأب عن أجمل صورة يمكن ان يصيغ بها كلماته

أتوقف أمام كل نص أقرأه لك فألامس انقلابا بتسلوبك عن سابقه فهل تتعمد ذلك ؟

أبدا ..فأنا لا أكتب النص من خلال تصور مسبق .. بمعنى انى لا أخطط له ..و لا أعرف متى يأتى وعندما أكتب أول كلمة أحيانا لا تكون فكرة النهاية واضحة أو قد تكونت بعد، أما المسار ما بين البداية والنهاية فسلسلة من الانفعالات تجعل من الكتابة أشبه بعمل لا إرادي.

لهذا تختلف أشكال التعبير بين نص وآخر .الشاعر أسير اللحظة التي يتشكل فيها نصه وهو لا يرتبط حينها بوعي آخر غير محاولة استلهام فيض وجدانه وترجمته إلى لغة قد تكون مغايرة تماما لما اعتاد أن يكتبه أظن أن ذلك هو ما يجعل نصا ما يختلف بشكل كبير عن آخر. ولا اعتبر هذا تحولا في أسلوب الشاعر إنما هو قدرة الشاعر على التوغل بلغته إلى أبعاد مختلفة بقدر اتساع المشاعر التي يعبر عنها

متي تقرر الانسحاب من كتابة القصة أو النص الأدبي ؟

عندما أشعر أنني فقدت الفكرة التي أقتفي أثرها وابتعدت عن اتجاهى.. أو عندما تغيب الرؤيا في ضباب الأشياء. يحدث كثيرا أن اتوقف عندما أشعر أن النص الذي أكتبه لايعبر عما اشعر به أو اتخيله وعندما تقصر الكلمات عن بلوغ مراميها يصبح من غير المجدي تلفيق النص. إنها عملية ترقيع تنتج نصا مهلهلا فضفاضا لاحاجة إليه ولا يعبر عن شيء.

أيضا اتوقف عندما لا أشعر بالرضا . عندما لا أشعر بصدق الانفعال وعمقه .

في كتاباتك العديد من الأمور التي تزعجك فما الذي يزعجك في هذا الفضاء الأدبي الواسع؟

الحقيقة أننا نعيش واقعا أدبيا مزعجا جدا مشوش غير واضح المعالم يختلط فيه الحابل بالنابل والحقيقي بالمزيف والأصيل بالمدعى، والصورة العامة يصعب فيها تحديد الموقع الحقيقي للأديب، للكاتب، للشاعر.

المجاملات تطغى علي القراءة الموضوعية، المحاباة تقلب الموازين، حتى الأسماء التي نقول إنها (كبيرة) لا ترى الإبداع إلا ما يوافق مفاهيمها ولقد حجرت واسعا إذ تعتبر التميز والأصالة حكرا على مقاييسها وحدها وتعتبر ما سواه هذرا وغثاء دون استناد إلى معايير نقدية حقيقية ولا قراءات موسعة تساهم في دقة تصنيف ما هو موجود في هذا الفضاء فما دمنا كلنا نكتب بالعربية فلابد من وشائج تصلنا بالموروث وبالأصيل ولا حق لأحد أن ينكر وجودنا ولا صلتنا بأدبنا وثقافتنا العربية وفقا لمفاهيمه واجتهاداته الخاصة.

إن أكثر ما يزعجنى ويحزننى هو ألا يأخذ الأديب الحقيقي الأصيل موقعه الذي يستحقه وأن تظل المجاملة والتزييف والنفاق والمآرب الرخيصة هي معايير تصنيف الأديب في ليبيا.

ماذا يشغلك الآن؟

الشاغل الحقيقي لنا كلنا

يشغلني الهم الذي يحمله كل ليبي ..

هم هذا الوطن الذي تتلاطم به الأنواء وتعصف به الأحداث، هذا الوطن الذي يمر بمخاض عسير ولحظات تحول تاريخي وسياسي واجتماعى، والأسئلة التي تقض مضجع كل الليبين ، متى ترسو سفينتنا إلى بر الأمان ؟

متي نبدأ مسيرة البناء الحقيقية؟ متى نودع هذه الحقبة المظلمة من تاريخنا ونتركها وراءنا ونلقي بها في جب النسيان إلى الأبد…

أي إضافات غابت عني؟

ربما هو نداء ودعوة مخلصة للسلام والتصالح الوطني بين مكونات هذا الشعب ولم الشمل ونبذ هذه الفرقة وهذا التمزق الذي يجتاح الوطن ..نداء إلى المخلصين من أبنائه أن يُغلِّبوا المصلحة العامة على المصالح والأهواء الشخصية ..ليبيا تعاني وتستغيث وتنادي أبناءها الحقيقيين . الخطر داهم وحقيقي حرب وجائحة ومحنة إنسانية حقيقية يمر بها وطننا أناشدكم أيها المخلصون الوطنيون أن تنقذوا هذا الوطن الذي ينزف الآن.

كلمة نختم بها الحوار

أحب أن أهنئك على نشاطك الإعلامي وعلى مثابرتك وجهودك فانت شخصية إعلامية ليبية نفتخر بها ونتمني لها المزيد من النجاح والتألق .لك كل الاحترام والتقدير

كما أتوجة بالشكر والامتنان والتقدير للأستاذ النبيل ناصر أبو عون وصحيفة عالم الثقافة على هذه الاستضافة الكريمة متمنيا لهم مزيدا من النجاح والتألق في عالم الإبداع


نشر بجريدة عالم الثقافة – https://www.worldofculture2020.com/

مقالات ذات علاقة

بدر الدين مختار: القضية العظمى التي يتجلى فيها خطر توظيف التاريخ هي [وحدة ليبيا]

رامز النويصري

خالد مطاوع هويتي المزدوجة أشعر معها بالألفة وبالغربة معاً

المشرف العام

الروائى الليبى صالح السنوسى: اعتمد على الموروث الشعبى فى كتابة رواياتي

المشرف العام

اترك تعليق