قصة

مشوار العمر

من أعمال التشكيلي عبدالقادر بدر


ذاكـــرةٌ

كانت ذاكرتُهُ تُؤنِسُهُ فِي وحدته، وتَمْلأُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ الرَّتِيبَةَ، وتجلبُ لهُ مشاهد وصُور وأصوات أناسٍ يُحبُّهُم كانُوا معهُ يوماً، تفاصيلُ البيت والمكتب الفوضويِّ والمطبخ والحديقة كُلُّهَا مَحْفُورَةٌ في ذَاكِرَتِهِ..، وعـندما وَصَلَ إلى أعتاب السَّبْعِينَ نَزَلَ فِي محطَّة فَقْدِ تِلْكَ التَّفَاصِيلِ، فأصبح يَعِيشُ بِلاَ دِفْءٍ ولا مَاضٍ.. اغْتِرَابٌ عن كُـلٍّ شيءٍ، ورحيـلٌ قسـريٌّ لذكريات مضت بلا عودةٍ، فأصبح يبكي كُـلَّ يَوْمٍ، وينتظـرُ المحطَّة الأخيرة..


طَيـْــفٌ

 في ظهيرة ذلك اليوم المُبهج كان يسيرُ في سُوق المدينة، ويقُومُ كعادته في أوَّل كُلِّ أسبُوعٍ بالتَّسوُّق لأُسرتـه، بخُطواتٍ مُتثاقلةٍ يتنقلُ بين المتاجر، ويقرأ الورقة التي كتبت لهُ أمُّهُ فيها لوازم البيت، اشترى كُلَّ شيءٍ، تبقى فقط مسبحةٌ جديدةٌ لأُمِّه بعد أن انفرط عقدُ مسبحتها القديمة، ذات اللون الأزرق الدَّاكِنِ، “لا تعُدْ من غير واحدةٍ أسبِّحُ بها، بعد أنْ قطع ابنُ أختك الصغير مسبحتي القديمة”، قـالت لهُ أمُّهُ.. وجد المحل الذي يبيعُها، دخل بسُرعةٍ، مرَّت من أمامه فتاة يعرفُها جيِّداً، سقطت الأكياسُ من يده، لحق الفتاة، نزل من سلم السوق، اتَّجه إلى بوَّابة الخُرُوج، اختفت تلك الفتاة فجأة، بحث عنها جيدا، سأل رجل الأمن الذي على الباب، لا أثر لها، جلس مهمُوماً.. إنه طيفُ أول فتاة أحبها في حياته، (زاره وسلم عليه)، ومن دهشته وارتباك مشاعره نسي أن روحها غادرت الدنيا قبل عشرين عـامـا!.. آهٍ.. مـا الذي حَدَثَ لِي؟، مَنْ مَضَى لا يَعُـودُ، سامحيني، فمازلتُ أنتظرُكِ، رغم الرَّحيل، وفي النفس وجــعٌ لا يمُـوتُ..    


مشـوارُ العُـمـر

قال لها: أكرهُـك، لمْ تستغربْ قولهُ، لكنَّها صمتت بُرهةً، ثمَّ قالت لهُ: أَغْمِضْ عَيْنَيْكَ دَقِيقَةً وَاحِدَةً. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ عَلَى مَضَـضٍ، قَفَزَتْ أَمَامَهُ مَشَاهِـدُ حَيَاتِهِ مَعَهَا، بِكُـلِّ تَفَاصِيلِهَـا. ابْتَسَـمَ، ثُمَّ قَـالَ: الحَمْـدُ للهِ عَلَى كُـلِّ حَـالٍ، سَـامِحِينِي، وَلْنُكْمِـلْ مـشْـوَارَ عُمْـرِنَا إِلَى النِّهَــايَـةِ، رغْـمَ كُــلِّ شَيْءٍ.      

مقالات ذات علاقة

جريدة أمادو

المشرف العام

الوحل

خيرية فتحي عبدالجليل

لحد الحب..

حسين بن قرين درمشاكي

اترك تعليق