طيوب عالمية

مشقة سؤال الأوبرا والباليه عند نيتشه وفاغنر (2-6)

نيتشه وفاغنر

ـ مدخل الحلقة الأولى (قراءة سياقية مقتضبة): الهيبة المتعالية    

كان الاتصال الجمالي٬ الذي كان يقتصر على الأفكار الخالدة والقوة التي تحميها٬ مما يعد رفدها بالمعلومات للايديولوجيات القادمة٬ وإدارة محادثاتها المتبادلة٬ داخل سياق المنظومة الوحدة للثقافة المتوحدة المتكاملة. غير ضروريا نلحظ ما كانت تتفرس به الفلسفة الأغريقية أو الرومانية من ضروريات الهيبة٬ ترى فيها ايقونات كنسية في رسوم السلطة المتعالية. ضروريا الان بالنسبة إلى استعراضات الطقوس من تعالي اتصالها بالقوة٬ والإيحات المؤدية نحوها٬ من خطابات وتأويلات لاهوتية. والان وقفنا عند كل من نيتشه ورفاغنر٬ من تقديم بعض استراتيجيات الفهم٬ توضيح التواصل الداخلي الجمالي٬ الذين يشكل المحتوى في كيفية تصميم وتنفيذ علاقة السلطة كإرادة لقيمة متعالية لفهم الهيبة المتعالية من خلال الأوبرا والبالية٬ تؤدي إلى مشاركة الفرد لأنويته الحبيسة٬ التحرر٬ والأيديولوجيا الجامعة  مشاركة مقدسة عليا (فاغنر)٬ وضرورة إجماع المشاركة وتحفيزهم٬ وزيادة الإنتاجية “تمكن الإرادة” وبالتالي تحسين الهيبة المتعالية.

في هذه الحلقة الدراسية٬ نرتكز على أداة ثنائية الميدان٬ من خلال ما نقدمه إدناه٬ لاحقا٬ ضمن استراتيجية مصممة لمساعدة القراء على استكشاف أنواع المشقات٬ ومشتقاتها؛ التي يحتاجها مع الهيبة المتعالية بشكل أكثر شمولا؛ للتعامل مع التحديات الداخلية والثقافية لجمالية الأوبرا والبالية. يساعد على تحويل السياقات المنظمة للهيبة المتعالية إلى “مجتمعات جمالية مشاركة ـ فاعلة٬ ثقافة عليا مفتوحة٬ وشفافة قوى الفن الرفيع للإرادة العاملة٬ بأكملها بالرؤية لقيمة الهيبة المتعالية الشاملة من وجهة نظر كل من (نيتشة) و (فاغنر)٬ أي الرؤية الفرادية والايديولوجية العامة.

يتضمن هذه المدخل المبسط الإشكاليات من التوجهات الفاهمة لابعاد القيمة المضافة من إضافات جديدة حول كيفية توجه الأوبرا والبالية٬ خلال تزمين أوقات الأنتقال والتغيير التنظيمي٬ كما أنه يقدم وقفات حول “كيفية” تدبير المخاطبات الصعبة٬ خلق طاقات وكشف محادثاتها٬ فلسفة فن الجمال٬ وتجنب إتلاف سوء الاتصال بل تجاوزها نحو الفهم المتعالي٬ من دون الخوض الإضاعة في التفسير الخاطئ.

ايضا٬ هنا٬ سنتوقف على بعض وجهات النظر بين الهيبة المتعالية من خلال اإرادة انوية للفرد من وجهة نظر نيتشه٬ والإرادة الجامعة “الايديولوجية” المقدسة بالنسبة لفاغنر٬ التي تدعم بعض من يميل لمواقف دراسية من تجربة كليهما الخاصة لمؤلفاتهما٬ مزودين بها٬ ما يعد التواصل الداخلي الاستراتيجي لمشقة السوال٬ دليلا يغني عنه القارئ لخلق ثقافة متكاملة وتعاونية يتخذها في توجهاته الفكرية في البناء٬ ومن ثم إلى المستوى الرفيع من الفهم لقيمة النجاح العام/الخاص.

اما الاهداف الشاملة لهذا المدخل٬ صمم على كيفية بناء الأوبراء والبالية مشاركة الإرادة وأدائهما الداخلي الاسراتيجي٬ تصميم وتنفيذ استراتيجية اتصلات الهيبة المتعالية الداخلية٬ من شأن تحسين التحرر من أتصال والتحفيد والأداء في المنظور الفلسفي الفاعل. مما سيمنح للقارئ الاطلاع على إجابات:

  • تساعد على تحسين مشاركة خطاب الاوبرا والبالية من تحسين الاداء من خلال ضمان إبلاغ أهداف الإرادة العمل للقيمة الهيبة المتعالية بفعالية.
  • الجمع بين النظرية والممارسة لكل من (نيتشه) و(فاغنر) ـ بما في ذلك عمق الدراسات لهما؛ من النظر لتجارب خاصة (الاوبرا والبالية)؛ لتصميم وتوجهات لتنفيذ مثل هذه الفنون من نهج استراتيجي للاتصالات الداخلية؛ لثقافة سياق النظم الثقافية بثقة قيمة هيبة الإرادة المتعالية.
  • نحاول عرض موجز بعض الأفكار في هذا الحقل ـ من توجهات محددة حول كيفية تفعيل أداة الفن الجمالي المساعد؛ في تأطير جديد الحوار الاستراتيجي الداخلي للمعرفة؛ وتوسيع المدارك في إبلاغ؛عمليات الهيكلة التنظيمية القيادية بنجاح أكبر وتجنب سوء الفهم بين القراء.

أما بعد

إذا ما أردنا بحث دور (المشقة) داخل “السؤال” بالنسبة للأوبرا والبالية٬ من تحقق إلى نيتشه٬ فإن الأمر قد يكون صعبا لتعلقة بمفوم الهيبة المتعالية٬ إذا ما أقتصر البحث على كتاب “زرادشت ـ 1883” دون ربطه بكتاب مثاقفات “أفول الأصنام ـ 1888” الذي ألفه بعده٬ باستثناء حنقه اللافت؛على مشقة ابتكار التشاؤم والتفاؤل للجهلاء من بؤس وأستلاب الكنيسة لهم؛ التي أتهمها أكثر من مرة بأنها سبب تخلف الشعب؛ وتمزيق الأمة ـ كونها تثير هزء الفعل ـ٬ يكاد المرء لا يقف على حديث صريح لـ(نيتشه) بخصوص موقفه من مشقة سؤال التشاؤم والتفاؤل عما تعنيه الكنيسة فحسب٬ بل موقفه من المسائل المسذجه منها؛. فهو لم يتجاوز في زرادشت الحديث عما أسماها “التنبيهات والإشارات الانوية” مخصصا لها فصلا منفردا٬ حيث أعتبرها “إشارات تنبيه الأفعال سعيدة٬ والإرادة فعلها غائص”.

بل يرى (نيتشه) أنه من الخطأ والحمق الحديث عنها٬  وحين نتمعن له٬ في هذا السياق؛ وهو يصنف الافعال الوحيدة من الإرادات؛ الذين يحكمون إشارات وتنبيهات طقوسهم؛ نتاج مشقة السؤال الطقسي الكنسي٬ ولا يدافعون عنها٬ ولهم رعايا دون أن يحكموهم. ولا تخرج هذه الإشارات والتنبيهات عن طاعتهم٬ في التأمل والانتظار لما ينتج بمسميات التفاؤل والتشاؤم٬ أو البؤس والأستلاب لإرادة الفعل٬ بالرغم من كونها دون حماية٬ ولا يهتم مواطنوا هذه الميول بأنهم لا يستطيعون٬ بل ولا يرغبون في الخروج على الحكام٬ ولا تتمتع هذه الإشارات والتنبيهات كحركات فاعلة٬ دون غيرها٬ بالأمان والسعادة.

 ولكن لأنها محكومة بقيم الهيبة المتعالية؛ التي لا يستطيع العقل البشري إدراكها٬ مما يدفعنا إلى الغوص القيمي في المباحث المدعوة بالأصول لها٬ فأن تجنبنا عن ذلك٬ أندفعنا نحو أمتناع تقبل الأفعال عن الحديث عنها٬ لأنها شأن الإرادة هو من يدفعها وينشأها ويحميها ويحافظ عليها “مشيئا كل جوهرها وظاهرأفعالها٬ فمن الجحافة أن نستهدف أو نتكيف إليها٬ لنتحدث عنها. وهنا ما يجعلنا أن نخضع لمشقة استخلاص السؤال؛ بـ: هل هي طريقة مدعية في مرساة الهيبة المتعالية؛ من صدقية زرادشت٬ عن صحوته٬ كي يسخر من هذه الإشارات والتنبيهات٬ أو رميها بأحضان من يراه رفيقا مميز٬ كما هو الحال٬ مع فاغنر٬ وذلك من خلال ما يحتاج صروف الشك واليقين٬ على المبالغة في بؤس المدح والاستلاب؟ أم جدية فحص النظر المأزوم٬ والفعل المحفز للشيئية٬ عن خلق مشقة سؤال عند كليهما.؟.

الراجح٬ أن (نيتشه)٬ لم يكن يقصد مدح الإشارات والتنبيهات الفاعلة٬ ولكنه كان يستهجنها٬ وإلا كان نصح أنموذجه “زرادشت” بأتباع نهجها٬ دون رحلة التأمل٬ وأن الوسائل تبررها الغايات٬ الأخذ بالأهداف٬ لا العكس. ويتوضح هذا الترجيح أكثر عندما نعلم بأن (نيتشه) “وجه” أكثر من مرة الحكم الزمني بالتخلي عن أي أساس أخلاقي أو ديني٬ والهيبة المتعالية هنا٬ له تجدر فينا الوقوف إليها؛ عما نتوجه بها إليه٬ يجب أن نفهم٬ أنه يستحيل على “زرادشت” أن يحترم القيم الأخلاقية٬ وأنه مجبر في أغلب الأحيان٬ على التصرف ضد الإنسانية٬ والإحسان؛ بل وضد الدين من أجل المحافظة على الأنوية العليا/ القيمة كهيبة متعالية متجسدة في السلطة٬ كما يرسمها رفيقه (فاغنر) في الموسيقى. إذا ما أردنا توضيح الأمر بمعطى المشاكسة٬ فأن أول من أدرك بأن الجانب الابداعي الفني الأوبرالي في فلسفة (نيتشه) هو مجراه “اللغوي الثري” لكشفه المعاني المتخفية٬ هم معاصره من المبدعين٬ ومجريات التأويل والادعات للمعاني٬ من وإلى أتباع النظرية (الهيغلية)؛ فهم اعتبره٬ إلى جانب (فاغنر)٬ أشد خطرا على العقلانية النقدية٬ وذلك من منطلق أن (نيتشة وفاغنر) كانا الملهمين المؤسسين للشوبنهورية العقلانية الحديثة؛ التي ليست مستقيمة في بناء الدولة/العقلانية العملية٬ بل تعالي “فعل” القيمة المهيبة لها.

لقد بدأ مؤلف كتاب (أفول الأصنام ـ 1888) وفضائل (زرادشت ـ 1883) و (جينالوجيا الأخلاق ـ 1887) بالهجوم في (ما وراء الشر والخير ـ 1886)٬ أعتبار أخذ الاستلاب احضار حفنة  من العصر المأساوي الأغريقي٬”مهرطقين”٬ ما دفع ركب (الإرادة الحرة والقدر ـ 1862) “تاريخية المرح”٬ فـ(المسافر وظله ـ 1879) لاحظ رفع القصد٬ أعني بكل من (نيتشه وفاغنر)٬ خاصة الأخير بحماسيته٬ فهو٬ وثق شد الكلمات٬ جزل أو مراحة مشقة النظر٬ أي خلقية المشقة٬ نحو سياقات٬ ترمي إلى سؤال: لماذا هو فاعل حيوي “يقصد نيتشه” أن يبرهن كم هو “خاطيء مسيء” وأيضا “فارط مهلك” الأفتراض أن القيمة الأساسية عند (زرادشت) يجب أن تكون؛ المحافظة على أنويته٬ الثبات والتمكن٬ أي التكلم الأدائي النافذ٬ كما بنداء؛ “علاقات مصادر الإرادة”٬ إن صح التعبير “خاماتها”٬ كـ” قيمة أنوية متعالية”٬ لا الانصهار الميتافيزيقي٬ بل نحو تفعيل “تحقيق هذه الغاية علية؛ أن يوظف كل وسيلة تدف نحو التعالي قيميا!.

أما مؤلف كتاب (جينالوجيا/أنساب الأخلاق) فقد أتسم عن (نيتشه)؛ إنه كشف عن أسوأ إساءة ممكنة للإطار الأخلاقي والحياة الفلسفية الجمالية الصحيحة٬ كما أعتبرت دعوة (نيتشه) للقيمة مكانة عليا٬ إرادة قيمة متعالية٬ أي تسامي الدولة بالجمال؛ السلطة الفن الرفيع المتعالي٬ القيمة الأنوية المتعالية٬ بمنزلة القول إن على الحاكم العادل الذي “يعتمد على دولة ـ الإرادة الزمنية”٬ خلق أوبرالي؛ ترسمه عالم الأوبرا الزاخر؛ وهي النظرة التي رأى فيها الإنسان مؤلف “طبيعة تمكنه القوانين٬ وإرادته واضعة القانون/الإرادة العليا”٬ لا الكنيسة بمبادئها المتصدعة؛ سياقاتها الأخلاقية المتفلسفة٬ المتصنعة للخير والشر٬  أي بمعنى ٬ اراد لقول فيها؛ أنها زائفة وخاطئة كليا٬ تسيء للحرية العاليا٬ للقيمة المتعالية الإنسانية والسلطة للحكم. وهنا٬ يجدر بنا التوقف لمدخل الفهم الجاد الفاعل لمشقة سؤال التشكل في بنية ثقافة فلسفة فن الأوبرا والبالية عند كليهما.

بعد أن أخذ علاقته مع المحيط ملتهبة٬ كما عين٬ أستطاع الدفاع في تعاطي جرعات الأفكار تنوعها٬ تمكن بشدة من تعيين استقبال الظاهر والجوهر فيها للدفاع عن نفسه٬ من التراهات٬ إذ عين واقع الفلسفة المتجددة نوباتها٬ يرجعها إلى مبادئ جمالية ملتهبة الابتكار٬ بالتمكن شدة القيم المتعالية٬ أي ان ذلك قد دفع (نيتشه) إلى أستهجان الحكم بوصفات طبعية “معلولة”٬ بحيث٬ وسمه بكل النعوتات السلبية لمثل هذه الإرادة٬ مثل الفن المبتذل٬ فإن واقع فنون الأدب ـ من خلال مرجعية فلسفة ميلاد الفن٬ وحفريات تخصصه٬ الذي عينه٬ لا يقل مأزومية٬ عن واقع الفهم للأوبرا والبالية٬ لدى كل من المتعالية الرومانية أو القيمة اليونانية المترفعة في تلك اللحظة٬ أن شننا النظر لبعديته التبعية الثرية٬ والتي كانت تشكل الفلسفة  قوتها الفاحصة والشائعة في جرعاتها غرابة٬ هو ما حفز (فاغنر) على انتقاد واقع زمانه الذي تخلت فيه “المشقة”٬ حسبما يراه لدى شوبنهور٬ عن الدعوة الموسيقية لفتيل الإرادة المتعالية٬ إلا مدعاة لأتباع سبقوه.

حيث نجد يستعيد (فاغنر) التاريخ ويستقرء المعيش فيه٬ كي يدلل على ما ذهب إليه؛ فمن التاريخ يستحضر تجربة الحكم الروماني٬ والتعاطي الإسبارطي الذي مزج فيه الحماس العاطفي٬ والانفعال القوي الحساس للمبتكرات تجاوز تغلبه على طبيعة الاستلاب الداخلي للأداء٬ كأهم مصدر لمباديء فلسفية الفعل في الحضور. ويعتبرها ذروة ما وصل إليه الرومان٬ ثم ما لبثوا أن تهاووا نحو قبول تشخيصات هافتة ظالمة٬ لا تقيم للإرادة قائمة٬ ثم إنهم بعد ذلك “أنقطعت منهم عن شجاعة العروض٬ بالمبادى الأخلاقية العنيدة٬ جرعة أجيال٬ نبذوا عنها التمكن للفن الاستعراضي٬ أو الترف الاحتفالي الأوبرالي٬ من ضخ محتواها الفلسفي الجمالي المتعالي٬ فنسوا المواقف سعادة السيادة السياسية المتعالية٬ ورجعوا نحو العبيد إلى فقرهم٬ وجهلوا شأن عصبيتهم “السادة ـ السعادة في الهيبة العليا ـ” في العرض المتعافي بالأوبرا٬ مع أهل صناع الدولة ببعدهم من  إرادة الانقياد٬ وإعطاء النصفة وصفة “اخلاقيات العبيد”٬ فتوحشوا كما كانوا في الميل نحو التعاليم الكنسية المتكاسلة ـ كما يراها ـ٬ ولم تبق لهم ما لأسم الملك من هيبة متعالية٬ إلا أنهم من جنس خاوي من متعة الانتصار٬ ولما ذهب أمر الخير وامحى رسمها بالقطيع٬ الأمر الذي دعا جملة من أيديهم بأخذ رسالة الأوبرا والبالية٬ مرح من تعالي المشقة٬ التي تمكن الإرادة أن تصنع ضراوة ضرورات مخارج أزماتها٬ عبر الاوبرا والبالية٬ بقرب محتواهما من جوهر مصادر تأثير الفعل٬ الحافز والفهم على على الاستجابة للتمكن٬ قوة قيمة الشيء٬ أعلاه٬ وتعد من خلالها عبور قويا وحساسا٬ يفقر من غلب عليهم العبيد دونهم٬ وأن يقاموا للعامة معالم الدفاع النفسي٬ بمخاطبة الأنوية للتماثل ظاهريا في الميزة و الاستطاعة٬ علاقتها الاجتماعية٬ نزهات فلسفية للفن قوة لا تيبسهم قدرهم٬ لا يعرفون منها إلا الملك٬ لا خير سياسته٬ بل قد يجلها الكثير منهم٬  وتجعل منها شيئا قد كان لهم فيها ملك في القديم ثباتا٬ صنعة وموهبة٬ لتعاليم القيم المتعالية الجبارة.

ومن المعيش صرامة هو ما ينقل (فاغنر) به الحال الذي آلت إليه “الإرادة المتعالية الموحدة” بعدما تقوت وتوقدت وسادت أيام أستنادها إلى الدعوة الدينية لسلطات روما٬ حيث نظر إليها ٬ أي إلي الاوبرا والبالية (حزمة ملتهبة للقيادة في جرعاتها للثبات والوثوب والحماس)٬ حتى إنها تجلدت على من هم أجلد منها وأصلب٬ في الأختيار للاجادة بأختيار المناسبة وطبيعة العرض٬ والمدعويين لشأن ما٬ في العمق٬ الشخصية القيادية الرفيعة٬ بقيم المحدد وإطار التنفيذ الرأسي. أي٬ هرمية تمثله بالسعادة الفلسفية للعمل الناجع٬ ونقد كل ما أصيبت بها٬ لما دعت بالتخلي عن دعوتها الدينية٬ والطقوس المساهمة استلهمها من الاستعراضات للنصوص الدينية المقيدة بمزجها بالشعائر الكنسية.

نجد ما لفت فاغنر إليها هو ما هانت الموسيقى وسهل الهوان عليه اعتبرها فتحا عظيما جاء ليورع الابداع عليها انشأته الاندماج الوظيفي للأناوية المتعالية بصيغة قطع فلسفية مع ما تتلوه لشوبنهاور. فلسبب الأساسي إذا٬ لا لمهلكة الإنسان٬ بل لتثبيت عزيمة حكمه٬ ومراجع شفاء تعافيه٬ حسب (فاغنر)٬ إلى كونها ـ الأوبرا والبالية٬ الاستعراض الأنوي عبرها٬ يقوون عصبية الدم بالدعوة الذاتية كي يتحول الكل إلى عصبية سياسية. هنا هل يفترق (فاغنر) افتراقا حديا عما ذهب إليه (نيتشه)؟ وهل فعلا يمكن أعتبار بمثابة تقديم نصح (زرادشت) بالتوجه إلى اعتلاء وقيادة (المركب الشبح)٬ وبأن يبعد نفسه ودواعيته عن العناية بالمشقة الزائفة؟

الواقع٬ أنه لو أكتفينا بقراءة كتاب (هكذا تكلم زرادشت) وهو الأشهر٬ لكان بالإمكان القول٬ إنه لا مجال لألتقاء (نيتشه) بـ(فاغنر)٬ ولأمكن التقدير بأن الأول ينصح (زرادشت/الأمير) بأن يتحرر من الدين٬ بل عليه أن يعادي أي دعوة دينية٬ لكن عدنا إلى “مثاقفات” كتابه (أفول  الأصنام) فإن الصورة ستختلف كليا٬ وستبرز عناصر التشابه بين الرجلين المبدعين؛ فـ(نيتشه) على الرغم من رفضه الحكم (الكنسي)٬ إلا أنه لا يتحرج من توظيف الدين لغايات المصلحة العامة٬ من قبيل إضفاء الطابع الديني على القوانين الوضعية٬ وإظهار الأعتناء بالدين وطقوسه٬ حتى من غير أن يكون (زرادشت) معتنقا أنويا متوهجا أي ضمن دين الإرادة التقليدية الخاضع لها من الخارج. لقد مر معنا كيف إن (نيتشه)؛ يرجع كل الفشل الذي يعتري الأمة (الإلمانية) والخاضع لها من الأمة (الإيطالية)٬ إي٬ إلى الحكم الكنسي٬ وأن البابوية أفسدت الشعب من مختلف النواحي٬ بما في ذلك دفعه إلي هجر الدين المفروض عليه من قبل رجال دين فاسدين. لكن هذا الموقف لم يمنع كاتب “مثاقفات” (أفول الأصنام) من لفت دواعي الأمراء والجمهوريات٬ إذا هم رغبوا في النجاة من الاحتلال٬ بأن يحتفظوا “بنقاء طقوس الديانة التي تؤمن (زرادشت) أو الجمهورية بها٬ وأن يحلوها محل الإجلال الرفيع المتعالي بـ”الإرادة الحكيمة المتعالية”٬ قيادة متعالية٬ قيمة قوة دائمة٬ إذ لا تذليل أنويتها٬ لاستعطاف أصدق ما لها على انحطاط٬ أي توظيف خطاب موجه ـ مرئي أ، مسموع٬ ظاهر أم باطن٬ لاى مرء أو بلد من البلاد٬ (أو) أية أمة من الأمم٬ من دفع رؤية القيادة بإرادة قيمة متعالية٬ ترسم لها بدل العبادة السماوية٬ إنزالها أرضا٬ وتتبنى نبذ كل ما قد غدت عليه موضع الإهمال؛ في الهوان والتضرع بأخلاق العبيد٬ و رفض كل ما لا يليق بعليته قيمة٬ بعدم الأكتراث من “المواعظ الفاسدة للأمراء بمسمى الدين.

وها هنا تتطابق الرؤية النيتشوية مع التصور الفاغنري لدور الدين في إرساء نظم الاوبرا والبالية سياق الحكم٬ إرساء أفهوم القيمة المتعالية٬ حيث لن يكون في عرفهما الدين عائقا أمام وحدة الأمم وضامنا لقوتها٬ ما دام الدين تحت سيطرة السلطة٬ تخدمه ظاهرا٬ لكي يخدمها باطنا. فأهتمام (فاغنر) بدور الدعوة الايديولوجية كقوة؛ في تعضيد الملك (بالضمة) وتقوية دولته٬ لا يبدو أنه من منطلق ديني٬ رصف العقل الجمعي ووحدة ضبط شرعي فحسب٬ بل هو من وحي التجربة والممارسة يتجسد عبره فن تجسيد نظم سياقات الرؤية والهدف والغاية والرسالة معا. آي٬ ذلك أن صاحب (الزورق الشبح) لا يعتد بنوع معين من الحكم/التعالي٬ بل فقط بمضمونه المستند على إعادة هندسة دعوة دينية مقدسة قادرة/ إلى رسالة ايديولوجية بمحتوى وأسلوب فن الاوبرا بذائقة فنية موسيقية صادحة بأفكار ولاءها٬ وسط حس جماهيري موحد٬ استهداف جمعي مقدس٬ علي جلب المصالح ودرء المفاسد لـ” الملك ـ بالضمة ـ وللرعية”. فهو وعلى الرغم من تحديده منصب مهام القيادة على أنه صاحب نيابة عن الأمة في الحكم والمسيرة٬ “…هو صاحب الحكمة المتعالية٬ في حفظ قيمة الأمة٬ وبالضرورة تنبه المتلقي على طبيعة رؤية فن الإوبرا والبالية؛ بنائها فعل ثقافة جماهيرية٬ تحسن ثقافة ولاء وأفكار سياستة الدنيا٬ به تسمى القيادة؛ ذو قيمة خلاقة متعالية وإرادة مقدسة عامة٬ والقائم بها قائدا وموجها.٬ إلا أنه لا يعتبر ذلك من ” طقوس الأصول الدينية”٬ بل تحشيد ايديولوجي موجه٬ ولا يبعد من منصوصاتها٬ وفي هذا يأتي رده على من يدعي النص على الاوبرا والباليه من تسامي متقدم٬ أم إيعاز الفهم لغير ذلك٬ يرمي بذلك محض شبهة؛ فـ”القيادة في ذلك إنما هي كون الإرادة المتعالية من أركان الباليه كما يزعم رسمها النص موسيقيا٬ مثورا الحس العام٬ وحدة الهدف للعامة٬ صناعة قيمة الهيبة المتعالية٬ وليس كذلك فحسب٬ وإنما هي المصالح العامة المفروضة إلى نظر الخلق والإبداع٬ والابتكار بطبيعة الهيبة ولو كانت من أركان الدين لكان شأنها شأن الواجب المقدس. هي إذا٬ المصالح وتقديرات الخلق موهبة؛ من تؤسس للدولة وتقنن شرعنة لأنواع نظم الحكم٬ وهي نفسها صلاحيات طبيعة خصائص القيمة ” أصول قيمة الإرادة المتعالية” التي ينطلق منها (نيتشه) في دعوته (زرادشت) إلى رعاية السياقات الدينية٬ بمعالجة نحو الأوبرا والبالية في احياء “الشؤون الطقوسية” للررادة بمكانة رفيعة محيطة بهم. إذ واصفا ما يتوجب على حكام الإرادة أي تنزيلها نحو جمهورية أو مملكة٬ أن  يراعوا ويحافظوا على المبادئ الأساسية للإرادة مكانة؛ التي تصون وجودهم٬ وإذا ما عمدوا هذا٬ يسر عليهم أن يصونوا تعالي شوون قيمة دولتهم متعالية٬ مما يؤدي إلى الحفاظ عليها مكانة قيمة متحدة قوية متميزة. وزيضا نلحظ بأنه لم يكتف (نيتشه) بهذه الرسالة٬ بل منبها الحكام/القادة بأن يؤيدوا كل من يساهم في تحقيق هذه الغاية٬ حتى ولو كانوا غير مقتنعين بصحة غايتهم هذه.

فأهلية الإرادة المتعالية ذا قيمة سيادة مدينة الاسياد في نظر صاحب “مثاقفات” (أفول الاصنام) يجلون قيمة متعالية الإرادة أكثر مما ينتشلون فيها خمولية المرء المتكاسل٬ إذ لم يكن هناك في الحقيقة مشرع واحد جاء بقوانين غريبة إلى أي أمة من الأمم٬ لم يلجأ إلى القول إن مكانة قيمة الإرادة المتعالية٬ هي التي تتخذنا بأمر بها. فهذه القيمة المتعالية؛ هي من تدفع السبيل ـ بالنسبة إليه ـ الكفيل بخلق القبول بمحفز ودوافع خلق أبتكار قواعد جمالية سؤال الأوبرا والبالية٬ و رفع مكانة القيمة للقوانين بها”٬ وحين نقول بتتبع وحدات مطارحات ما يشرح فيها عينات مثاقفاته (نيتشه)٬ ذلك نلحظه يوعز لـ”…إن الكثير من المييزات التي يشعر فائدة بها الإنسان دو الإرادة٬ عبر تجاوز تعريف العاقل الهيجلي٬ لا تكون واضحة جلية لكل عقل كما يوافق به٬ وهنا المقصود بأخذ سعة شوبنهور الفلسفية٬ بحيث يتمكن من إقناع الأخرين بها٬ وهذا هو الذي يدفع الفلاسفة إلى اللجوء إلى ذريعة فلسفة الفن٬ من الموسيقى إلى جوهر ما لفت إليه في تفحص إطار وهدف الباليه والأوبرا٬ مثاقفات موضوعاتها متعالية القيمة في سردياتها البعدية.

 إن اللجوء إلى ما يسميه صديق (زرادشت) أحجية الإرادة المتعالية هو من باب الحرص على فروسية القوة والمهابة٬ بناء القيمة المترصدة للفعل وقيمة نتائجة٬ وهما بمعني٬ القوة والمهابة في الأوبرا والبالية أمران لا يهم زرادشت من أي مصدر ينالها٬ علاوة على أن من شأن ذلك أن يحقق عظمة الحكمة العليا في بناء نظام الحكم ويزيد وحدتها. وكما أن الأحترام والولاء للحرية٬ لها طقوسها المقدسة٬ شعائر تتجسد في سردية الأوبرا والبالية حماسة ودافع لخلق ابتكارات معنية بمحتوى تعاليها وتعاليمها٬ لكي يكون مصدر العظمة في شعاب الايديولوجيا عند الإنسان أو الامم او حتى الجمهوريات٬ فإن إهمال هذه الضوابط لقواعد الأداء يؤدي إلى خرابها. فمن ” البيان والإيضاح أنه يقف حيث يوجد الضعف إلى الخوف والهوال من اداء دور القيمة المتعالية٬ استطاعة الإرادة٬ قوة؛ بمثابة تعزز التشكيل لمشقة تعاليها٬ في تكون قيمة مملكتها في تعزيز متانتها٬ إما قد أصابها الخراب٬ أؤ سيطر عليها الخوف من الحكيم أو القائد٬ وهو  الهوان٬ أي٬ الخوف ممن يستعاض به عن البالية إلى الأوبرا٬ بإرباك استعراضي لا أصالة وثقة من الاستعاضة به من فروسية القوة إلى مهابة الإرادة دون رابط بوشائج قيم محققة. وهكذا يبدو «زرادشت» نيتشه حاكما شعبيا يسعى إلى التقرب من المحكومين وأستمالتهم٬ والتودد إليهم ببعض العطايا٬ يتظاهر بأمور تنال رضاهم من قبيل: حرية التدين٬ مساواة الأخلاق٬ عدالة الإنصات. وذلك من أجل الظهور بمظهر الإرادة بالعدل فقط. الجلي أيضا٬ أن (نيتشه) على قدر كشفه مخابيء الموهبة٬ إلا إنه يضمر كل الطاقات السلبية في الحكم: لنوازع أفول الفلسفة٬ من وعاظ الحكام في؛ لدهاء٬ المكر٬ الخديعة٬ وإتقان لغة التخاطب السياسي٬ وإخفاء التصرفات التسلطية العنيفة بلغة تواصلية ترضي الشعب. بمعنى العالم المخفي للطاقة السلبية للمشهد الأوبرالي المضمر٬ أيضا.

الحجج نفسها التي يستند إليها (نيتشه) في دفاعه عن إيجاد فن ايديولوجي محفز للإرادة ـ سلطة أنوية ـ٬ أو٬ دولة٬ يعبر عنها (فاغنر) لكن بأسلوب مغاير٬ وبمنهج ينطلق من الواقع (الإغريقي/الروماني) في أرتباطه بالتاريخ٬ وبتأثر كبير من تآليف ما يطلق عليها الآداب السلطانية/الرومانية. فإذا كانت الأخيرة قد قدمت لتوضيح تصوراتها حججا شرعية تارة أخرى٬ فإن (فاغنر) يمعن في الأهتمام بعنصر “عمران الذات/بالإرادة الملحمة” صنعة فنية٬ تجمع فيها عناصر وحدة الإستطاعة في الهيبة٬ ومكانة حركة الاجتماع والاقتصاد في تكوين “قيمة متعالية” الكيانات تعكسها الإرادة السياسية. فلأن الدولة عند (فاغنر) لا تنفصل عن الملك ـ بالضمة ـ أو السلطان أو هيبة الدولة المتعالية ـ وهذا ما سيتم التفصيل فيه في الفقرة المخصصة لقيمة هيبة الدولة المتعالية ـ٬ فهي وثيقة الصلة بالشوكة الإيديولوجية من جهة٬ والمال والعتاد٬ وإن كان شديد الإلحاح على أن الإيديولوجيا لا تكفي وحدها لتبرير قيام هذه الفن المتصل بالاوبرا والبالية مع الدولة على الصعيد الأخلاقي٬ وذلك لأن “الملك ـ بالضمة ـ إنما يحصل بالرمز الجمعي المقدس٬ أي النصاب الايديولوجي٬ والإجماع هذا إنما يكون بالايديولوجية٬ وأتفاق الأهواء “الحبكة” والصفاء السمعي ـ البصري للأعمال٬ لتشكل ميل على المطالبة٬ وجمع الحماس٬ وتأليفها٬ إنما يكون دون شك بمعونة من نبش القيمة المضمرة للطاقاة السلبية في إقامة القيمة المتعالية. ولأن العصبية بما هي فكرة مجردة قد تكون النقيض لمفهوم الخير العام المستمد من القواعد والاحكام المتبعة٬ فإن (فاغنر) يرى أنه ؛ لا إمكانية لنشوء فن متقدم للاوبرا والبالية يعكس مظهر الدولة المستقرة ما لم يتضافر الخير العام والحاكمية تواكبها نظم سياقات منضبطة مع الايديولوجية بشكل من الأشكال. ينطلق (فاغنر) في تأكيده على تأطير طقوس العوامل الدينية في نشوء الأوبرا أو الباليه لرمزية وحدة الدول٬ من نظرته إلى أهمية العلاقة بين الاوبرا أوالبالية والإيديولوجية وفوائض القيمة المتعالية لنتائجها؛ فهذه العلاقة بنظره هي علاقة تآزر وتعاضد وتكاما٬ مادام ” الاوبرا أو البالية يزيد من قوة الإيديولوجية ـ قوة الإرادة الجامعة٬ قوة الهيبة العامة٬ بالسعادة٬ وبالتخفيف من مظاهر الأنوية المتعالية  السلبية٬ والإيديولوجية من جهتها تمنح الدعوة الموسيقية هيبة القوة وفعالية متعالية للإرادة. وهنا يحدث نوع من التماهي بين تصوري مثاقفات (أفول الفلاسفة/الأصنام والقارب الشبح)٬ فالاوبرا إو البالية الفاغنرية كليهما رمزا للدولة٬ تحتاج إلى الدعوة الايديولوجية المتعالية٬ التي “تزيد السلطة أحكام متعالية القيمة ـ هيبة متعالية القيمة في الفن الأوبرالي أو البالية٬ كليهما في أصلهما قوة الهيبة ـ الإرادة “السعادة الجوهرية” لحرية الأنوية على القوة الإيديولوجية؛ التي كانت٬ وتشكل إطارها الدفاعي لها من عددها لنفوذهم٬ وسبب ذلك في نظر (فاغنر) عائد إلى كون “الصبغة الايديولوجية تذهب بالتنافس والتنابز والتناحر الداخلي الذي في أهل الايديولوجية؛ الفن الجماهيري المقدس ” صنعة غايات فن الاوبرا أو الباليه جماهيريا” وأن الأجتماع الإيديولوجي أو الأوبرا والبالية؛ يظهر ضاعف قوة حفاظ ايديولوجيتهم بالاستبصار والاستماتة كما اشرنا إليه سلفات من قيم الهيبة المتعالية٬ بمضاعفة قيمة الإرادة لقوتها متعالية٬ ولو كانوا أكثر ايديولوجية منها٬ وأشد ميل فنيا تبعها٬ فنا عميقا ٬ صنعوا تعالي هيبة فنها، من نسج افكار وظيفتها٬ أي٬ فلما تخلوا من تلك الصبغة الايديولوجية تعالي هيبتها٬ وآنتزعوا (الحكم/السلطة) منهم والإرادة غالبة على أمرها.

قد يبدو أن (فاغنر) يلح على دور الايديولوجية في تربية النفس٬ وحفزها على قبول التحضر٬ إرادة جماعية٬ والمشاركة في العمران الجمالي الموسيقي٬ اوبراليا٬ بالسعادة الهيبة المتعالية٬ أو٬ البالية٬ بدعوة نبذ العنف٬ بينما لا يلجأ (نيتشه) إلى الايديولوجيا إلا بهدف نفعي٬ بغض النظر عن أي دور تربوي يمكن أن تؤديه الايديولوجيا. لكن هذا الأختلاف سيتبدد إذا ما علمنا أن صاحبنا (نيتشه)؛ قام بمجموعة من المثاقفات لـ”مراجعتة” عند كتابته (افول الفلاسفة/الاصنام)٬ فهو لم يعد ينظر إلى التعليم الايديولوجي على أساس السلبية٬ أو بالأحرى٬ إن لومه للكنيسة في هذه المسألة كان من منطلق أنها لم تعلم الناس الدين/ “الايديولوجيا” الصحيح بفهم صحيح٬ وذلك يدعو إلى تعليم ديني /مقابل متماثل وملاءم٬ وعلى قدر من الحيوية٬ حيث يجب أن يكون التمثيل فيها متمكنا بحذاقة الاسلوب والهدف٬ وإجادة الدور التمثيلي للأختيار الفلسفي من النوع الصحيح. وقد رأى أن المسيحية لم تكن على المسار الصحيح٬ بعكس ما كان عليه الرومان٬ فقد حدد دينهم الخير الأعلى للإنسان… مع أن القيمة المتعالية تمثل الشهامة في الأختيار٬ وقوة المهارات البدنية٬ وتنظيم سياقات التأثير في حيوية المحتوى الجوهي للسعادة٬ في الفن٬ وفلسفة التحفيز لكل شيء٬ يشكل عنصر مساعدا آخر يساعد على جعل المرء/الفرق/ الامم/ او البلدان كفوءة مهيبة بتعالي شجعانها.

لقد كان (نيتشه) متعاليا تأثرا بفلسفة أرسطو لأنها في بعض جوانبها صفة الواقعية٬ وقام بتحليل الموسيقى فهما أعمق من إيعاز الأخير لها؛ عوامل الاستبدال والاستمرار وفساد السلطة للإرادة  المتعالية٬ إذ اعتبر٬ على غرار (فاغنر) أن الاحكام الفلسفية تسير دائما في أتجاه الأفول٬ فهو يؤمن بحركية متوالية٬ أي٬ دورية للأنظمة الجمالية في الموسيقى والفن لإحياء قيمة التعالي٬ قيمة الهيبة للمعني الأعمق٬ وهناك تطور نحو القوة السعيدة للسيادة والاندثار للشؤوم والبؤس للكسالى٬ لذلك كان يبحث عما يوطد الاستقرار الجمالي ولا يمنع موجات عزوم استمرار تنوع الصراع. إن ما أدهش المتابعين٬ حسب ما لوحظنا إليه٬ من مشقة سوال الأوبرا والباليه؛ هو موقف الرجلين من الفن والايديولوجيا٬ لأنه كان بلا شك حاسما بالنسبة إلى شعور معاصريهما العام. فـ(نيتشه) يحكم على المسيحية بالعقيدة كإناسي متحلقا بالحرية٬ والتحرر وظيفي من عدالة التباين٬ تقريبا. ويعتني في التفريق بين الممارسة البالية بإرادة متعالية قيادية أنوية٬ والروح الاوبرالية بهيبة دولة الايديولوجية٬ لكنه في تحدياه الفلسفية لا يرى في الايديولوجيا سوى طريقة جمالية الإرادة العامة٬ ممتازة لتربية سياقات حركة وتفاعل الامم وتعليمهم ضبط  سياقاات دوافع غرائزهم نحو الهيبة المتعالية. بمعنى٬ إن تاريخ الأممي٬ لتفاعلها مع انسياب الإرادة وتميعها نحو قيمة الأوبرا والبالية ضمن طقوس الدولة والسلطة الرومانية٬ هنا٬ الإشارة٬ ما حدث لـ(روما) أو الاغريق٬ حين يبين أفول الفلسفة٬ لمن يقرأه بتمعن؛ كم كان الفن والايديولوجيا وطقوس الاداء مفيدا٬ ونافعا لقيادة تعالي قيمة الجيوش٬ وايضا لتجديد هيبة راحة الشعب٬ وللحفاظ على تعالي القيمة لأهل الخير بالسعادة٬ وإدحاض أهل الكسل التعساء بالشر. ويعتبر (فاغنر) عن الفكرة عينها في عدة فصول من محطات حياته: وهو يبحر في “الزورق الشبح”؛ حين نلاحظ ما يؤكد أن الكسالى ما هم إلا نذير شؤوم٬ لا ينالون السلطة الجمالية متعالية٬ ذات قيمة وهيبة٬ إلا إذا أتحدوا في نطاق حركة ذات أساس ايديولوجي٬ لأن الإمان الإيديولوجي وحده يمنح من خلال الأوبرا والباليه٬ أن يمنح الحماس والطمأنينة في قلوبهم٬ وعكس ذلك يذهب من مشاعرهم الغلضة والشدة٬ وقيمة الأنفة المتعالية٬ والتنابز والتحاسد والتنافس٬ ويقرر بعد ذلك أن الإرادة ممثلة بالحمية الاوبرالية ايديولوجيا كما للبالية تألق القيادة سلطة مهيبة٬ في بدايتها لأنها ترض الإرادة العامة٬ وتناسق المهام المشتركة٬ وروح الهيبة الدولة الجامعة٬ كما تريح بدوافعها الإرادة الجامعة بتوطد التكافل العقائدي؛ عندها يمكن للمرء أن يسود ميوله نحو الفن ـ الأوبرا والباليه ـ فنا عميقا بالتفرد نحو القيمة المتعالية للإرادة٬ بل وهيبة وشجاعة أكثر نحو الحرية٬  أشد التحرر.

يتبع إلى الحلقة القادمة:

ـ مدخل الجلسة الثانية فجوة الأوبرا والبالية: عناصر الهيبة والأبهة المتعالية

 2-1 : الموسيقى والدولة: الإشكالية المتشاطرة

2-2: الإشكالية المزمنة بين تبادل أبهة الأحكام و نزول هيبة الأرادة الحرة

2-3: الحفاظ على تهيب وحدة الحكم العملي؛

ــــــــــــــــــــــ

* كتبت هذه الورقة٬ والتي كان تم تقديمها لمركز نادي أكاديمي ثقافي فرنسي ( …. ) بألمانيا٬ والمشاركة جاءت بدعوة٬ احياء تاريخ ذكرى وفاة الفيلسوف نيتشه 25 أغسطس 1900 ٬ و المنعقدة بتاريخ 25 أغسطس 2019.  

مقالات ذات علاقة

الفائزة بجائزة بوكر تحث الكوريين على القراءة

المشرف العام

الكندية مارغريت آتوود والنيجيرية برناردين إيفاريستو تتقاسمان جائزة بوكر

المشرف العام

السرد أمميٌ وعابر للتاريخ وللثقافات

المشرف العام

اترك تعليق