النقد

مسارب

أتممت قراءة كتاب (مسارب) للأديب الجنوبي والناقد والصحفي “أمين مازن”، ثلاثة أجزاء (10350) صفحة.. كم هائل؛ ثلاثة أسفار تؤرخ وترصد حراك البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية بدءا من أواخر الخمسينات إلى أوائل سبعينات القرن الماضي.

الكاتب أمين مازن
الكاتب أمين مازن

تمازح السيرة والتاريخ والاقتباسات القيمة التي تجعل منها ذخيرة حية للمأثور الشعبي، إبراز لمعالم مجتمع مدني ليبي بدأ منذ أواخر الخمسينات.. وتنافس خلال عشرية الستينيات.. وفي افتتاحية الجزء الثالث يلخص لنا بتواضع المهمة التي أرادها لنفسه: (ليس تاريخاً ليبحث فيه عن الإحاطة، وليس معجما ليطلب إليه إحصاء كل الأسماء، ولكنه نص يتخذ من بعض الأحداث مرجعية.. تجربة قلم وملحمة جيل ووثيقة عرفان.. وما من عمل كتب له الخلود في دنيا الإبداع إلا وكانت التجربة الحياتية من أهم منطلقاته، وما من سبيل لسمو النص الأدبي إلا بما يتوفر له من التمرد على الأشكال السائدة والنزوع القوى نحو الجديد).

(مسارب) البحث عن الزمن الضائع والفوضى في أعماق الذات الممتدة من الماضي إلى الحاضر توقا إلى استخلاص المعنى.. مرحلة الاستعمار، المرحلة الملكية، الجماهيرية.. يفتح المؤلف سفر حياته ليحلل فصوله ويلم شعثه ويستخلص مقومات الوحدة الكامنة بين أجزائه.. تطويع اللغة، وإخضاع المستعصي، رشاقة الأسلوب، نحت المفردات، المزج بين الأسلوب الروائي والحس التاريخي.

في الصفحة الأخيرة، شذرات تنم عن اللحظة والمشاعر العاصفة، وقد بات القلق يحاصر النفس من كل جانب، حمل ثقيل يجثو وقد فقدت معظم الاشياء لذتها، ولم يعد ثمة ما يثلج الصدر أو يثير العاطفة، أصبح الحلو مرا، والمفرح محزنا، والانقباض سيد اللحظة، الصور المعلنة غير الباطنة، واصرار على إظهار الوجه العاكس لهذه الحالة الطارئة.. المشاعر امتلأت والكيل طفح، وصار التطلع نحو استباق الاحداث واستعجال الاتي أكثر الحاحا.. لتكون الكتب الآن أخطر المستمسكات وقد تنامى عددها، لقد تغير الزمن، وتغيرت الناس، وليس ثمة عاصم من هول ما يحمل المستقبل.

امين مازن.. سليل المرجين.. من تلال وهضاب الهارج، وجبال السوداء، وسهوب واحات الجفرة.. لألي الصحراء.. ومن ازقة وحواري واحة هون.. محط التمائم، والنشأة والصبا.. محطات زاد الرحلة.. وهناك عند ضفاف المتوسط.. تقع طرابلس عروس البحر.. ابن المرجين يلتقيان.. الصحراء والبحر.. قصة سيرة نضالية.. ورحلة طويلة مع الكلمة المكتوبة، وريادة لعجلة الادب والثقافة، سيرة عطرة خصبة تنبض تاريخا وتضخ تراثا.

مقالات ذات علاقة

الرستميون يعودون في رواية

محمد الأصفر

قصيدة السيرة.. قصيدة حواء القمودي

عبدالباسط أبوبكر

نص الطفولة الشاعر الليبي: علي صديق عبدالقادر

أحمد الفيتوري

اترك تعليق