غلاف كتاب_الشخصية الليبية
قراءات

مراجعة كتاب الشخصية الليبية… ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة 2/2

غلاف كتاب_الشخصية الليبية

كانت الحلقة الأولى من مراجعة كتاب “الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة” خاصة بعرض الأفكار العامة التي ارتكز عليها، مع بعض التعليقات. وتهدف هذه الحلقة إلى إلقاء مزيد من الضوء علىتنظيرات الكتاب ومنهجيته وما تضمنه من مزايا أو نقائص.

والكتاب دراسة شبه أكاديمية، تنتظم في إطار علم الأنثربولوجيا، وتستند على تداخل الفعل السياسي مع تمثلات الثقافة المجتمعية، ومنظومة القيم والمفاهيم المتحكمة في السلوك؛ كتبها أستاذ علم الإجتماعبجامعة منوبة بتونس الدكتور المنصف وناس. والكتاب الذي يقع في ميئتي واثنتي عشرة صفحة من الحجم المتوسط صادر عن الدار المتوسطية للكتاب عام 2014.

أنجز هذا الكتاب بينما تمر ليبيا بمرحلة مفصلية صعبة من تاريخها المعاصر.. مرحلة تضع الشخصية الليبية ذاتها على محك الفعل، في مسرح يكتظ بجملة من الملابسات الداخلية والخارجية، المعقدة والمتشابكة، التي تجعل هذه الشخصية في موضع المساءلة الأخلاقية والسلوكية، وتخضعها لإختبارات الهوية الوطنية والقبلية والمدنية؛ وهو ما يجعل وصف تعقداتها أمرا صعبا، الأمر الذي قد يفقد هذه الدراسة بعضا من حيثياتها، ويضعف جانبا من مرتكزاتها.

يتخذ الكاتب مفهوم “الشخصية القاعدية” أو “الأساسية” Basic Personality  مدخلا لدراسته وأداة مساعدة على فهم وتحليل بعض ظواهرالمشهد الليبي، خاصة تلك التي أدت إليها الإنتفاضة من “تفكيك لتوازن المجتمع، وتدمير للبنيات الإجتماعية والقبلية، واستحضار لتاريخ مليء بالتوترات والخلافات القبلية والجهوية ” مما أدى إلى إحياء جغرافية الأحقاد والصراعات بين عدة جهات وفئات، بل وإيقاظ ذاكرة دامية وماض مأزوم تاريخيا وثقافيا، كما يرى المؤلف.

وقد استخدم الكاتب في منهجه الوسائل التالية:

1- الملاحظة الأنثربولوجية، التي امتدت على مدى خمسة وعشرين عاما، قام خلالها بتسجيل المعلومات ورصد الظواهر كبديل عن الإستمارة الموثقة للمعلومات، وذلك بسبب شدة الرقابة والقبضة الأمنية آنئذ.

2- بعض المقابلات الشخصية، وهي على ما يبدو عابرة وعشوائية، حيث لم يدرج الباحث أيا من الأسئلة التي وجهها، أو الموضوعات التي طرحها على تلك العينة المحدودة، التي ذكرت أسماؤها مختصرة “لاعتبارات شخصية وأمنية”، وذلك حتى بعد انهيار قبضة النظام!

3- تحليل شيء من الشعر الشعبي “الذي هو أقرب المتون الإبداعية للذهنية الليبية”، انطلاقا من رأي  د.علي الساحلي بأن الشعر الشعبي مجسد للتاريخ الإجتماعي والقبلي في ليبيا. وهي عينة مبتسرة ومحدودة جدا، يسهل تفنيدها بغيرها!

الهدف من الدراسة، كما هو منصوص عليه، ذو شقين : الأول محاولة إثراء النقاش الدائر حول ليبيا، ضمن المراجعات التي تدور حول الهوية واللغة والثقافة الأمازيغية والمسألة الديمقراطية وغيرها، وذلك بتشجيع التحاور حول الموضوع، وخلق حالة من الحيرة الفكرية تؤدي إلى مزيد من الفهم. والشق الثاني هو تقديم رؤية موضوعية مغايرة من خارج الدائرة، قد تساعد على تجاوز الوضع الراهن المتأزم.

يعرّف الباحث “الشخصية القاعدية” بأنها “حالة متوسطة من التماثل النفسي والثقافي والإجتماعي الذي يتم التعبير عنه عبر سلوكيات وعلاقات اجتماعية وإنسانية متماثلة وشبه مشتركة، على الرغم من وجود تباينات واختلافات”.

و”الشخصية القاعدية” في هذا الإطار ليست حتمية، وليست ملزمة لكل الأفراد، بل هي نسبية متغيرة في إطار ديناميكية التأثير والتأثر مع المجتمع المحيط بها. ولذلك فهي تجمع بين الوطني والقطري، والشامل والخصوصي، إشارة إلى تعدد الشرائح المكونة لها، ودليلا على ثراء مخزونها التاريخي والإجتماعي والإثني. ومدخل “الشخصية القاعدية” كما يذكرالباحث، هو وسيلته لفهم بنيات المجتمع الليبي الذهنية وتطبيقاتها السلوكية، ومن ثم تبين مساره خلال العقود الستة الأخيرة، بغية تشخيص عيوبه ونقائصه من جهة، وتحديد مكامن قواه وإمكاناته من جهة أخرى.

ملاحظات على الكتاب:

تجدر الإشارة هنا إلى ما يشوب مناهج دراسة الشخصية من تلبس بالرؤية الإستشراقية الغربية التي تنمط العالمين العربي والإسلامي وتسجنهما في قالب العرقية القبلية والبداوة والتخلف، وكأن ذلك سمة أزلية لا تتأثر بتطورات التاريخ؛ وهو ما يعتبره بعض الزملاء المثقفين والأكاديميين الليبيين منسجما مع سمات العقلية الفرنكفونية للكاتب، والتي تلقي بظلالها على طريقة تناوله للموضوع. كما تجدر الإشارة إلى تأثر الباحث بكتاب علي الوردي “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي” ونظريته التي أسماها “التناشز الإجتماعي”، والتي تتلخص في قوله بأن الكثيرين منا (العراقيين) متحضرون في الظاهر ولكننا بدويون في الباطن؛ في إشارة إلى تصادم قيم البداوة مع قيم المدينة والريف في شخصية الإنسان العراقي. كذلك تأثره به في وصفه للقبيلة العربية بأنها “وهابة نهابة”، كما نص هو نفسه على ذلك.

هذا كله وكثير مما قد يقوله المتخصصون في التاريخ والأنثربولوجيا وعلم الإجتماع، لا ينسف أفكار الكتاب وإنما يجب أن تدفعنا تلك الأفكار إلى محاولة إخضاعها للتداول والمراجعة والمناقشة، بروح علمية وشجاعة أدبية ونقد بناء للذات ومواجهة للنفس، لا تلغي الثقة فيها والتصميم على تجاوز الوضع الراهن المتردي الذي نعيشه. وهذا هو الغرض من هذه المراجعة. وفي هذا السياق فإنه ليس غريبا أن تكون السياسة والدولة في ليبيا، كما في العالم الثالث، مهيمنة على النسق الإجتماعي حتى تصبح مركز توازن المجتمع الوحيد؛ لذلك فلا عجب إذا انهارت الدولة أن يتفكك المجتمع وينهار. ولكن من الخطير جدا أن نسمح لمجموعة ما أن تختصر من جديد المجتمع في نفسها لتسيطر على السلطة معيدة انتاج استراتيجية النظام الذي ثرنا عليه.

تجدر الإشارة إلى أن الباحث يمتلك جرأة علمية، استمدها ربما من مؤلفه السابق “الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية”، والذي قد يتقاطع مع هذا نالكتاب المعروض، لكنه يمتاز عنه بأن المؤلف قد عاش حياته في تونس وخبر ثقافتها وجسد خصائصها، بينما لم يكلف نفسه الذهاب  إلى ليبيا والإقامة بين ظهراني الليبيين ولو لمدة قصيرة، من أجل أن يعايش تمثلات الشخصية الليبية بشكل مباشر، كما تتطلب الدراسة الأنثربولوجية. وهو أيضا لم يستخدم منهج الإستبيان الذي يوثق الظواهر ويساعد على التحليل والإستنتاج، وإنما اكتفى بمقابلات شخصية محدودة لا نعرف إن كانت مسجلة صوتيا أو كتابيا، أم قد تم استدعاؤها من الذاكرة أثناء الكتابة، خاصة وأن الكاتب لم يدرج أي اقتباسات نصية من أقوالها يبني عليها. كذلك فإنه بالرغم من أن مصادر ومراجع البحث العربية والأجنبية قد تجاوزت الخمسين، إلا أن الإستشهاد بما يتصل منها بليبيا قليل جدا، بينما كان يمكن توظيف بعض الإقتباسات منها في تخليص البحث من صبغته الإنطباعية، التي لم تفلح ملاحظات أربعة أكاديميين ليبيين اطلعوا مسبقا على البحث من التنبيه عليها. كما أن الإكتفاء بشذرات مبتسرة من الأدب الشعبي لا تسمن ولا تغني من جوع، لم تنجح في دعم البحث.

في تناوله للشخصية الليبية نجد أن الكاتب يتوسع في رد خصائصها إلى تراكمات تاريخية تمتد إلى آلاف السنين فيجعلها تستقي من الفينيقيين والإغريق والرومان والوندال، وصولا إلى العرب المسلمين ثم الهلاليين وسلسلة من جاء بعدهم. وفي هذا مبالغة تنظيرية لا أظن أنها تصمد للإختبار العلمي، خاصة وأننا نفتقر إلى أدبيات أنثربولوجية تحدد ملامح ما أسماه بـ”الشخصية القاعدية” لهذه الأمم الضاربة في التاريخ؛ علاوة على أن الفتح العربي الإسلامي كان علامة فارقة في تشكيل الشخصية الليبية التي امتزجت فيها الخصائص العربية مع الأمازيغية، هوية سكان ليبيا وشمال أفريقيا الأصليين.

من ناحية أخرى فقد أطنب الكاتب في تشريح الشخصية الليبية في تمثلاتها للخصائص البدوية، لكن موضوعيته خانته عندما تجاهل السمات الإيجابية للبداوة، مكتفيا بالإشارة إلى أن بامكان البدوي أن يكون تاجرا بارعا باعتبار حبه للترحل وقدرته على الوصول إلى المال.

ومن جهة منهجية فإن الكتاب تنقصه الوحدة العضوية التي تلم أجزاءه وتنظمها في تسلسل موضوعي يؤدي بعضه إلى بعض؛ فلقد اختلطت مثلا خصائص الشخصية القاعدية، بالمفارقات الأنثربولوجية التي لاحظها الباحث، مما يحول دون سهولة استيعابها بطريقة تصنيفية يتميز فيها كل عنصرعن الآخر. كما يفتقد البحث اللغة العلمية الدقيقة، على الرغم من أسلوبه السلس الذي يجذب المتلقي العادي. ولذلك كله فإن الكتاب، في نظري، هو انطباعات متخصص في الأنثربولوجيا أكثر منها دراسة انثربولوجية علمية.

ومما يدعم هذا الرأي ما أورده الكاتب من أن التغيير الإقتصادي والسياسي والإجتماعي والديمغرافي الكبير الذي حصل في ليبيا بعد الستينيات قد أدى “إلى تحضر البلاد بفعل الريع النفطي وخاصة الإستثمار الإقتصادي بنسبة مرتفعة (70%) وهي واحدة من أهم نسب التحضر في أفريقا والعالم العربي.” وفي هذا تجاهل لحقائق الواقع الليبي المزري الذي انكشف للقاصي والداني، وإدراج لإحصائيات كاذبة وأرقام خادعة. أما بالنسبة  لما أشار إليه الكاتب من إكتظاظ المدن والمراكز العمرانية كمؤشر على التحضر، فملاحظة يكذبها الواقع؛ وكان الأجدر به أن يناقش عمليات تسهيل “رأس النظام” وإغرائه للبدو بالنزوح للمدن الحضرية، وخاصة العاصمة، من أجل تغيير تركيبتها السكانية وتحقيق “البدونة السياسية” والإجتماعية التي قامت عليها حيثيات البحث والتي وصفها بأنها “غزوة هلالية ثانية”. لكن الكاتب قد تجنب طوال عرضه الإشارة المباشرة إلى المسؤول الأول الذي أودى بالبلاد إلى ما آلت إليه، وإن ألمح أحيانا إلى ذلك باستحياء ، ذلك أنه فضل “أسلوب التلميح وليس التصريح، والمحاولة وليس الحسم حتى يترك هامشا للخطأ والتراجع العلمي.” وهذا بعيد جدا عن الموضوعية العلمية والحرص على تقديم الحقيقة كاملة.

ومع كل ذلك، فإن الكتاب مغامرة علمية لا شك أنها قد حققت هدفها الفكري ألا وهو استحثات الهمم، وتحريك السواكن واستثارة أفكار في بركة الثقافة الليبية الراكدة. والدعوة موجهة إلى المثقفين الليبيين والأكادميين في العلوم المتصلة بالموضوع لقراءة الكتاب وبحث معطياته ومنطلقاته ونتائجه، في محاولة لإعادة اكتشاف الذات، وتأكيد الهوية، والتركيز على إيجابيات الشخصية الليبية وتجنب عيوبها.

_______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

كيمياء (الضد) لإبراهيم عثمونة

المشرف العام

باليسرى.. من هنا إلى مكة

منصور أبوشناف

“ناقة الله” وشتات الطوارق: الكوني بعيداً عن الأساطير

محمد الأصفر

اترك تعليق