طيوب عربية

مراجعة رواية مقابر الأحياء

إيمان محمد – مصر

رواية مقابر الأحياء

تأليف: ضياء الدين خليفة.
الناشر: مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع.

تدور أحداث الرواية في زمن مستقبلي، بصبغة تخيلية يصوِّر لنا الكاتب حال العالم بعد عام 2070 تقريبًا، حيث حلَّت بالعالم فاجعة اقتصادية دفعت به إلى الهاوية، انتشرت المجاعات وتعثرت الدول وشارفت الشعوب على الهلاك، لتظهر في اللحظات الأخيرة شخصية تتولى القيادة وتأتي بحلٍ مبتكر عن طريق نظام عالمي جديد سيقضي على الأزمة ويَعبُر بالبشرية إلى برِّ الأمان أو هكذا اعتقدوا!

ليست أولى الروايات التي تتحدَّث عن النهاية أو المستقبل المأساوي ولكن ظهر الاختلاف في توظيف الكاتب للفكرة حيث رسم تخيُّله للعالم بطريقة احترافية، استطاع التمهيد بأسباب منطقية للأزمة المُتخيَّلة وترتيب التبعات والنتائج متطرقًا إلى أثرها على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها مما يُقنعك بأنَّ هذا ليس بعيدًا عن الحدوث فعليًا بأرض الواقع، ثم وضع نظامًا احترافيًا لمواجهة الأزمة مبنيًا على نظريات وأساسات علمية، شرحه خلال الرواية على لسان الشخصيات ودعَّمه بالمناقشة والتفنيد، فجاء العمل مميزًا فكرةً وتوظيفًا.

استعمل الكاتب في السرد فصحى سلسة جدًّا، بسيطة على الفهم ومع ذلك لم تكن مملة أو ضعيفة وهو ما يُتيح للقارئ الاستمتاع بالعمل مهما كان مستوى معرفته اللُغوية، استعمل الفصحى في الحوار أيضًا مع تضمين بعض الألفاظ العامية فيه لمضاعفة الاندماج بالحدث، دعم ذلك أسلوب الكاتب المميز وطريقته في سرد الحدث وإيراد تفاصيل كثيرة دون إملال، وقدرته على محاورة القارئ وإشراكه في العمل، مع احتفاظ الأسلوب بتشبيهات رقيقة ولمحات رومانسية وتضمين مقاطع موسيقية في أكثر من مشهد بالرواية، كل ذلك خفَّف من وطأة الخراب المسيطرة على الأحداث.

الحبكة جيِّدة واتخذت الأحداث وتيرة متصاعدة وترتيبًا مقبولًا، لم تكن جميع الأحداث متوقعة كمان لم تكن جميعها غير متوقعة، وأظهر الكاتب براعة في وضع بعض التفاصيل ضمن مشاهد أولية ثم العودة لاستخدامها في الخواتيم فتكتشف أنَّها وضعت لسبب لا لمجرد عبث وزيادة حشو.

وبالوصول إلى النهاية نجد أن الكاتب استطاع اختتام الرواية بشكل مقنع ومُرضي للعقل مع ترك المجال للقارئ بأن يتخيَّل المزيد وإضافته بخياله الخاص.

تعليق جانبي: هناك ما استرعى انتباهي بشكلٍ خاصٍ جدًّا، وهو متعلق بزمن الرواية، هذا الزمن حيثُ نصبح نحن العجائز وكبار السن، ما نعيشه الآن هو الماضي، ما نستخدمه هو أثر، أحاديثنا ذكريات ومقتنياتنا أشياء نادرة! أخافني جدًّا الحديث عن رشا رزق كمغنيَّة من التراث وعن شخصيات سبيستون كرموز مبهمة تطلقها أفواه كبار السن فيما بينهم، الحديث عن التابلت كجهاز عتيق! وعن لعبة الدومينو كشيءٍ نادر، وخزانة ذكريات تضم أوراق لعب وكروت شحن وملصقات لشخصيات كرتونية، ومعزوفات حديثة توصف بالكلاسيكية والقِدَم.

فقط تخيَّل أنَّك -وبكل التطوُّر الذي تُلِم به الآن- العقلية الرجعية التي لا يعبأ بها الأصغر سنًا، العقلية العاجزة عن مواكبة العالم في زمنٍ آخر!

مقالات ذات علاقة

قناع السموأل وعواد علي

زياد جيوسي (فلسطين)

التوكتوك الزنجي ملهم

آكد الجبوري (العراق)

في حيفا تتواءَمُ الثقافةُ والمعرفة والفنون!

المشرف العام

اترك تعليق