طيوب عربية

مراجعة رواية البطء

إيمان محمد – مصر

رواية البطء

تأليف: أ.هشام عيد.
الناشر: المكتبة العربية للنشر والتوزيع.

تدور أحداث الرواية حول… لا يمكنني الجزم؛ ربما حول حياة الخال -أو أحمد كما لم تعبأ الرواية بذكر اسمه كثيرًا- وما جُبِلت عليه طبيعته من بُطءٍ عزَّزته مواقف الطفولة وصاحبه حتى المشيب، الخال الجامد كالحجر بطيء الرد، كاره الرياضيات والبشر، المنعزل والعاكف على الكتب، أو ربما تدور حول الحياة، معناها، طُرقها، ألاعيبها وغايتها النهائية.. الموت، حول الإنسان، مشاعره، تركيبته، وغموض نفسِه. يمكننا القول أنَّها تطرقت إلى أبقى وأعرق لُغزين منذ بدء الخليقة.. الحياة والنَفْس.

ضربت الرواية بجذورها عميقًا في حياة البشر بما يتعدى كونها رواية اجتماعية عادية أو حتى اجتماعية فلسفية عادية؛ غلَّفت الرواية هالةٌ من الرهبة، رهبة سببتها تلك الفلسفة الخفيَّة التي تمسُّ كلَّ شيءٍ بهدوء وبساطة وبطء دون أن تشعرك أنها أثارت عاصفة من التساؤلات داخلك، هذا الغموض البسيط والغارق في التعقيد في الوقت ذاته.. كالحياة.

احترت في وصفِ نمط الرواية أو طريقة سير الأحداث، حتى صادفت تلك الجمل من داخل الرواية نفسها:

“حديثه بلا حدث. سرده بلا موضوع. رواية لا تعتمد على تتابع الأحداث ورغم ذلك شيِّقة”

عبارات وفَّت وأوجزت ما أردت قوله في سطور، لم يعتمد الكاتب على حدثٍ واحد يجعله محورًا ولم يتكئ السرد على موضوعٍ ظاهر يناقشه، ولم تلتزم الأحداث تصاعدًا أو تتابعًا أو ترتيبًا ما لكن احتفظت الرواية بعنصر التشويق والمتعة حتى الصفحة الأخيرة.

إذا بحثنا في أسباب ذلك نجد أن السرَّ يكمن في أسلوب الكاتب المميز، بارع في تأدية المعنى، دقيق الاختيار بين الألفاظ، متمكِّن من نظم التراكيب، مع الاقتباسات الساحرة من القرآن الكريم وكتب التراث والشعر والأدب، وتضمينها في السرد ببراعة، ميَّز الأسلوب كذلك قِصَر الجمل مع بلاغتها وتناسقها مما أنشأ بينها موسيقا لطيفة. أثْرت أسلوبَه المميز لغةٌ قويةٌ جمعت بين الكلاسيكية في أصالتها وبين المعاصرة في وضوحها وبُعدها عن التعقيد، فجاءت فصحى سردًا وحوارًا إلا بعض الكلمات العامية وردت خلال الحوار لتضاعف اندماجك بالمشهد.

لفت نظري أنَّ الكاتب كان يتخلَّى عن التمهيد للحدث، فيصارحك بموتِ شخصيةٍ ما ويفاجئك به ثم يسرد التفاصيل، مما حفظ للموت صفته المباغِتة حتى على الورق، فيتحوَّل السؤال من “ماذا سيحدث للشخصية؟” إلى “كيف حدث ذلك؟” ومع عِلمنا بمصير الشخصية إلا إنَّنا نتابع بلَوعة سرده تفاصيل الحدث ونتألم محتفظين بحرارة تفاعُل لم يطفئها غياب المفاجأة.

تعتبر “البطء” تجربتي الأولى مع قلم الأستاذ هشام عيد ولم يخِب أملي، كانت رحلة مميزة وفريدة وتستحق الاقتناء.

أخبرني أحدهم عندما رآني أشير إلى رواية “البطء” فوق الرفّ في المعرض واصفًا لي أسلوب الكاتب: “وأنا بقرأ كنت بشمّ ريحة السرد!” أعجبت بتعليقه لكنِّي اعتبرتها بشكلٍ ما مبالغة، والآن أدركت مدى دقَّة مقولته. الكاتب له قدرة عجيبة على وضعك في قلب الحدث، ينقلك بقلمه من واقعك إلى الشارع، ينقلك إلى السيارة وسط الزحام، إلى حافة النهر، إلى داخل المقابر مؤثِّرًا على كل حواسك ومستأثرًا بها حتى لأنك بالفعل تشم رائحة السرد!

مقالات ذات علاقة

عدد مزدوج من مجلّة الهند

المشرف العام

(على شواطئِ التّرحالِ) روايةُ انتهاكٍ!

المشرف العام

كفر ياسيف تُكرّم أحمد فوزي أبو بكر!

المشرف العام

اترك تعليق