طيوب عربية

مراجعة رواية: إيڤانهو

إيمان محمد – مصر

تأليف: سير والتر سكوت.
الناشر: مكتبة الأسرة.

تدور أحداث الرواية في العصور الوسطى، بعد غزو النورمانديين لإنجلترا وانتزاع حكمها من الساكسون أصحاب الأرض، الرواية تصف الفترة قبل أن يذوب الشعبان في بعضهما بالكامل بالرغم من أن كلاهما يعيش مع الآخر في سلام إلَّا أنَّ الحقد لم يختفِ من القلوب، تحديدًا في فترة حكم ريتشارد قلب الأسد وغيابه في فلسطين وتولِّي أخيه چون حكم إنجلترا مؤقَّتًا حتى عودته، لكن چون يخطط للاستيلاء على الحكم لنفسه، هذه المؤامرة هي الجو العام للرواية لكنَّها على الهامش، يركِّز الكاتب على وصف الطوائف الموجودة في مجتمع إنجلترا في هذا الوقت: النورماديين والساكسون، الرهبان المسيحيين والرعايا اليهود وتنظيم فرسان الهيكل والخارجين على القانون والعبيد. يمثل واحدة من هذه الطوائف شخصية أو اثنتين على مدار الرواية، والتي تبيِّن من خلال دورها سلوك الطائفة التي تنتمي إليها، مثل: شرف الفرسان، عجرفة النورمادنيين، كبرياء الساكسون، نفاق الرهبان، طمع اليهود، وقواعد الخارجين عن القانون.

يصحبنا سير والتر سكوت في رحلة عبر التاريخ ليغوص بنا فيه بإطار روائي مُحكَم، فينجح في إحياء الماضي على الورق من خلال وصف الأمكنة والأسلحة والقلاع القديمة ببراعة وخلق شخصيات متفرِّدة ومميزة منتبهًا إلى أدقِّ التفاصيل كالأزياء والتحايا وطريقة الحديث والشعارات الخاصة وهو ما أدَّى دورًا كبيرًا في إحكام السيطرة على الإطار الزمني وأذاب القارئ فيه بشدَّة.
فكرة كتابة الرواية التاريخية في حدِّ ذاتها تدهشني بحقّ، أن تسرد قصةً استنادًا لأحداثٍ لم ترها ولم تعِشها وبالرغم من ذلك تنجح في إيصال مشاعر هؤلاء الذين اندثروا منذ زمن، لذا فهي من النوع الصعب في كتابته والممتع -إذا تم إتقانه- في قراءته.

بالرغم من أنَّ أحداث الرواية كانت متوقَّعة في جملتها مما جعلها تفتقر إلى المفاجآت، إلَّا إنَّ رسم الأحداث كان ممتازًا، ورسم المعارك جيِّد إلى حدٍّ كبير. حملت الرواية فلسفة خاصة ووجهت الأنظار إلى عدَّة قضايا كالاختيار بين المال أو حياة الأبناء في موقف اليهودي إسحاق، والانتقام وفكرة تسديد دين القتل في موقف العجوز أولريكا وفرونت دي بواف، والصراع على السلطة، والخيانة، والشرف الذي يمكن أن يتحلى به حتى الخارج على القانون!
تحلَّت الرواية بالواقعية في رسم الحبكة مما أعطاها قوة، حيث لم نجد حلولًا ساذجة لمجرد الخروج ببطل من مأزق مثلًا، فكانت الأحداث منطقية حتى لو كان بعضها غير مرضٍ للعاطفة، أستثني من ذلك فقط طريقة تخلص الكاتب من الفارس “أثلستين” لإفساح المجال “لإيڤانهو” بالزواج من “روينا” وهي النقطة السلبية الأبرز في الحبكة برأيي.

تعدّ الرواية مثالًا رائعًا للرواية التاريخية، فهي بالنسبة لعشَّاق التاريخ القصصي وسبر أغوار الماضي أمثالي وجبة قرائيَّة دسمة ولذيذة.
————————-
اقتباسات من الرواية:

1-“لماذا هذا الظمأ للقتال؟ ماذا يبقى لكم، وتفوزون به، بعد كل الدم الذي سال، وكل الآلام التي عاينتموها، وكل الدموع التي تسببت فيها أعمالكم؟ ماذا يبقى لكم بعدما يحطِّم الموت حراب الرجال الأقوياء؟ المجد؟ واأسفاه. ما هو المجد؟ درع واهٍ يسمونه إكليلًا، يعلِّقونه فوق قبر الجندي المعتم المتفسِّخ، والكتابة فوق شاهده، التي لا يستطيع قراءتها الحاجُّ الأمِّي.”

2-“لقد حلَّت الليلة التي تنسلّ منها الأرض وكنوزها من عينيه. وارتعد قلبه الجبار عندما حملق في الظلام المجدب المترامي لمستقبل ما وراء الموت، وأشعلت حمى جسده فزع عقله، وتمتم قائلًا: لقد سمعت الناس يتكلَّمون عن الصلاة، ولكنِّي لا.. لا أجرؤ على الصلاة!”

3-“غالبًا ما تكون لحظات الخطر لحظات عطف ومحبة لقلوبٍ مفتوحة، فنحن نتخلص من حذرنا، ونفشي سر قوة تلك المشاعر التي نحرص على إخفائها في الأوقات الوديعة.”

4-“إنَّ المعروف لا يُلقى من يدٍ ليد مثل الكرة، لن أُشنق إلا من أجل مولاي وسيدي.”

5-“حسنٌ، سنرى أي خير سينجزون بتفريطهم في رجل حكيم مكان مهرج.. أخشى أنَّهم سيفقدون بالشجاعة ما يكسبونه بالحكمة.”

6-“لابدَّ أن يظلَّ المهرج مهرجًا، ويضع رقبته داخل مغامرة لا يُقدم عليها العقلاء.”

7-“- إنِّي مرتبط بقسمي للفروسية أن أهبَّ إلى نصرة الضعيف، ولكنِّي أودُّ أن أعرف من تكون، يا من تطلب مساعدتي؟
– أنا رجل بلا اسم، ولكنِّي رجلٌ أحبُّ بلادي، وأحبُّ كل من يحبُّ بلادي.”

8-“إنَّ الشجرة الرديئة قد تحمل أحيانًا ثمرًا شهيًّا. فالظلم والاستبداد وسوء المعاملة، قد حملت هؤلاء الناس على أن يعيشوا بهذه الطريقة، ولكلٍّ منَّا سرُّه الخفي!”

9-“لا، لن تموت في سلام.. حتى في الموت سوف تفكر في قتلاك.. في صرخات الاسترحام التي أخذت ترددها جنبات هذه القلعة.. في الدم الذي جفَّ على أرض حجراتها!”

10-“الذي يعمل صالحًا وهو قادر على عمل الشر يستحق ثناءً مضاعفًا.. ثناءً على الخير الذي عمله، والشرّ الذي لم يعمله، وداعًا أيُّها الخارج على القانون الشجاع!”

مقالات ذات علاقة

أعطس كي يبتسم

المشرف العام

مدينتي…

المشرف العام

الترجمة إعادة هندسة إرادة الأختيار (1-3)

آكد الجبوري (العراق)

اترك تعليق