المقالة

مذكرة إحضار (للفراشية*) !!

تحلم أن تراها.. ذات سحنة خاصة.. ذات كيان منكفئ على نفسه شديد التعلق بها.. محاذراً طريقه الـ قائدته إلى الدنيا.

تحلم أن تميزها.. نكهة ليبية خالصة.. فيها الروح والشكل ينتمي إليها.. وإلى مدينتها التي كبرت قبل الأوان.. ليبية.. لا تشوبها فوضى الأزياء.. شرق غرب.. شمال جنوب.. وما بينهما.. وكأنها كائن نبت من فسيفساء الثقافات غير ثابت الملمح.. لا تعرفه حقا.. حتى من لكنته.. تتمنى وأنت تجوب طريق السور.. وشارع الزاوية.. متجهاً صوب ميدان القادسية إلى الظهرة أو زاوية الدهماني.. أو تختار طريقاً ثالثاً ربما بن عاشور.. أن تصادفها.. امرأة ليبية خالصة.. مخلصة في زيها.

(الفراشية) ليست بالضرورة أناقة ولكنها هوية.. أو أمر يشابه علامة مسجلة غير قابلة للنسخ والتداول.. ولكن!!.. من يحفظ الخيط الرفيع بين أن أكون أنا وسط الزمن.. وبين أن أتشكل كما يحلو للمستوردين.. ولموديلات أخرى باتت مثل ريح تهز الليبيات.. جلباب مغربي.. عباية خليجية .. وشاح تركي.. أو لا أعرف.. أين الليبية.. وسط كومة الأثواب الملتقطة من هنا وهناك..

أين النسخة الليبية من الزي.. لست أعلم..?!.. فالشوارع ممتلئة باللباس الهجين الذي ترتديه الليبيات اللاتي يلهجن أيضا بكلمات مستوردة قد تكون غربية.. شرقية.. المهم إنها أيضاً ليست لهن.. ليست لنا.. يمكن أن نسمي الجينز وطواقم البنطلونات والتنورات الطويلة جداً والقصيرة جداً والبين بين..عصرية وزي عملي.. وتقع تحت خانة الرسمي والملائم لأدوات العصر بما فيها الناس، أدوات جيدة له بالضبط المساحة التي تضيق بالغندرة، والتلحف المتأنق، والتنيات المتمهلة تحت الإبط و اعتدال الحواشي.

ولكن.. ثانية

هذه الأمتار من القماش الأبيض الجميل.. يحتاج نساءنا المتأنيات.. الفارشات ركناً (للعالة) اللا متخوفات من سيف الوقت، المتسليات بقزقزة الكاكاوية واللوز مع الطاسة الثالثة.. ولو أن الوقت ما عاد يسمح.. غير أنني.. أرفض الجلباب المغربي.. العباية الخليجية.. والوشاح التركي.. هذه التشكيلة اللقيطة لا تفصح عن الليبية ولا تتبينها فيها.. إلا بحجم هذا الخلط المربك للعين وللذاكرة.

أمي أيضاً.. انتهت من الفراشية.. وانتهت قبلها جدتي من (البنبوك).. أنا لا أعني العودة للوراء ولكني أعني أيضا ألا نفـقد نكهتنا.. ملامحنا وشكلنا ولنتوقف عن خطأ الهروع للجاهز، وإن كان لا يتحدثنا ولا يشي بنا.. لنحتفظ ببعض خصوصيتنا.. أرجوكن.

_____________________

* الفراشية: لباس تقليدي للمرأة الليبية، تختلف أسماؤه من منطقة إلى أخرى، وهي في طرابلس بيضاء اللون تلف على الجسم، لتغطيته، وهي تشبه (ملاية اللف) في الإسكندرية بمصر.

 

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3795.. 19/09/2002

مقالات ذات علاقة

الهياكل الشعرية

نورالدين الورفلي

تأشيرة الغفران

المشرف العام

الشاعر الذي تنحني لكلماته الجباه

مفتاح قناو

اترك تعليق