المقالة

مدينة الحب وأشياء أخرى

يُقال: “إن نصف العالم يرى (باريس) أجمل عاصمة في الدنيا، فيما يرى النصف الثاني أن (روما) هي الأجمل..”. وتجربة الليبيين مع إيطاليا والطليان، تختلف بتعدد المدن الليبية، فطرابلس وبنغازي من المدن التي ركزت عليها إيطاليا. طرابلس ظلت قريبة من إيطاليا إن لم تكن تسيطر عليها اقتصاديا حتى من بعد استقلال ليبيا. أما بنغازي فظل الجيل الذي سبق جيل الإدارة البريطانية هو أكثر انتماء إلى الثقافة الإيطالية، بينما لم يكن ثمة تأثير لهم على جيل ما بعد الإدارة البريطانية.

تأثّر شباب طرابلس بالثقافة الإيطالية، استمر حتى قيام ثورة سبتمبر وبداية مناداتها بإجلاء الطليان عن البلاد. ومن بعد الإجلاء تأثّرت ملل أخرى في بنغازي أبرزها اليونانيون، وقلة من مالطيين، ولم يكن من المُرحلين عدد يذكر من الطليان. وكيفما انتهى الحال لم يتأثر جيل ما بعد سبتمبر لا بالطليان ولا بغيرهم.

لقد تعاملت إيطاليا مع طرابلس، وأيضا مع بنغازي وإن كانت بدرجة أقل، كأنهما مدينتان ايطاليتان وكادتا بالفعل أن تظلا كذلك، خصوصا طرابلس. فعندما زرت طرابلس وجدتها مدينة أوروبية تماما، قد يكون سبب ذلك أنني لم أبتعد عن شوارع وسط المدينة المحصورة في شارع عمر المختار، والاستقلال وميزران والوادي والكورنيش. كانت الخمرة ممنوعة في بنغازي بينما البارات والمطاعم مفتوحة باتساع شوارع طرابلس. أما حركة الأوربيين الأوروبيات على وجه الخصوص في أماسي شوارعها الرئيسية كانت واضحة للغريب عن طرابلس، وكذلك الحركة أمام الكنائس أصباح أيام الأحاد، التي لم تكن بحجم ما نراه أمام الكنيسة في بنغازي، التي أصبحت مقرا للاتحاد الاشتراكي.

على كورنيش طرابلس من ناحية السرايا العمودان اللذان يحملان (الفلوكه) التي ترمز إلى طرابلس، كالعمودين المنتصبين أمام مدخل ميناء بنغازي.

الحقيقة أنني شاهدت عمودي بنغازي بتلك الذئبة التي تُرضع الطفلين، ولكنني أشك أنني رأيت عمودي طرابلس بالذئبة والطفلين، إلاّ إذا كانت زيارتي لطرابلس سنة 1963 وليست 1965 مثلما أعتقد، ذلك لأنني رجعت إلى مقالة توثيقية مهمة ومسهبة نشرتها الوسط في 6/ 8/ 2015 للكاتب الأستاذ نورالدين خليفه النمر تحدد أن حكومة المملكة الليبية قررت رفع التمثالين باعتبار أنهما يخصان روما وليس طرابلس.

الأساطير تذكر أن التمثالين لطفلين توأمين تركا ليموتا في العراء أحدهما اسمه رومولوس يقال أنه مؤسس روما سنة 753 ق.م. أنا اُعيد هذه المعلومة المعروفة لأنني وجدت معلومة تؤكد أن ترك الرومان مواليدهم، خصوصا اللقطاء، في العراء يموتون كان أمرا شائعا. تقول المعلومة أن “.. روما كانت في العصور الوسطى تتخلى عن الأطفال غير المرغوب فيهم ليموتوا -الأرجح أنهم لقطاء – وهي عادة كانت تؤلم البابا (انسونت) الثالث فأقام مستشفى خصص قسما منه للّقطاء. في مدخل القسم كان ثمة مهد موضوع على عجلة كبيرة تدور أفقيا، تضع الأم المولود، غير المرغوب فيه، في المهد ثم تضغط الزر، فتهرع الراهبات ويأخذن اللقيط إلى القسم ويصبح لقب (برواتي Prote) التي تعني باللغة الإيطالية المنتظر- قد تعني “منتظر من يعوله”- ويصبح لقبا لعائلته ولذلك يقول كاتب المعلومة: “أن المرء يجد، في الوقت الحاضر، كثيرا من هذه الأسماء في فهارس التلفونات!”.

روما مليئة بالأساطير والآثار والتاريخ لدرجة قيل إنها “المدينة الخالدة؛ بحيرة الزمن الجميلة التي يغوص فيها الزائر في بهجة واستمتاع”. وهي كذلك بالفعل ولكن بتاريخها أيضا، وقائع مسكوت عنها فمثلا أولئك الأباطرة، الذين حاربوا الديانة المسيحية، يسدون الكهوف التي كان المسيحيون المضطهدون يتخذون منها أماكن للعبادة لأنها في الأساس مقابر لها حرمتها. كان عساكر الإمبراطور يسمحون لهم بالدخول ثم يسدون هذه الكهوف فتصبح مقابر للأحياء. كل هذه الحقائق المرعبة كانت تحدث في روما التي تعد الآن، بسبب الفاتيكان ورفات القديس بطرس، عاصمة العالم الكاثوليكي!

روما التي إن كتبت حروفها اللاتينية معكوسة تصبح ((Amor يعني حب. ولا أعتقد أن مدينة الحب ستعجز عن إقناع الاتحاد الأوربي بإيجاد حل إنساني للهجرات غير الشرعية، بعيدا عن إقحام الليبيين فيه، خصوصا من بعد أن أقرّ وزير عدلهم، الذي قال إنه لا يعلم إن كان بوسعهم الثقة بخفر السواحل الليبية، وفي تقديري أنها من الحقائق القليلة التي ساهمت إيطاليا بها في علاج مصيبة ليبيا.

_________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

هوامش الحكي

محمد السنوسي الغزالي

دولة النائب تحية برلمانية !!؟؟

الحبيب الأمين

مُدَوَّناتُ ما قَبْلَ التَّارِيخ

يوسف القويري

اترك تعليق