قصة

مديـنـتي الجـديـدة

انتشر الضوء وعم السماء حتى أحال لونها إلى ابيض باهر، استقلت سيارتها، ضغطت بمشط قدمها على دواسة الوقود، لم يوقف انطلاقتها سوى إشارة ضوئية يتيمة في ميدان واسع تراصت فيه السيارات الواحدة بجوار الأخرى بأشكالها وألوانها وأنواعها وحالاتها المختلفة. توقفت السيارات متحفزة، وما إن انبعث الضوء الأخضر، حتى زمجرت وكأنها في سباق “الرالي”، تضايق إحداها الأخرى في محاولة لاستباق الولوج إلى الفتحة الضيقة المؤدية للطريق الموازي لشاطيء البحر.

تعرف عجلات سيارتها هذا الطريق عن ظهر قلب، تخبر انعطافاته، وتتفادى الحفر وبالوعات المجاري المنزوعة الغطاء. سنوات طويلة تمسح عجلاتها الأسفلت الذي لم يكشط منذ زمن ولم يسفلت وجهه بقناع جديد.

يمتد الطريق فيما بين جزيرتي دوران تتوسطهما ثالثة، الأولى تقع على ضفافها ” القاعة”، بينما الأخيرة يسدها “الميناء”، ويفصل جانبي الطريق رصيف، كان جزء منه يتزين بشجيرات نخيل الزينة، تنمو ببطء، تقاوم رياح البحر وملوحته… اقتلعت، وحلت محلها لافتات إعلانية تزاحمت على الرصيف تجري في عروقها شحنات كهربائية تضيئها ليلاً.

 ما زالت تقود سيارتها وتترنح مع كل انعطافة… يقودها الساحل ويرسم لها خط سيرها.

 كان الطريق يبدأ بانعطافة إلى اليمين ثم يسير بخط مستقيم، لينعطف إلى اليسار، ثم إلى اليمين مجددا.

 تبدأ فتحة الطريق بمبنى، يبرز من قلب ساحته الواسعة برج عال، كانت خطوات القاطنات فيه تدك الأرض دكا مع كل صباح، يعتمرن قبعات بنية بأشكال البقلاوة تنحشر فيها شعورهن الطويلة الداكنة، وتتهدل من أكتافهن نجوم وشراشيب ذهبية، يدخلن ويخرجن من باب صغير داخل باب حديدي كبير، تعلوه لافتة عريضة ذات كتابة زرقاء…. اليوم، لم يعد للمبنى إسم، وإن ظل بابه الكبير موصداً، و يبدو أن سكانه لم يشدوا رحالهم عنه بعد.

بعد ذلك وإلى يمين الطريق، تنتصب عمارات شعبية من ذات الطوابق العشرة تئن جدرانها وتتصدع، يلف ساحاتها الترابية سور لا أبواب له.

 بعدها ينتصب أعلى مبنى في البلاد…. برج تسعيني عالٍ مقوس القامة، لونه مزيج من الأبيض والأسود، يحفه شريط من اللون الأخضر، وبين البرج والعمارات، انتصبت مؤخراً لافتات تعلن عن تشييد أبراج وفنادق الخمسة نجوم تحمل في أعناقها تسميات تقليدية لبقع على الشاطيء المقابل.

 ثم، وعند أنعطافة الطريق إلى اليمين، يجثم مبنى أنيق وعريض، بألوان زاهية، يتهيأ للناظر وكأنه يولي ظهره للطريق والمارة، يكاد يسده، أبوابه تطل نحو الداخل، تحيط به حديقة شاسعة لا تزال عارية إلا من شجيرات متفرقة، ما إن تقترب من أسواره، حتى يتقعر سطح المبنى بدرجة خفيفة، وتقابلك واجهة زجاجية، تميل إلى الزرقة وكأن لجة البحر المواجهة له، تتكسر على سطحه، ملحق به مبنى دائري زجاجي.

 بعد انعراجة الطريق، يمتد سور شاهق بملامح تاريخية، مشيد من الطوب القديم تتسلق الواحدة منه الأخرى بفوضى فنية عتيقة، تستظل تحت أسواره سيارات فارهة تعلن عن وجهة سائقيها إلى الفندق الفاخر المجاور.

 يدور السور إلى اليمين مع دوران الطريق، ليكشف عن منحدر أخضر مائل كانت تغطيه عشبة شيطانية تعرف بــ ” الودينة” وهي نبتة أقرب إلى الصبار تتكون من ورق أخضر بض على شكل أصابع منتفخة بسائل، تتميز بالارتواء والخضار القاتم الدائم، اقتلعت عروقها البنية المتشابكة، واستبدلت بالعشب الناعم “النجيلة” دائم العطش، فمدت له أنابيب المياة لسقايته.

وعلى عكس الجهة اليمنى، تقل المباني على يسار الطريق، إذ كانت في السابق تحف بعض الشواطئ مصائف بدءا بالمصيف البلدي، ثم مصيف العائلات، فمصيف العائلات الجديد. مازالت يداها تقبضان على المقود…. وقد علت وجهها ابتسامة وهي تتذكر اليومين المخصصين للنساء طوال أشهر الصيف للسباحة في الفترة الصباحية، تصادفهن آنذاك صحبة أطفالهن، وبراريدهن، وأطعمتهن، وأبسطهتن، وشمسياتهن، تضئ الابتسامة وجوههن، ونبرات أصواتهن العالية تتطاير في الهواء مع نسمات البحر المشبعة بالرطوبة.

اليوم، بعد أن هدمت مباني المصائف التي كانت تجثم على الشاطيء، يمتد من مدخل الطريق، شاطيء البحر كيلومترات، ينعش النظر بلونه الأزرق القاتم صباحاً، المخضر الملون ظهراً، الرمادي بحلول المساء، يلفظ ما في جوفه إلى الشاطيء، ويدفع برماله إلى الطريق، تهشها المكانس والجواريف اليدوية كأنها حشرات زاحفة، لتتكوم عند سور قصير، شيد على عجل لصدها دون جدوى.

و على تلك الجهة، عدا فندقين على حافة البحر، لا يوجد إلا مجمع إداري مكون من خمسة أبراج، يتندر قاطنو المدينة بأشكالها التي تبدو كقنينات مقلوبة، صاخبة بالحركة، تتنافس على أبوابها الشركات الأجنبية.

ما يهم على طول هذا الطريق ليس المباني التي تحفها ولا البحر الذي يدفق بأمواجه على شواطئها، بل جموع الرجال والنساء الذين يتجمعون في أرض فضاء تنحصر بين البرج التسعيني الشاهق والفندق الفاخر على يمين الطريق!

بشر من كل لون… منهم من يخفف الوطء ومنهم من يسير بتثاقل، تتجمع هموم الدنيا على كتفيه كأنها الوسق… نساء شاحبات الوجوه، يرتدين جلاليب، يغطين رؤوسهن بمحارم ذات ألوان داكنة، ينتعلن شباشب بلاستيكية أو أحذية صنعت في الصين تآكلت كعوبها.

تراهن في قيظ الظهيرة يحملن صغارهن، يقفن على الرصيف الفاصل، تستجدي نظراتهن سائقي السيارات أن تتوقف ليعبرن إلى الرصيف الآخر الذي التهمه بالكامل جدار معدني بطلاء رمادي باهت، تتمدد على وجهه ملصقات ذات نقوش وألوان زاهية، تعد عباراتها بالنعيم الآتي، بمدينة غير المدينة، وزمان غير الزمان، ما إن يصلنه لاهثات حتى تنغرس أقدامهن كالجواريف في الأتربة المتراكمة.

 رجال يرتدون قمصان تتهدل على سراويلهم، يتأبطون ملفات ورقية زرقاء أو حمراء، أو يلفونها كالأنابيب ويقبضون عليها بحرص، يرصون بعصبية من حين لآخر حواشي الأوراق حتى تضيق الفوهة وتتساوى الأوراق وغلاف الورق المقوى. يتجهون نحو الستار المعدني، عيونهم زائغة، يقطعون الطريق دون وعي، يجرجرون أقدامهم بتثاقل كأنهم يسبحون في برك من طين، ينتعلون شباشب سوداء أو بنية تنزلق من مقدمتها أصابع أقدامهم المببلة بالعرق.

ما إن يعبروا حتى يصدهم الستار المعدني الرمادي، تنغرس أقدامهم في الأتربة المتجمعة على حوافه، يسيرون على طوله، يلتصقون به، بينما تلتفت رؤوسهم وراء أكتافهم اليمنى نحو الطريق بهلع، يسيرون في خط طويل كالمقطورات العالق بعضها ببعض، يخلفون من ورائهم سحب الأتربة، ثم يدخلون انعطافة، ويختفون، تبتلعهم حافلات الأجرة الصفراء ذات الأحجام المتوسطه، المعروفة “بالأيفكو”، تمخضهم كالحليب الرائب، ثم تلفظهم على ناصية إحدى شوارع أو أزقة المدينة.

 تجاورت إحدى الحافلات مع سيارتها، رفعت عينيها، تبين لها الاكتاف الملاصقة للنوافذ الموصدة، أغلب الجالسين بجوار النوافذ من النساء يحملن أطفالاً في أعمار أطفالها، أكثر سمنة، محشوين في ملابس، يرفعون رؤوسهم ويمدون أعناقهم باستمالة، يصوبون أنظارهم باستقامة نحو عيون أمهاتهم، دون ابتسامة.

خفضت عينيها سريعاً، عبثت أصابعها بالتعليقة الزرقاء المتدلية من المرآة الأمامية بقلق، تسمرت عيناها على الإشارة الضوئية، تنتظر، بينما تتضارب الأفكار في رأسها كأنها كرات مطاطية تتنطط على جدرانه الصلبة.

وفي الاتجاه المقابل، شباب وشابات يخرجون من وراء الستار المعدني الرمادي، يعبرون الطريق نحو المجمع الإداري، ينحشرون في ملابس ضيقة، مفتولة عضلاتهم أو بارزة نهودهن، يتأبط بعضهم ذراع البعض، تتحدى نظراتهم التائهة المارة، يرمون بأجسادهم في الطرق كأنها أعمدة تتهاوى يجبرون السيارات على التوقف، ثم ينفذون نظراتهم عبر زجاج السيارات نحو ركابها، لتتحول نظراتهم إلى سخرية، يتضاحكون بافتعال وهم يتمايلون وجهتهم موقف سيارات المجمع الإداري المطل على البحر.

يعرقل رجال المرور ببزتهم الزرقاء المحففة بالأبيض، حركة السيارات الثقيلة فيما بين المجمع الإداري والستار المعدني الرمادي، يندفعون وسط الطريق، يلوحون بأذرعتهم في الهواء، يحركونها بقوة تتفاعل معها ملامح وجوههم المتعبة، المعجونة بالقسوة التي تنضح عرقاً، تعلوها نظرات حانقة.  أجسادهم الهزيلة مثبتة فوق حذاء أسود يخنقه حزام أبيض ناصع حتى تنتفخ أشداق بناطيلهم. يؤشرون لحافلات الأجرة بأصابعهم المتلاصقة، بينما يحملون باليد الأخرى دفترا صغيرا بغلاف مقوى أصفر، وهم يصيحون، ينصاع لهم السائقون بينما تعلو وجوههم إبتسامة طائعة باردة، تعض أسنانهم الصفراء على حنق مدفون، يلوون أعناق مقاودهم نحو الستار المعدني بقوة، تتزعزع لها أجساد الركاب وهي تتدافع فيما بينها  لتلجمها يد الفرامل التي يسحبها السائق فيما عجلات الحافلة ماتزال تدور، يفتح بابه، يقفز وسط الشارع، تتراءى ثيابه المتضاربة فيما بين قميص تتطاحن أزراره العلوية مع عروته، بينما تتنافر السفلية منه، تكشف عن بنطال يرتفع عن كاحليه، ونعل تنفرج منه أصابعه المعفرة بالسواد.  يتحدث مطأطأ الرأس إلى الشرطي الذي يشيح بنظره عنه متظاهراً بمتابعة حركة السير المتعثرة.

ما إن تجاوزت انعطافة المجمع الإداري، حتى انفرج الطريق على اتساعه، وهبت نسمات البحر  المشربة بعوادم السيارات، انطلقت السيارات بسرعة بينما اختفي المارة تماماً، حتى الأرصفة تسطحت بحجر مستو ومبلط، كأن لم تطأه قدم قط. انتصبت الأشجار المغروسة وسط الرصيف المحاذي للفندق الفاخر، ترتعش أوراقها الوليدة انتعاشاً، تتمدد أشعة الشمس دون عائق في مسامات المكان الممتد من الفندق حتى حائط المدينة القديمة، كأنها تسبح في محيط نأى عن الكتل القارية.

 توقفت طائعة عند الإشارة الضوئية الثالثة، امتد الطريق بتفرعات تصب فيه كالدلتا، وتتوسطه جزيرة دوران واسعة، تناثرت على قطرها شجرات نخيل، هجرت من مسقط رأسها ووطنت فيها، شاحبة تآكل سعفها بريح البحر التي سرت في أطرافها، بعضها مالت جذوعها، وأخرى فقدت رؤوسها.

تسد الطريق جزيرة ثالثة، تحف الميناء وسوق الحوت ورصيف مراكب الصيادين، التي تتهادى في موكب يتراقص على هدهدة الرياح البحرية المتعانقة.

تنفست الصعداء وقد تركت الزحام من خلفها، مخلفة وراءها سيارات تتطاحن، وأبواقا تختلط بلعنات السائقين، وصراخ الشرطة، وقهقهات العابرين وتوسلاتهم، لكن الكرات المطاطية في رأسها لازالت تتقاذف الأسئلة عما وراء ذلك الستار المعدني الرمادي حيث يختفي المارة العابرون للطريق في اتجاه المحطة، غير الحافلات الصفراء التي تبتلعهم ودراهمهم، تعلم في قرارة نفسها أن عالماً آخر خلف ذلك الستار المعدني الرمادي يتشكل بملامح غير تلك الملامح التي عهدتها، ومدينة أخرى تتكون في قلب المدينة التي احتضنتها، بينما أمام ذلك الستار المعدني مبان ترتفع بقاماتها، لا يرى منها أولئك الذين تتطاحن أحلامهم في المحطة إلا أقدامها، تتلاصق أكتافهم وهم يصعدون الحافلة الصفراء أو يترجلون منها، لا يحلمون حتى بالوصول إلى جزيرة الدوران الثالثة في ذلك الطريق حيث المراكب الناعسة، وإن وصلوها لا يرون إلا البحر نهاية للطريق.

طرابلس 27. 6. 2009

مقالات ذات علاقة

موجة حب إلى غرناطة

رضوان أبوشويشة

تـجربة

الصادق النيهوم

تَمـَردَ قَــلمي

محمد عياد العرفي

اترك تعليق