سيرة

مدخل (محطات)

غلاف كتاب_محطات

في سنة 1995 تعترف بلدية طرابلس بأنني بلغت الستين. ويعتبر كثير من الناس أن الوصول رسميا إلى سن الستين، بلوغ مرحلة يمكنها أن تشكل حاجزا بين الإنسان وكثير من الأمور..! وعلى الرغم من أن سن الشباب قد ولى منذ سنوات،إلا أن الكثير يعتبرون أن، أكثر من الشيخوخة يطل بعد أن يبدأ الشباب ينادونك (بعمي) ويبدأ المسنون يلقبونك (بالحاج). ولربما أحس الإنسان أنه لم يعد شابا بعد… أنه لا يستطيع أن يتحمس.. أو أن يندفع في الجدال..! أنه أشرف على أن يودع مئات الأشياء الصغيرة… والكبيرة أنه لا مرحلة جديدة قد بدأت… بل إن كل يوم ينتهي عند تمامه.. وأنه.. ” رجل في القبر، ورجل أو بعض رجل في الدنيا إ أنه لم يعد إلي حد ما إنسانا سويا.

وينتاب الإنسان “في بعض اللحظات أن الوقت لم يعد كافيا إلا لاسترجاع الذكريات.. ويحاول البعض أن يسمي ذلك “مذكرات”، ويحاول البعض أن ينسب عدم ذكر الأخطاء إلى النسيان “فقد بلغت الستين”. ويحاول بعض أخر أن يستذكر الأضواء، والمباهج، والبعد عن المزالق، ويدور البعض بين من عرفهم و من لم يعرفهم، وينسب إليهم شهادة عن أمور قام بها.. ولربما فضل الأموات.

ويتذكر.. ويتداول الأبناء والأحفاد مذكرات أمجاد السنين.. ويعطفون على الشجرة التي أنبتت هذا “الرجل”، وينسبون إلى أرومته أخلاقه، وتبرز من بين السطور صورة والده العطوف، المثقف ثقافة عصامية.. وتربية الأم التي تفوق تعاليم علم النفس.. والنجابة التي توسمها الأساتذة.. وحفظ الدروس، والعبقرية المبكرة وحب الوطن والناس ومراعاة الحقوق والقرارات المصيرية و.. و.. وتموت في الرجل ستون عاما عاشها كما يعيش الناس، مواطنا كغيره من المواطنين، إنسانا تؤرقه المطالب، وتأخذ بتلابيبه الحاجة، وتداعبه الأحلام.. وهو في كل مرة يجرب ويخطئ، وخطؤه ليس خطأ الآخرين. يعمل فيصيب تارة، ويخفق مرات، بصنعه، ولا علاقة له بصنع الآخرين. والذين يقرؤون كتابه، وهو حينا في يمينه، وأحيانا في شماله لا يجدون إلا مزالق و مثالب غيره. وهو، على بعد ستين عاما من بدايته، لا يصور نفسه لهم كما يعرفها هو نفسه، ولا يعطيهم ما حاول إخفاءه عنهم على مدى ستين عاما، بل يؤكد نفسه مثل ما أكدها.. مزدانا حليق الذقن، محفوف الشارب.. على جسده بزة يقل ثمنها أو يزيد، مزهوا، لا رجل له في القبر، وساقاه يسوقانه إلى الدنيا الواسعة كما أراد.

تعترف البلدية بأنك قد وصلت الستين..! ويفتح لك الضمان الاجتماعي ملفا بالمعاش.. فالأخير لا زال يعتبرك إنسانا ما لم تغب عن الدنيا، وتتسلق برجليك القبر..! عندما تصل الستين، يفرد بعض الأصدقاء لك مقعدا أمام دكان، أو كرسيا إلى جوار طاولة مكتب.. وقد يقبل بعض الشيوخ أن تشاركهم “ركابة” الجامع من قبل صلاة العصر، حتى نهاية الشفع والوتر.. وسوف تختال راجعا إلى مسكنك، ولا تجد من يلاقيك بفرحة أو شبق وليس في جعبتك إلا أثار النوم تداعب أجفانك. وفي القليل سوف يرن الهاتف لخبر تافه أو مطلب آني، إلا أنك لا ترد، وقد يغريك الصمت بأن تخرس هذا الرنين.. وإلي الأبد، إلا أنك ما أن تهجع إلى نومك حتى تسترد وقفاتك في محطات لم تذهب من ذاكرتك، مهما حاولت أن تمحوها.. تبقي المحطات بنفس صورتها، مهما حاولت أن تلونها أو تشذب أطرافها. وتحسب أن السنين التي مرت، لو عادت، لاخترت محطات أخري ، ولسافرت إلي مواطن لم تكن قد قصدتها.

واليوم، وأنا أبلغ الستين.. أحاول أن أكون مثل،أعمى على كبر، يجلس على “ركابة” الجامع، يختطف الذكريات المخزونة في ذاكرته، يلوح بيديه، يبتسم مرة ويقطب مرة، طيلة جلوسه، و يخيل لمن يراه ولا يعرفه أنه كان بصيرا. وعلى الرغم من أنني لا زلت بصيرا، فسوف أستعرض المحطات، بحلوها ومرها.. وسوف يكون استعراضها على الورق، كما أتخيلها دون أن أزيد عليها، أو ألونها، أو أحاول ملء ما قد يكون بها من فراغات. ولربما سبقت المحطة أخرى، ولربما تداخلت المحطات.. ولن أحاول مهما كانت الظروف، أن أبوبها، أو أجعلها صورة غير تلك التي أستحضرها.

سوف أذكر أسماء، أحمل لها ودا خاصا.. كانت رفيقا في انتظار القطار في المحطة، أو كانت جليسا في السفر أو كانت أنيسا في الوحشة. وسوف أبعد من خاطري كل من ناوشني وأنا أنتظر القطار، أو حاول أن يسرق مقعدي فيه، أو هاجمني في مجلسي، أو تطوع لرمي من عرباته..! فقد وصلت الستين، ولم يعد في إمكاني إلا أن أتغاضى، وأن أصفح.. إلا أنني أطلب العفو ممن ضايقهم جلوسي أمامهم، أو إلي جوارهم، أو حتى خلفهم.. أما من ركبت بدلا عنه، أو وصلت قبلا منه، فله الصبر ولي المعذرة!

فللرفاق جميعا، أهدي هذه المحطات.. للواقفين من الأجيال القادمة، تذكرة مجانية، لمن يرغب في البقاء حتى يبلغ الستين، حيث تعترف له البلدية بهذا العمر، ويفتح له الضمان الاجتماعي ملفا يعترف به إنسانا، قبل أن يودع الدنيا ويتسلق القبر! لمن وجد، بعد ذلك العمر، مزيدا. للجلوس، إن سمح له الشيوخ، على “ركابة” جامع، من قبل صلاة العصر حتى انتهاء الشفع والوتر.

لرفاق آخرين لم يواصلوا الطريق… قفزوا من القطار أو رموا منه. رفاق لا زالت مقاعدهم خالية إلا أنها تعمر بروحهم الإبداعية ونفسهم الزكية الغنية. رفاق زاملوني من محطة إلى محطة أو أكثر، إلا أنهم تركوا القطار قبل الأوان… قبل الستين.

وما سيأتي ليس تاريخا، تسجل به الأحداث على نحو محايد كما يدعي بعض كتبة التاريخ وما سيجيء “ليس سيرة ذاتية إذ ليس هناك قيمة، ولا فائدة، في حياة شخص واحد، دون ربطها بحياة ا الآخرين! والصفحات القادمة ليست سجلا لأحداث بعينها، أو تقريرا عن وقائع بذاتها، مرتبة حسب تاريخ قيامها. وما سيرد، ليس رواية، أو قصة، يشكل الخيال جزءا كبيرا من ترتيبها. وهي ليست مذكرات، ولكنها على وجه اليقين ذكريات، تم تسجيلها في الذاكرة، دون قصد، وربما دون ترتيب واعتقدت أن قد حان الأوان للإفراج عنها.. ولربما أزال هذا التسجيل حملا كنت لأنوء تحت وطئه”.. ما سيأتي في هذا السافر الأول جزء انتهيت منه، يسوقني من طفولتي إلي مرحلة اعتقدت أنها اختلفت عن سابقتها. ما سيأتي مقدمة لما سيجيء… وربما لن يكون ذلك ببعيد.

مقالات ذات علاقة

ما حدث لمكتبة الفرجاني

أحمد إبراهيم الفقيه

مرجعية الحلم .. والعشر العجاف

زكريا العنقودي

جُنينة.. مبكرا غادرتنا فكانت مسك الحكاية

رامز النويصري

اترك تعليق