طيوب البراح

مخملي.. بلوّن الشمس

محمد التراسي

من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.

رغم أن لا لون للماء إلا أنهما لم يتفقا حتى على لون واحد، بيّد أنهما اتفقا على أنجابنا (أبي وأمي).

بحزن فاضح وفرح حد التخمة، ألاحظ هذه الأيام توطد علاقة أبي وأمي وهما يُتمان الأربعين على زواجهما.

ازدادت أحاديثهم الهادئة وتسامرهم الليلي وتكاثرت حلقاتهم الثنائية الممزوجة برائحة البخور وعطر الياسمين والشاي الأخضر كما يحب أبي والأحمر كما تحب أمي، وبين يديها تحيك الصوف صيف شتاء حتى في أوقات انقطاع الكهرباء أشعر بأناملها ما زلت تغزلان الصوف أو تعقدان (السخاب) بقلق هادئ على ضوء عيونها الأقاح بحرفية أنثى أمية لكن لا ينقصها الفن والذوق.

في كل صباح تضفر لها أمها ضفائرها اللتان بلون السنبلة الصفراء حين تسقط عليهما خيوط الشمس في في أواسط الأرياف البديعة والغابات الواسعة فيصبحان قطع من ذهب.

سنابل أمي الصبية كانتا محرك الحسد عند أقرانها من الإناث وأمهاتهم، فما فتئوا يخبرونها أنها وهي تملك هاتين السنبلتين ستكون أول العرائس.

في ذلك اليوم تغلب قرار أمها ( جدتي ) على قرار كل العائلة لن تذهب ذات الضفائر إلى المدرسة، وحجة أنها أنثى جميلة كانت فعالة.

وبقيت سنوات راعية غنم، تصح صباحا على صوت الديك، وتخرج بقطيع خرفانها، فيشق الأطفال صباحاً وهم سائرون إلى المدرسة أسراب قطيعها والضحكات تتعالى وهم يتسابقون على المقاعد والصفوف الأولى، ومساءً وهم عائدون، من سيصل أولا.

حتى جاء أبي فخطفها من طفولتها وفي ليلة من مطلع السبعينيات الكئيب جعل منها امرأة وربة بيت وأم لفريق من الأولاد، واختفت الضفائر بلون الذهب.

سنوات من عمري كان الاختلاف سيد الموقف بين أبي وأمي.

رغم أن صوتها لا يعلو إلى حين يكون رب البيت غائبا، علمتها جدتي ( مريم الطاهرة ) أن رب البيت لا يختلف تماما عن رب السماء، فكلاهما توجب عليها السمع والطاعة.

واليوم أرى التوافق والتلائم يعم المكان يحول البيت المظلم إلى نور من السماء، جدران بيتنا اليوم تزهر، الأسقف تنقشع حتى يتضح لنا القمر وكأنه يراقبنا من الأعلى، ويبتسم.

صوت حديثهم يسير على نحو متباين دون ارتفاع أو همس ودونما مقاطعة أو صراخ، ذكرياتهم الجميلة مع الآخرين تسود وذكرياتهم المشؤومة تغادر للامكان، الضحكات تتخلل المكان بين الفينة والاخرى.

طلبتُ من إخواني وأخواتي ان يتركاهما لوحدهما، فيالا جمال إثنين لا يباعد بينهما أحد. وبالفعل هو منظر غريب فكيف لشمس وقمر أن يجتمعا في آن واحد.

أحديثهما كأحاديث العاشقين عن (القمر، الشمس، الزهر، الهواء، الأيام، الأطفال، الناس، الحياة، النهار، الليل).

والكل يسأل ما الذي يحدث؟

أتراها علاقة الكبر، حب المسنين، نضح زواج الأربعين.

اتذكر أني قد قرأت مرة أن الأزواج كلما اقتربا من نهاية العمر توافقا وتلائما أكثر وباتت ذكرياتهم مشبكة تربطهم صبح مساء.

كورونا… يبدو أنه ليس بوباء قاتل فحسب، هو أكبر من ذلك.

فيروس لا يرى بالعين المجردة يحبس أنفاس العالم، يفضح فساد الدول، يقرّب الأخرين، يسمح للسماح والصفح أن يأخذا موضعهما بين الآخرين، يقربنا من الله، يعود بنا إلى أجمل الذكريات، يطبطب على القلوب

والأهم جعل ضفائر أمي تعود لتشع من جديد، تلك الضفائر التي روّت لي جدّتي (مريم الطاهرة) عنهما كثيراً، وما فتئت ان استخدمتهم كتشبيه في كل الحكايات والقصص التي كانت ترويها لنا.

واليوم بتُ أحبهما أكثر، وبتُ احكي عنهما أنا.

مقالات ذات علاقة

واقتلع الشوق ما تبقى مني

المشرف العام

رسائل من / إلى

المشرف العام

أنثى إسرائيل

المشرف العام

اترك تعليق