المقالة

مخاوف قضيبيّة

كتب فرانز كافكا كثيراً عن الحرب، لكن الملاحظ أنه أبقى نصوصه عنها مفتوحةً، وقد إتُهم خطأً أنه متشائم وسوداوي، وأنا قطعاً أختلف مع صديقه ماكس برود، الذي خانه وخان تاريخه الشخصي معه، وقدّمه ـ لأسباب تتعلق بالحسد والشعور بالنقص ـ على أنه رجلٌ معطوب وشديد العُصابية، لكنني أعتقد أن كافكا كان خير من يفهم بالحروب، لأنه ربما عرف الرجال على حقيقتهم كونه كان رجلاً.

وأنا هنا لا أريد أن أتقوّل على كافكا مطلقاً، ولا أريد أن أنسب لنفسي شرف الفهم الاستثنائي لسر عدم قفل كافكا لنصوصه عن الحرب، لكنني سأسند لنفسي بوصفي امرأة بالذات، حق أن أُدلي بدلوي فيمَ يخص الحرب، لإنني كنت دائماً وعلى مدى الحروب الضحية الأولى لها.

بالعودة لبدايات التاريخ، مذ طفق رجل الكهف بتصوير سيرة حياته على جدران كهفه، يظهر الرجال دائماً وهم يمتشقون أسنّةً ورماحاً وفؤوساً مدببة، يتقاتلون على الأراضي والماشية والنساء الجميلات، ولا أتصور مطلقاً، أنه توجد صور منذ ذلك الزمن الموغل في قدمه، تشير إلى تورط النساء في حروب ما لمحض كونهن نساءاً، بل إنه حتى الحروب القليلة التي شنتها نساء عبر التاريخ، كانت لأجل شرف الرجال وشرف قضبانهم بالذات، وبالحالات التي ثارت فيها حروب لأجل امرأة مثلاً، كحربي البسوس وداحس والغبراء، كانت بالذات انتقاماً لشرف قضبان الرجال الذي انتُهك.

إن الحروب كانت تقع دائماً، لأن مجموعةً من الرجال كانوا يقفون بفضاء عام يُتيح رؤيتهم علانيةً، ليستعرضوا قضبانهم ملوّحين بها في وجوه الآخرين، يستعرضون قوتهم القضيبية وقدراتهم على إمتلاك الأراضي والنساء والأموال، وكان هذا يستفز رجالاً آخرين، يقفون على الطرف الآخر من ذلك الفضاء، فيشعرون بالتبخيس والإهانة، وبالتهديد والعار لشعورهم بقصر وضآلة قدراتهم القضيبية فيتبادلون القتال.

وبالإذن من جورج كارلين الذي قال شيئاً لا يختلف كثيراً عن هذا يوماً، فأعتقد شخصياً أن الرجال جميعاً يشعرون بعدم الأمان، فيما يتعلق بحجم قضبانهم، لهذا يقاتلون بعضهم البعض بضراوة، لأجل التفرد بميزة تمتعهم بالقضيب الأكبر، وسيظلون قلقين بشأن حجم وقدرة قوتهم القضيبية ما عاشوا.

ولنأخذ مثلاً العالم الإسلامي الذي يعاني اليوم من “مخاوف قضيبية” بحتة، إنه يستعيد أمجاده يوم كان “صلباً” ويوم كان “يدشّن” أراضي الآخرين تحت عنوان نشر الإسلام، وعلى الطرف المقابل، “ينتصب” القضيب الغربي قلقِاً من “رخاوة” قدراته القضيبية، إذ حافظ لقرون طويلة أيضاً على “قساوة” واضحة في الإمساك بزمام العالم، وهو الآن يشاهد بـ”عينه القضيبية الوحيدة”، تهديداً سافراً لحجم “إمكاناته القضيبية”، لهذا كانت الحرب على أفغانستان والعراق، ولهذا “قذف” الغرب تلك الدول بصواريخ وقنابل مصممة على شكل”قضبان”.

في الحقيقة إن من يمعن النظر قليلاً في آلات الحرب والدمار ـ مذ اختُرعت بالعصور الحجرية السحيقة ـ لابد سينتبه إلى أنها تأخذ شكل القضيب، كالرماح، والسهام، والعصي، والفؤوس، ربما لأن الرجال من بداية تشكل وعيهم “الذكري” مولعون في اللاوعي، بـ”إقحام” أنفسهم في شؤون الآخرين، والآن باتت أدوات الحرب تأخذ أشكالاً أكثر تأكيداً على مخاوفهم القضيبية، وأحجام قضبانهم ومدى قدرتها على تأديب البقية، حتى إنهم بدأوا سباقاً “محموماً” في تصميم “أطول” و”أعرض” صاروخ، وطفقوا “يلهثون” في التباري حول تقديم “أحجام” و”أطوال” مختلفة لمعداتهم القضيبية، أعني الحربية.

فهل قصد كافكا إلى هذا حين أبقى نصوصه “مفتوحة” عن الحرب؟ أنا لست متأكدة بالطبع، كل ما أنا متأكدة منه أنني تعرفت على “المخاوف القضيبية” للرجال حين يتحاربون، لأن أول شيء يفعلونه في حروبهم هو “اغتصاب” النساء، كما حدث بليبيا والعراق وسوريا ورواندا والكونغو والبوسنة والهرسك وفي غيرما مكان، و”خوزقة” الحكام الذين يقبضون عليهم كما حدث مع القذافي حين ظفر به الثوار، ولهذا كثيراً ما أحمد الله، أنه لم يمنح النساء قضباناً أيضاً.

 ______________________

كاتبة ليبية مقيمة بهولندا

مقالات ذات علاقة

حُب الطفولة المتأخرة

عمر الككلي

أغنيات من بلادي

فاطمة غندور

محطات ومواقف

المشرف العام

اترك تعليق