طيوب عربية

محنة الشاعرة العراقية نازك الملائكة والإبداع (3-4)

إشبيليا الجبوري – العراق

….تابع

إن باستطاعة هذا التفكير احالة مهمات٬ والخوض عمقها على مشاكل محددة٬ يمكن تفسير تأثير الانكباب بتعال وتأثير٬ ينفذ تدارس مشقتها٬ ومشتقاتها٬ بل إنه يتوفر بطبيعة الحال وبشكل وفير ودائم٬ على مستوى خاص مثير لاهتمامها٬ بمعنى٬ دافع يفتح التعبير الأدق ومحفز لها في الإبداع٬ غير أننا ليس يحق لنا القول بأنها تنطلق من هدف ما. فهي دائمة النشاط٬ والعمل الذي يساهم في تحديد السمات الروحية لما تفعل٬ ما نجد التأثير يرسم عمومياته بشكل تفكيرها الحاسم٬ بما يثيم صفة الحفر به٬ ويقيم٬ إذا ما أردنا ضبطه ضمن إطار المتعدي الآني٬ من خلال الإشارات والممارسات الخاصة بها٬ بتحديد أرضية أنتقاء الكلمات بنفس الشكل والدقة٬ بل نجد إطار القول فيها٬ المكوث داخل عمقها٬ العنوان والمعنى والتأمل على الشيء٬ أي أن تفكيرها الإبداعي يمثل تأمل نافذ٬ يسمح خلاله فتح المعالم٬ تحت تفاعل بساهم في دورة السؤال المتعلق بالبعد والاستكشاف للتفكير٬ وضع المعالم٬ عنوان المشقة على هذا العالم القائم٬ في مجموعة من الوقفات المسحوبة على شخصيتها٬ تختبيء فيه داخل الحذر والدقة٬ في غالب الأحيان لعناوين من النصوص الممتدة بين الحرب العالمية الثانية و الفعل الذي تجاوز تحديده٬  توفر على صفة تأثير ثورة يوليو/تموز 1952 “الناصرية” المطمئنة في تدشينه على صفة الأمل لديها بالمرة٬ والقائمة على التفكير والحسم لديها بمحدد الهدف من قبل٬ إن شئتم ـ بل إنها إنطلاق من هدف منها٬ لمرحلة لها عناوين من النصوص التي شقت الطرق على نفسها٬ تستعمل بالأحرى على الدخول لتدشين بعد من الأبعاد٬ حيال بلوغ المعالم٬ ووضع فتوحات فكرية أكثر من بلوغ هدف محدد بشكل مسبق.                                          

الشاعرة الراحلة نازك الملائكة (الصورة: عن الشبكة)

وتجعل للأساليب أن تكون لها أدوات في الطرق ” الكوليـرا” مثيرة الأهتمام/ متماسكة في بعدها٬ مجترلة في حمولة عنوانها مجموعة من المحن والمقالات والمواقف الممتدة ما بين الأحتلال والأحتلال٬ وقد ترجمت إلى ظاهرة قومية تحت عنوان التحرر٬ ولأن هذه الأساليب والطرق لا تؤدي إلى هدف محدد خارج اللغة والحدث٬ ما جعل “توضيعها ” في دراسات كي لا تضيع فجأة داخل ما فات٬ بل لابد من تحديد ما تم شقه٬ وإتكشاف الآليات التي ينطلق منها الهدف الخاص المثير للأهتمام ببلوغ أكثر٬ وبشكل أفضل حين يكون مقاس ذلك الذي يحدد “العلة” من “تعميم” الأسباب في صفات عائمة٬ لمجرد الاثارة بالدفء داخلها٬ وهنا٬ المقياس الذي تحب الإنسان فيه٬ والخوض بالحميميه داخلها٬ وهي تحمل أوزار هذا الشعور المفعم أحسن حالا من ذلك الذي ينتابها وهي متواجدة بالطرق المحفوقة بالمشاكل والمرسومة بعناية أي السياسة والتكتلات والعلاقات المتهافتة التي تتزاحم ضمنها الشخصيات الخلوعة الضمير٬ الغير ضامنة بأبحاثها ونتائة أبحاثها المختصين في النقد والفلسفة والفن والعلوم الإنسانية في أنعكاس نتائج أبحاثها في خدمة المجتمع عامة والأدب خاصة.

إن أستعارة “الكوليـرا” في اللغة الشعرية للقصيدة٬ تقول شيئا أساسيا جدا في منبرها٬ فهي لا تعني فقط٬ وكما توحي بذلك اللفظة  تعود لمرض(ما حصل في مصر)٫ بل ما يسلك طريقا يؤدي إلى مكانة العرب من وضع مزري لعام 1948 من الأسلحة الفاسدة والطرق المحفوفة بالمشاكل لفلسطين٬ وعناية الغرب بتحقيق أستعمارها على المنطقة وتمزيق وحدتها في أحسن ما ينتابها من إذلال وهوان٬  وقطع أوصال٬ ولا تبتعد الشاعرة عنه٬ بل تعني أيضا بأنها الأمة٬ والشخص معا مستهدفا٬ مما جعل لقصيدتها٬ أن تؤدي بها إلى مكانة شبيهة بالمشاكل والأسلوب الطبيب الفاحص المعالج٬ مهتمة بالتشخيص والتصنيف ٬ التي تتزاحم ضمنها أبحاث المختصين في الفلسفة والعلوم الإنسانية واللغة التي تجوب الطرق التي شقتها بنفسها على أعتبار أن عملية الشق والاشتقاقات تنتمي إلى مهمة تفكيك العلة.

لقد أقامت شاعرتنا المبدعة (نازك الملائكة) شبكة كبيرة من هذه المشاريع الفكرية٬ والأبحاث للمشاكل الحقيقية٬ بقد ما هي واقعية في النتائج٬ غير أنها تشعر بالدفء داخلها٬ بإخلاص الانتماء المرسوم بالعناية النابعة من الفكر٬ وذلك داخل بوتقة إبداعية تنتمي إليها. وبطبيعة الحال٬ فإن النتيجة المباشرة الوحيدة المأخوذة بعين الاعتبار٬ والتي كان لها تأثيرها المباشر على المتلقين٬ هي هدم مقالع الوهم القائم٬ بالغرب المنقذ٬ والذي لم يعد أي هو الأوحد الكفيل “بحداثته”٬ المعني٬ ومنذ البداية٬ أعلنت لابد من بناء قواعد أسس الشعور بالطمأنينة داخلنا٬ مثلما أن السر المتأدب٬ داخلنا علم به٬ وأعمال الهدم٬ تعمل على تقويض الأسس التي ليست متينة بما فيه الكفاية داخل أعماقنا٬ ثقة الإنسان بنفسه٬ والإيمان في عمق تراث أمته٬ المفيد منه٬ إن المسألة المتعلقة بالكوليرا٬ هي بالتاريخ بل هي تاريخية الوعي المجتمعي المتكافيء٬ هي العلمية التاريخية من الدرجة الأولى ربما٬ وهنا الوقفة عند ثورة يوليوم أحتضان التجربة ودعمها نحو التحرر. لكننا وكما نعلم٬ بأعتبار الشاعرة تنظر بالعمق المنفتح الناتج عن تفكيرها الفعال٬ والنتائج والإرشادات المدروسة خلالها٬ من عمق تجربتنا وإيماننا كوجود بتماسك كفاءتنا٬ التي تمنح لنا٬ بأعتبارنا متواجدين لنقد ما فينا وحولنا٬ والنظر إلى تجاربنا خارجها٬ من كل هيئة مهنية٬ بما فيها هيئة المؤرخين٬ فإننا لا نجد أنفسنا معنيين بهذا المسألة إلا بأخضاع تجاربنا لنقد جاد من هدم وبناء.

وإذا كان من حق الشاعرة٬ هو أنعكاس لضمير حق المرء٬ وضمن رؤيتها الخاصة٬ أن تعتبر ” الكوليرا” مهدومة فإن هذا الأمر يبدو قليلة الإرتباط بدور “المرض” التاريخي٬ أو على أقل تقدير٬ هو٬ العناية المخلصة الجامعة٬ الأرتباط بالطرف المتعرض للهدم والتنكيل بحقوقه وبالطمأنية لأبناء الأمة في دعوة بناء صرحه للبناء والاعمار.

وبالنسبة للدور الذي لعبته (قصيدة: الكوليرا) في إسقاط الوهم٬ والتي كانت على أية حال٬ حتمية٬ فإن الفضل يرجع إليها٬ وحدها٬ في كون الإنهيار والهدم قد تم بطريقة لا تقل أهمية عن المبادرات السابقة٬ للنهضة٬ ولثورة 23 يوليو من أهداف٬ في نشؤ مبادهات العزم لتحقيقها٬ وفي إنشاء مؤسسات تشكيل التفكير وإعادة الدراسات والابحاث في الخرافات والأوهام المجتمعية٬ عبر المؤسسات والجمعيات المهنية التي قد تمس وتلامس كل نتائجها٬ بحيث تلامس مخرجات التجديد٬ بحيث لم تكن فقط مكررة ومتجاوزة للموضوعات من طرف الأتي بعدها٬ من الآخر٬ بل الهوية المحافظة٬ على أسس لا تقل أهمية عن المبدهات التي يقدمها الغرب. إن نهاية الفلسفة/ تجديد بداية جديدة يشرفها ضمن النص والفعل٬ توضيع المتجاوز المتعال من طرف البحث٬ والتدقيق في التدريب على نتائجه٬ وبيان الأرتباط من قليل الهدم والبناء. بمعنى٬ رصد ما يشرف الفكر والتفكير ويجعل الإنسان الجديد٬ امام تجربة للأرتقاء حين يجعل من العقل والحرية ٫ مسؤولية محط تقدير٬ حيث يتم إعداد المشاكل والمسؤولية حيث يتم إعداها من طرف هيئة لها من الأهمية طرف ذلك الذي يرتبط بها بأعمق رباط. فالملاحظ هنا٫ إن شاعرتنا٬ كان يشرفها هذا الإنتماء٬ فعلى مدى حياتها٬ أعتمدت في حلقاتها الدراسية وفي محاضراتها٬ ولقاءاتها٬ على نصوص الفلاسفة والشعراء والدراسات لأدبيات متعددة٬ وظلت مواكبة كذلك في نظر٬ رغم تراكم المشاكل حتى العزلة والشيخوخة (لا يسعك إلا بيتك ـ كما يقال) حينما تقدمت وتجرأت على عقد حلقات دراسية في الكويت ٬ وأيضا في مصر بعد أنتقالها حتى وفاتها٬ تجرأت رغم هدؤ ما كا ن يشرفها قوله٬ على متابعة عن بعد٬ إن صح التعبير٬ حول النصوص٬ غير إن ذلك النص٬ والمقصود هنا “الكوليرا” زخرت بتأسيس ما يتضمنه “الشعر الحر” من جادة حلقات التجديد أصالة في الحداثة زمانا ووجودا لنظم قصيدة في الشكل والبناء٬ والتي أخذت تشكل الجزء الأساسي لمدخل البحث عند مجموعة “شعر” البيروتية٬ والعراقية بوجه خاص رغم التحفظات المحمومة ببروتوكولات العلاقات الاجتماعية التي يسودها النفاق السياسي الدفين. بخنق المبدعين ودحض القدرات على نمو وتشجيع المواهب لمن خالف نظمهم٬ وما يسودها من تنظيمات ايديولوجية وتكتلات خاصة.

وبأنه من أجل تعلم التفكير كانت تعلم الخبر ثم تعقب الخبر٬ والأمر المجرب آنذاك كان يمثل في كون التفكير الإبداعي ـ بالنسبة إليها ـ بأعتباره يمثل تفرد في أنشطتها الخالصة الابداعية لا تحركها الرغبة في المعرفة ولا الحاجة إليها كتفكير٬ من الممكن أن تصبح شغوفة لا تخنق منخلاله قدراتها ولا مواهبها بل جعلها تمد الأخرين للتفتح على حقيقة ما ينظمها من سرور تجاه تعلم التفكير الإبداعي٬ بل ومسار بهجة تيسرها.

لكن إن نحن٬ تعودنا على التماثلات والتقابلات “اللفظية” النقدية القديمة بين نقدية العقل والظن في الهوى والمزاج٬ بين روح العصر ومتطلبات ضرورة الفعل للحياة٬ ما الذي جعلنا نتعقب السعي حتى نندهش على “قصيدة الكوليرا”؟ والجديد المتمثل شغفا بعض الشيئ من فكرة تفكير ملهمها الشفيف٬ والتي تصبح فيه شاعرتنا المبدعة٫ في خضمه تصبح في إطاره التفكير الإبداعي والوجود الحداثي/التجديدي الفاعل شيئا فشيئا.؟ هذا ما سنلبي إليه حضورنا إليه بالجواب في الحلقة القادمة… يتبع.

ــــــــــــــــــــــ

* كتبت هذه الورقة٬ والتي قد تم تقديمها لمركز نادي ثقافي عربي للجامعة ( …. ) بالقاهرة٬ والمشاركة جاءت بدعوة٬ احياء تاريخ ذكرى وفاة الشاعرة الـ 12 ٬ و المنعقدة بتاريخ 20 حزيران 2019.

مقالات ذات علاقة

أفرط الشهوة الكورونا

آكد الجبوري (العراق)

اُسْكُبِيكِ في دَمِي

المشرف العام

سماواتنا وقاذفات الموت

المشرف العام

اترك تعليق