طيوب عربية

محنة الشاعرة العراقية نازك الملائكة والإبداع (2 ـ 4 )

إشبيليا الجبوري – العراق

….تابع

لقد كانت الخاصية المشتركة بين هذه النخبة القليل النادر، وإذا ما تأملنا تجربة الشاعرة، تتمثل في مؤهلاتهم وقدراتهم على التمييز بين آهلية التحدث والتحديث العلمي الواسع والخصائص المحدد فيه، بمعنى إن الإطار للموضوع الأول فيه لم يشأ أن يشكل له إثارة للاهتمام بالنسبة إليهم كثيرا، بقدر ما هو الشيء المفكر فيه للأخذ بتوسعه. وقد بلغ الخبر آنذاك معظم الذين كانوا على علم بهذا المكانة أو ذاك من الوضوح، أي القدر على القطيعة مع التقليد والأخذ بزمام المبادرة بتلميحات لبداية بزوغ حداثي جديد، قصيدة “كوليرا” حقبة “الأسلحة الفاسدة لعام 1948” عربيا”، بالإضافة للمحاولات الانقلابية المحلية التي أخمدت قبل اندلاعها، كما في محاولة استمالة دول المحور، وقتذاك باسم “الضباط الأربعة”. ومحاولة الألتفاف لأؤلئك الذين يعدون أنفسهم عماد التنظير والتبحر في المعرفة والتفلسف، والذين كانوا يعتبرون مرتكز لإثارة المسائل والإشكاليات الفلسفية، كلعبة تافه تتعلق بالنسبة إليهم بما يطلق عليه “الشيء المفكر فيه” أو يمس حالة الفوران بما كانوا يفكرون بالكتابة إليه بتمردهم عليه كتقليد بقطيعته.

الشاعرة الراحلة نازك الملائكة (الصورة: عن الشبكة)

إذ ذاك، كانت “لعبة الخبر” جذبهم إلى بدر شاكر السياب ثم “مجموعة شعر/الشاميةـالبيروتية فيما بعد، وانتقلوا به لتحميلها إلى (علي محمود طه) لإثارة الأجواء بلعبة الاهتمام، لمستوى الساحة الثقافية المصرية. إلخ، لغرض تحميل أوجه ما يمكن تعلقه بلعبة “النفاذ إليه بفعل سلطة ما” كي يتعلق الأمر، بصاحب الشيء المفكر الاهتمام فيه، غير إن الاعتبار هناك قد عزز تمكن من النفاذ إليه بالفعل، تمحور المسائل الفلسفية العميقة، إلى الأشياء التي أعلن عنها بدر شاكر السياب، مبينا، إعلان علمه بالشيء، بأن الأشياء الكفيلة بالتجديد، ليست شأنا أكاديميا، بل هي هم الإنسان العراقي، الإنسان بعمق المفكر فيه المتعالي. وهذا ما خصته الشاعرة نازك الملائكة بأطروحتها ببداية “الكوليرا، الأزمنة الحالكة، الحقبة الخانقة والكئيبة..، جراء حقائق تتعلق بالإنسان العربي للنهوض به، والتبحر بإعلان بدايته الحداثية بموضوع التعليم والعلم والشيء المفكر فيه، بأدق العبارة والتعبير حول مستقبله الإنساني والأخلاقي النفاذ بالفعل وسط بيئته، لا وسط الثرثرة الأكاديمية السائدة حول تغييره. طبعا، هنا، “الكوليـرا” لم تميل ثقلا إلى النظريات والكتب، والحشو الفلسفي والتنظيرات الصارمة في التخصصات الأكاديمية، التي جعلت منها ـ أي قصيدة “كوليـرا” لمثل تلك التعابير، مسميات لشعارات ساذجة جدا، لإطالتها بالتفلسف في جعل شأنها علميا، بل عبرت عنها ـ الشاعرة ـ تعابير فاقدة لكل نية في التمرد، بذلك تشعر داخلها ميلادا ضمنها تتباحثه، وهي بمثابة الانطلاقة التي ستستند عليه، هو استحقاق البزوغ لخطها الشروعي الجديد فيما بعد.

كان الخبر الذي جدبهم إلى الشاعر السياب عند قصائده للنفاذ إلى ” الشيء في ذاته”، هو ما يعني “لنترك ما جاءت به الشاعرة، وقصيدتها، جانبا، ولنجعل القصيدة مثابة متهافتة، رخوة، يسود انطلاق متنها، إلى جانب تغلغلها بحيثيات النظرية والكتب التقليدية الأخرى. فيما يغلب عليها سذاجة تصور الأدبيات الأكاديمية، وبعيدة كل البعد عن هم الإنسان العراقي خاصة والعربي عامة ـ كشيء مفكر فيه ـ وفاقدة لكل نية في حمل شأن المفكر في إنطلاقه.

وليست بمثل هذه الواقعة، في الحقيقة مرتجلة، أو وليدة عابرة ولا أيضا مستهجنة الأمس أو اليوم فحسب، بل كانت قائمة على الدوام (على ما يبدو). ولأن مرجع متخيل التقليد قد أنقطع بالنسبة إليها، فإنها قد اكتشفت خيوط الماضي فيه من جديد، نهوض بجديد الاعتبار، في تمييز الخاصية المشاركة بين هذا النفر القليل من إحياء الفكر من وضوح التراث لتثير فيه أهتمام الكثير إد هو موضوعها الأول في خاصيتها المشتركة بين مسعاها الفلسفي للتحديث بشكل أواصر التمرد وماضي ما يطبع عليه، وما تتمثل في قدرتها على التمييز بين الحداثة والإصالة حول ما يسود عليه النقاش الفكري الإبداعي وسط اللبس حول فلسفة الإبداع الأدبي عامة والشعري خاصة من ظاهرة حداثية٫ وهي تقلب ما أكتشفته في التراث من جديد الماضي متصل.

وغالبت منهجيتها من الجدية صرامة، بحيث إن الجدال، مثلا، لم يعد قائما حول “علم العروض؛ البحور والأوزان والتفعيلة” وأغلاق العقل بقلة الوعي فيما يخص المواضيع بالميدان الإبداعي للحداثة فيما يخص البحث الشعري وقواعد الشيء المفكر فيه. إبداعيا. ولم يعد النقاش مثلا حول ما جاءت به ما يعتبر من الزاحفات والعلل في نحو معيار الكلام، ولا أغلاق الاجتهاد الذي يرجع الفضل به إلى العالم الجليل إمام اللغة (الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري الأزدي (ت 170 هـ ـ 786 م ـ في البصرة) مطنبا، ولا يمكن البحث فيه مشابهات بمقدس الشيء عرضه. و قد بلغ ما يمكن أن يثيرشاعرتنا؛ هو فك ما حصر وتندر، فهم أبحاثه في تخريجات منها بدر على ما ندر من بلغ الإستقامة بوضوح ما اعتبر تقليد منكسر، و تعليل قطيعة ما يؤثر فيه من الصحيح والسقيم، وخبر العلم الواسع المعتل موضوعاته، ما استعيرت منه كلمات مستعاضة، والذي استنبط في إنشائه في الكلام ملحونا، موثوق بعلله، بين موضوعات الحياة وموزونها في معربها بهذا القدر أو ذاك من الوضوح والغموض، وطرق مفاسد الأخذ بمزحفات القواعد به من لبس للسليم عن المعتل بالتمييز بين القطيعة مع التقليد في مسعى الإشتغال بالشيء المفكر فيه وموضوعات توسع علميته حداثيا.

الشاعرة الراحلة نازك الملائكة (الصورة: عن الشبكة)

إذ إن منهجيتها من الصرامة، بحيث أن النقاش مثلا، لم يعد موسوما حول الفراهيدي، لم يعد هناك اهتمام بعرض مدرسته في علم العروض عن البحور والأوزان والتفعيلة، بل إنضاج الحوار وإحياء أستمرار ومدعوما وئيدا خطوة خطوة على مدى أشهر وفصول كاملة بل وسنوات حتى غاب إسمها حضورها من المشهد مما أكتشفته من اهتمام بعرض مذهبها الجديد، ولم تلتمع هنا وهناك سوى إشكالية حاضرة بقوة من اعتداد صرامة منهجها الذي ظل مستمرا ومعززا بالنسبة إلى هذه الواقعة القائمة الدوام، وإن خيط الاعتبار قد أنقطع.!.

ولربما بدأ هذا الأمر مألوفا جدا اليوم، فالعديدون يتصرفون الآن بهذه الطريقة، لكن لا أحد قبل شاعرتنا المبدعة نازك الملائكة، قام بمثل هذه المباركة في تفكيك ظل هذا بفتح الحوار أو دعمه إلا ما شح وندر.

لقد كان الخبر يؤكد، وببساطة إن الفكر الحداثي في “كوليرا” أصبح حيا، فهي تستنطق مخابئ غنية بكنوز ثقافية من الماضي كان يعتقد أنها أندثرت. وها نحن نرى زقتراحات مكامن لأشياء مغايرة لما كنا نعتقد بنوع من الحيطة والحذر. لقد أصبحنا أمام معلم، ولربما منحتنا إمكانية تعدنا تعلم التفكير.

مما لا غرو فيه، فإن المحتوى والإطار الإبداعي لقصيدة “كوليرا” المتكتمة داخل مملكة التفكير الحداثي، المسحوبة لشاعرتنا بها على هذا العالم. تختبيء داخل هذا الأخير وبالشكل الذي لا نعرف معه بدقة هل هذا العالم القائم بحداثيته، رغم أن عدد الأبحاث والأمال أكبر مما نتصور.

إذ كيف يمكننا تفسير التأثير الغالب والوحيد العميق في معظم الأحيان، للتأملات في تفكير شاعرتنا وطبيعة القراءات القائمة على عموم التفكير لديها، هذا التأثير الذي يتجاوز بشكل واسع، حلقات النخب والصالونات والاكاديمين وما نفهمه عموما تحت مسمى (الحداثة الشعرية). فليست فلسفة حداثة الملائكة نازك، والتي يحق لنا أن نتساءل عن مدى وجودها، كما يفعل النخب من دفع بالسياب تأثيره متقدما، بل تفكير نازك الملائكة هو الذي ساهم في تحديد السمة الروحية للشعر العربي (الشعر الحر) بشكل حاسم. ويتوفر هذا على صفة للحفر خاصة بها، وهي تقيم، إذا ما أردنا ضبطها والإشارة إليها بواسطة تعابير الشيء والكلمات، داخل الاستعمال المعرفي المتعدد لفعل “فكر حر”. إن شاعرتنا ـ نازك الملائكة ـ لا تمارس التفكير على شيء ما، بل تجعل الشيء موضوعا ابداعيا للتفكير.

وفي إطار هذه الممارسة الملموسة تماما، والخارجة عن التأمل بالمرة، تنفذ (الملائكة) إلى العمق، إلى المدى، وإن كان الأمر لا يتعلق ضمن هذا البعد بأكتشاف أدوات التجديد أو الوسائل المنهجية بتحديد أرضية منبسطة نهائية ومطمئنة ـ يمكن القول في هذا الإطار بأن هذه الممارسة كانت غير مكتشفة بنفس الشكل الدقة من قبل ـ بل المكوث داخل عمق المدى، سمحت بفتح طرق ووضع “عمرانية العقل الأبداعي الشعري” عنوان مجموعة من القصائد الممتدة في تفسير التأثير العمق الإنساني العام وأزمة ممارسة التفكير في “الشيء المفكر فيه ، البديل، ما بين مخاض ١٩٣٦ و ١٩٤٨ و ١٩٥٣ تحديدا ثورة يوليو بمصر، هو تفعيل إرادة الإنسان العراقي أو العربي بشئ مفكر فيه، مبدع ملفت بدقة بطموح الإنسان وعالمه القائم،  به إرادة  التفكير بالشكل والدقة، مما تعتقد بمجيئه أقتراحات أهلة تنطقها فيه سمات الحداثة للتغيير والثورة، بعد طول مشقة الأنتظار.

… يتبع

______________________________________
كتبت هذه الورقة، والتي كان تم تقديمها لمركز نادي ثقافي عربي للجامعة ( …. ) بالقاهرة، والمشاركة جاءت بدعوة، احياء تاريخ ذكرى وفاة الشاعرة الـ 12 ، و المنعقدة بتاريخ 20 حزيران 2019.

مقالات ذات علاقة

جثة الحي القديم

إشبيليا الجبوري (العراق)

احذروا الرقمنة الشاملة!

المشرف العام

الموت في وهران : مدينة كئيبة تحاصر أرواح حزينة

المشرف العام

اترك تعليق