المقالة

محنة الثقافة المسروقة

 

 

يقول المثل الشعبي الليبي (الخانب يغلب العساس) وهو من الأمثال الشعبية التي لا يستطيع المرء الاستغناء عنها خصوصاً في هذا العصر والذي لا تستطيع حتى اللغة العربية ولو غطت مساحة هذا الكون اختزال المرامي والمدلولات التي يمكن اختزالها في هذا المثل وبهذا العدد الضئيل من الأحرف والكلمات وهنا لا أقصد التقليل من شأن اللغة العربية ولا التشكيك في قدرتها كما يتبادر لأذهان البعض وإنما هو اعتزاز أيضاً بتجربة الأسلاف وهم يخوضون تجربة الحياة المريرة ليخرجوا لنا بهذه العصارة الفريدة من الحكمة والتي من بينها هذه الأمثال التي يجب ألا نعتز بها فحسب، بل ومن الواجب علينا أن نعمل على المحافظة عليها قبل أن تختفي هي الأخرى كما اختفت لغتنا العربية من على ألسنة أبنائنا في مدارس التعليم الأساسي والمتوسط وربما المعاهد العليا ولأسباب عديدة ومتعددة ومتشابكة أيضاً قد لا يسع المقام لحصرها.

لندع هذا الموضوع جانباً ولنعد إلى الأسباب التي دعتني لافتتاح هذه المقالة بهذا المثل الذي يوحي بأن وراء الأكمة ما وراءها.

فالخانب حسب لهجة أهل الشق الغربي من بلادنا تعني هنا السارق وهو كما هو واضح على وزن فاعل. والعساس حسب قواميس اللغة معناها العس والإعتساس وعس يعس عسا واعتس اعتساسا أي طاف بالليل لحراسة الناس، لكن كلمة العساس خارج هذه القواميس تعني هنا أبعد من الحارس حيث تشمل المسئول والمدير والأمين والوزير وما إلى ذلك من مسئولي المال العام الذين ومهما اتسعت عيونهم وشخصت إبصارهم فلن يستطيعوا منع ( الخانب) أقصد السارق من الظفر بغنيمته وإشباع غريزته إن جاز التعبير بالسرقة واقرب الأمثال على ذلك ما يجري على مستوى النشاطات الثقافية بعد أن دخلها كل من هب ودب والتي تحتاج في العادة إلى رصد بعض الأموال كالميزانيات التي تغطي نفقاتها والتي أصبحت في حوزة بعض السراق والحذاق الذين اعتادوا على ما يبدو على الطمع والجشع حتى لم يعد لديهم أية قيمة للشرف والأمانة فلا ذمة ولا ضمير بل أعماهم حب المال والجري وراء مصالحهم الشخصية حتى بالكسب الحرام عاملين بالمثل الفاسد (رزق حكومة ) فلم يعد يردعهم أي رادع ضاربين بكل القيم والمثل العليا التي يتشدقون بها في كتاباتهم ومجالسهم عرض الحائط.

فهل يعقل أن تصل تكاليف ندوة أدبية مثلا ذات محُاضر واحد وبضع مداخلات لم تستغرق أكثر من ساعة ونصف على أكثر تقدير إلى خمسة آلاف دينار ؟

وهل هناك من يصدق بأن ندوة لم تستغرق سوي بضعة أيام ولم يستدع لها سوى مجموعة من الكتاب والكاتبات من بلدان قريبة لم تتعد الأوراق المقدمة فيها عدد أصابع اليد الواحدة وصلت تكاليفها إلى ربع مليون دينار؟؟

أنا لم أتهم أحدا ولم أشر إلى أي نشاط ثقافي بعينه كما تلاحظون لكنني ساترك لأمثال هؤلاء (المخانب) كي يمسحوا الريش من على رؤوسهم أو رؤوسهن بعد كل عملية تقسيم الدجاج ( عفوا) الرزق الحرام ولنا عودة إذا لزم الأمر ، وكل عام والثقافة الليبية بخير ؟؟!!!

مقالات ذات علاقة

كتابٌ شائق، سِفرُ الذهن!

أحمد الفيتوري

أسرار العمل الفني

سعود سالم

الفاعل “ضمير” غائب

سالم العوكلي

اترك تعليق