الفنان محمد مرشان
المقالة

محمد مرشان الوداع الاخير

عن الشبكة
عن الشبكة

لن نكون مبالغين اطلاقا في النعث والتوصيف اذا اطلقنا على الراحل الكريم الفنان الليبي محمد مرشان الذي غادر عالم الاحياء صباح الامس عبقري الموسيقى الليبية. وساشرح لماذا اصفه بهذا الوصف بعد ان اذكر قصة  الوداع الاخير في القاهرة.

في مستشفى الشروق حيث كان جثمان الراحل الكريم الاستاذ محمد مرشان مسجى، ينتظر ان ياخذ مكانه في التابوت الذي سينقله الى طرابلس في الطائرة المغادرة ليلا من القاهرة الى هناك، ذهبت لالقاء نظرة الوداع الاخيرة، وكان قد تم تغسيله وتكفينه استعدادا للسفر فدخلت القي عليه التحية واقرا الفاتحة على روحه وارى وجهه غاطسا في سلام  كانه في حالة نوم ، سوف يصحو منه بعد قليل، ولكنني كنت اعرف انه نوم ابدي، وان هذه النظرة هي اخر نظرة على وجه هذا الفنان العبقري وهذا الصديق الذي ربطتني به علاقة ود وصداقة منذ خمسة وخمسين عاما، اي  منذ عام 1960 وكان قد استلم رئاسة قسم الموسيقى في الاذاعة من زميله الحاج كاظم نديم، الذي ذهب الى قسم التمثيل، وكان المؤسس للقسم قبلهما هو الاستاذ الملحن بشير فهمي فحيمه، وفي ذلك العام كنت قد قمت بتأسيس فرقة المسرح الجديد، ومن اجل ضمان جمهور لعروضنا اعدنا احياء تقليد قديم، هو تقديم فقرات موسيقية مع المسرحية التي نقدمها، وهو قسم استعنت فيه بصديقي المطرب محمد الجزيري، وذهبت الى الاذاعة لاخذ الاذن لعدد من الموسيقيين من رئيسهم الاستاذ محمد مرشان الذي كان في منتهى التعاون والترحيب، وترك الامر كاملا لاعضاء الفرقة ولحريتهم في العمل معي في الفرقة، لانه كما قال لي ان مايهمه هو ان يؤدي العازف عمله مع الفرقة ثم هو حر في التصرف في وقته الاضافي يقضيه في البيت او مع فرقة للهواة مثل فرقتنا، ويذكر صديقي وزميلي الملحن الكبير الاستاذ ابو عجيلة محمد الذي عاصر معي تلك الفترة، متعه الله بالصحة والعافية، كيف ان ذلك القسم الموسيقى الذي قمت بتكوينه في فرقة المسرح الجديد كان حاضنة لكثير من الموسيقيين والمطربين فهناك بدأ المرحوم خالد سعيد وهناك بدا المرحوم محمود كريم، وهناك بدا الموسيقى المرحوم منير عثمان، وهناك بدأ اعضاء فرقة ابناء العجيلي مسيرتهم التي تكللت بالنجاح.

وكان اسم محمد مرشان ومنذ سنوات سابقة لتوليه قسم الموسيقى قد اشتهر مطربا اكثر منه ملحنا ولكنه مع  استلامه لقسم الموسيقى صارت الحانه المستقاة من الفن الشعبي تظهر باصوات غير صوته من اهمها صوت قريبه الفنان المتميز محمد رشيد.

وليست عبقريته في انه كان اول من تمكن من تدوين الموسيقى بحروف السلم الموسيقى ولا في براعته في توزيع الاغاني الشعبية توزيعا حديثا ولكن عبقريته في انه استلهم التراث وقدم الحانا من ابداعه ولكنها مستلهمة من التراث الشعبي وهي لا تقل روعة وجمالا عن الاغاني الشعبية التي تمررت عبر احقاب زمنية واجيال من اهل البلاد تتبع اجيالا، وكانت تستقطب حب الناس ويتخذونها وسيلة للتعبير عن افراحهم واتراحهم، وهكذا كانت اغاني الاستاذ محمد مرشان ألذي ادخل على المشهد الموسيقى هذه اللمسة العلمية، وكان اول من قام بتاليف كتاب ليكون جزءا من منهج المعهد الوطني للتمثيل والموسيقى الذي كان هو المؤسس له وصاحب فكرته وواضع اللبنات الاولى لانشائه، هو كتاب الموسيقى قواعد وتراث، وكان قبل ذلك قد اعد نفسه علميا عندما ذهب  للدراسة في معهد الرشيدية للموسيقى في تونس، وكان قد تلقى تعليمه العملي في ليبيا على ايدي رواد الفن العصاميين امثال عثمان نجيم والعارف الجمل وغيرهما من الرعيل الاول، كما تمكن بفضل اتقانه للغة الايطالية من مصاحبة بعض الموسيقيين الايطاليين الذين تعلم منهم  اصول الهارموني والتوزيع الموسيقى واتقن كتابة النوتة.

كان قد باشر انشاء نواة لمعهد الموسيقى عام 1964 وفي عام 1966 تم تكوين فرقة المسرح الوطني التي كنت واحدا من العناصر التاسيسية فيها وترافق انشاء الفرقة مع ترتيب دورة للبراعم الجديدة من الهواة، وجاء الراي بانه بدلا من توزيع الجهود بين قسم للموسيقى وقسم للتمثيل يتم توحيدهما في معهد واحد اطلق عليه المعهد الوطني للتمثيل والموسيقى وكانت الدراسة فيه قد بدأت حرة، بمعنى ان يستطيع التلميذ مواصلة دراسته النظامية ثم يلتحق بالمعهد في المساء، ثم تطور الامر الى قسم حر وقسم متفرغ، ولعله صار فيما بعد تفرغا كاملا للدراسة وظل الى حد اليوم معهدا متوسطا، يستطيع الطالب الذي يكمل فيه تعليمه ان يلتحق بالجامعة بكلية الفنون اذا اراد. واستمر الاستاذ مرشان الى قيام الانقلاب عام 69 مديرا للمعهد وضمن له تاسيسا عظيما واحضر اعظم المدرسين وجاء بمرجع في الموسيقى هي الدكتور حفني ليساعد في وضع المنهج ثم كان انجازه الكبير في انه اقنع الدولة ببناء صرح معماري عظيم ليكون مقرا للمعهد وجزءا من النهضة الفنية التي يرعاها الملك ادريس السنوسي، ولكن الانقلاب جاء قبل اكماله فتعطل لمدة طويلة من الزمن قبل ان يتم اكماله ليصبح  في وقت متاخر مقرا لهذا المعهد.

واستمرت علاقة الصداقة بيني وبين الاستاذ محمد مرشان التقي به في طرابلس كما التقي به في القاهرة التي كنت اداوم على زيارتها وكان قد صنع لنفسه اسما بين فنانيها وقدم الحانه لنجوم الصف الاول مثل الفنانة الشهيرة فايدة كامل والفنان الكبير كارم محمود والفنان اسماعيل شبانة شقيق عبد الحليم حافظ، والفنانة التي تعد صنوا لام كلثوم سعاد محمد ومطرب السعودية الاول طلال مداح ومطربة تونس الاولى عليه، ولا اظن ان هناك مطربا من نجوم الصف الاول في طرابلس امثال سلام قدري وعبد اللطيف حويل ومحمود الشريف لم يشدو بالحانه، وكانت احدى مزاياه انتقاء الكلمة، ولهذا اختار السيدة خديجة الجهمي ان تكون بجواره، واختار المؤلف الجميل على السني ليكون بجواره، كما كان قريبا من الفنان الاصيل الاستاذ محمد حقيق الذي قدم له كثيرا من كلمات اغانيه.

كانت فرصة وجودي مديرا لمعهد الموسيقى والتمثيل، فرصة ممتازة لتعميق تواصلي مع اهل هذا المجال، واتاحت لي ان اعمل  يدا بيد مع الاستاذ محمد مرشان الذي تراس لجنة للنظر في بعض شئون المعهد وبالذات متابعة المبنى الجديد الذي كان قد توقف فيه البناء لعدة سنوات، وتواصلت علاقتي به، وكنت اعرف معاناته، وحرمانه من احقية الاعتراف بمكانته، وكنت مشاركا في عدد من حفلات التكريم التي اقيمت له، وكانت احداها بعد الثورة في القبة السماوية ذكرني بها صديقى الدكتور الكانوني الذي شارك ايضا بالقاء كلمة تكريم وتحية لعبقري الموسيقى الليببة في ذلك الوقت لكي لايبقى التكريم قصرا على الراحلين وانما ينعم به الانسان في حياته قبل مماته.

ملاحظة اخيرة لمن يهمه الامر من اهل الحراك الاداري والسياسي في المجال الفني، بان للفنان الراحل كنزا من الالحان التي لم يتم تسجيلها بعد، جاهزة للانتاج، لانه كتبها ووضعها في صياغة نهاية، وهي الان بحوزة ارملته، ومن اراد الاتصال فليترك لي خبرا في هذه الصحفة وانا اتولى عقد الصلة بينه وبين الاسرة لكي لا يضيع هذا التراث.

لقد كان محمد مرشان ضلعا في المثلث الذهبي للريادة الفنية  في العصر الحديث من اهل التجديد والتحديث وهم الراحل العزيز الفنان العبقري كاظم نديم، والراحل العزيز الفنان العبقري حسن عريبي، وهاهو يغادرنا الضلع الثالث الفنان العبقري محمد مرشان، وليس هذا انتقاصا من رواد جاءوا قبلهم او رواد جايلوهم امثال الدهماني والكعبازي والفرجاني وسليم والشاعلية وبومدين وصدقي وغيرهم كثر كما ان ليبيا لم تعقم ولن تعقم فانا اعرف ان هناك جيلا من العباقرة جاء بعدهم ولن ننسي الكبار من ا هل اللحن والنغم الموجودين اطال الله اعمارهم، امثال الملحن النابغة يوسف العالم، الذي سيحتل الان بجدارة مكانة عميد اهل الفن، والاستاذ ابراهيم اشرف والاستاذعلى ماهر، والاستاذ ابوعجيلة محمد والاستاذ عبد المجيد حقيق والاستاذ على الغناي والاستاذ ناصر المزداوي والاستاذ احمد فكرون والاستاذ سيف النصروالاستاذ رشيد سعد الدين ولن استطيع احصاء كل الملحنين فهم كثر نفع الله البلاد بفنهم وابداعهم وابقاهم ذخرا للفن ومحبيه.

_____________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

مازال عكازه يقرع بيوت الأصدقاء

سالم العوكلي

يوسف القويري

ناصر سالم المقرحي

عمر دبوب

منصور أبوشناف

اترك تعليق