شخصيات

محمد حقيق.. نبع الفن الليبي المتدفق

هناك أسماء كان لها الفضل في ترسيخ الفن الليبي وتثبيت أعمدته، حتى أصبحت ركنًا من أركانه، في المسرح والموسيقى والغناء والتلفزيون، وهي أسماء بقيت منقوشة في الذاكرة الليبية وحاضرة على الرغم من غيابهم، من أهم هذه الأسماء محمد حقيق، الملحن والشاعر والممثل القدير ومُؤسِّس أول فرقة للفنون الشعبية في ليبيا.

ويعتبر حقيق أول مُؤسِّس صالون ثقافي فني أدبي بمعناه الحرفي، والذي اتخذ من منزله مقرًّا له كان يجتمع فيه جُل فناني ومثقفي عصره من ليبيين والدول العربية، الأمر الذي جعل أبناءه يَنشَؤون وسط هذه الأجواء فتفتحت مداركهم وحبهم للفن والأدب مبكرًا فساروا في ذات الدرب ليكملوا المشوار من بعده، وليكوِّنوا معًا عائلة فنية مع مرتبة الشرف.

بدءًا من ابنه الرياضي والمغني والملحن عبد المجيد، وعبد الرحمن المؤلف وكاتب السيناريو المعروف، والهادي الإعلامي والموثق للتراث والأمثال الشعبية، وصلاح عازف الجيتار.

ذاكرة

وُلد حقيق في 13 أبريل 1924 في مدينة طرابلس، وتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة في «كتّاب الزرقاني» في المدينة القديمة لينتقل بعد ذلك إلى «كتّاب حورية»، قرب محل سكناه، حيث تعرَّف على كثير من أصدقائه ممَن أصبحوا رفاق دربه الفني في ما بعد، ومنهم حسن أبو خريص وكاظم نديم ومختار الأسود ومحمود السوكني وظافر حورية.

ظهرت موهبة حقيق الفنية منذ صغره، فقد جَذَبَ له الجميع بأسلوبه المميز وحضوره الفني، إضافة لبعض الصفات التي ارتبطت به كونه بشوشًا دائم الابتسامة، له أسلوبه الخاص في سرد الحكايات المدعمة بأسلوبه المسرحي والتمثيلي وصوته الجهوري، طالما تجمَّع أصدقاؤه أمام بيت عائلته في المدينة القديمة وتأثرت نفوسهم بما يصوِّره لهم من المشاهد التي تبكيهم مرة وتضحكهم مرات أخرى، ليعيدوا الكرَّة في اليوم التالي باعتباره رفيق درب وسمر لا يمل.

ولحقيق شخصية ميَّزته عن غيره إضافة إلى محافظته على الموروث الشعبي، فشكله الخارجي، فهو طويل القامة، واسع العينين، مقرون الحاجبين، وملابسه الشعبية الأنيقة المتكونة من «القميص بالبوقال» و«الأزرار» و«السروال» و«الفرملة» و«البدعية» و«الزبون الياقوتي» و«الطاقية الرصّاعي» و«البسكل الحرير» و«البلغة الغدامسية المطرزة»، كما تميَّز بالخيزرانة المرصَّعة التي كان يحملها في يده.

فنان شامل

استطاع الفنان حقيق بقدرته الفنية الفائقة أنْ يكون أحد مصادر التراث الفني في الموروث الشعبي بشكل عام، فهو بحق موسوعة معرفية فنية اجتماعية وقاموسٌ متنوع التخصصات، وهو من بين الأوائل الذين تعلَّموا العزف على آلتي «البيانو» و«الأورج»، كما كان عازفًا ماهرًا على الآت «البزق» و«القانون» و«العود»، وهو أيضًا عاشق لفن «السلاميات» والطرب الشعبي القديم ،و يملك رهافة الحس وسمو الذوق الفني.

وإضافة لكونه موسيقيًّا فهو شاعرٌ وممثلٌ ومعدُّ ومقدِّم برامج إذاعية فنية واجتماعية ناجحة منها برنامج «أفراح البادية» و«بلاد الشجاعة يا بلادي» وغيرها، وأيضًا هو مَن يرجع له الفضل في تأسيس الفرقة الوطنية للفنون الشعبية، كذلك هو أحد أعضاء فرقة الإذاعة الموسيقية، وهو أيضًا من القلائل الذين كتبوا الأغنية الفكاهية، وأيضًا هو إداري ناجحٌ ومحنكٌ.

تاريخ وذكريات

واصل حقيق تحصيله العلمي بمراحل متدرجة حتى استطاع أنْ يكتسب معرفة للأدب والفنون بمطالعاته الخاصة، ويذكر الفنان مختار الأسود أنَّ حقيق هو الذي شجَّعه وساعده في تكوين مكتبته وأوضح له أهمية التوثيق والاحتفاظ بالصور وكان يلتقي به ويستشيره ويستمع إلى نصائحه وخلاصة تجاربه في الحياة بالأسلوب الموضوعي الممتع والمفيـد.

فقد كان ينصحه حقيق بقوله: «فرِّط في الذهب ولا تفرِّط في الكتب»، ومن نصائحه للفنانين التي يرددها لهم دائمًا «الغرور مقبرة المواهب».

علاقته بالمسرح

أوَّلُ تألقٍ لحقيق في عالم فن المسرح كان من خلال قيامه بدور البطولة في مسرحية «تحت الرماد» العام 1954، يوم كلّفه الفنان مصطفى الأمير القيام بهذا الدور عندما غاب الممثل الرئيسي، فنجح في تأدية الدور، لتتوالى بعد هذا نجاحاته في المسرح، حيث ساهم وشارك في كثير من الأعمال المسرحية التي عرضتها «الفرقة القومية».

ومنها «جناب المفتش» و«طبيب ونصف» و«كل شيء يتصلّح» و«اللي تظنه موسى يطلع فرعون» وغيرها، ليكون آخر عهده بالمسرح مشاركته في تمثيل مسرحية «يوم القيامة»، التي قدَّمتها «الفرقة الوطنية» .

علاقته بالإذاعة

بدأت علاقته بالإذاعة منذ تأسيسها ومن أعماله الإذاعية الرائعة التي لا تُمحى من الذاكرة البرنامج الذي عرفه الناس به في الإذاعة المسموعة بعنوان «حيث اليوم».

سيرة عطرة

أجمع كلُّ مَن عمل معه من أجيال مختلفة على أنَّه ذو شخصية، ومتوازنٌ في حسِّه المرهف بين أهداف النص المسرحي وكلمات الأغاني، وفي تناسق الأفكار ورشاقة التراكيب بالعبارات الدارجة المنمقة بالأدب الشعبي واللهجة التي تدخل بانسياب إلى وجدان السامع فيُطرَب لكل حرف منها ويشم عبيرها كزهرة الياسمين.

كما أسهم الفنان حقيق بذوقه الراقي في بناء نسيج متميز لتطوُّر الأغنية الشعبية بملامحها الثقافية المتميِّزة خلال أكثر من أربعة عقود من الزمن، وهذه الأغاني باقية ضمن ذاكرة المستمع الليبي ومنها «بعث المحبة هناك من يشريها» و«بعد ما بدت الناس تلعب بها» و«طير خطف عقلي» و«خود الريشة يا فنّان» و«يا جدي الغزال» وغيرها الكثير.

تمّ تكريمه في العام 1978 بوسام العمل الصالح، وأيضًا تحصَّل على وسام الريادة، ظل حاضرًا في المشهد الفني حتى تاريخ وفاته في 18 نوفمبر 1980.

________________

نشر بموقع بوابة الوسط

مقالات ذات علاقة

أحمد إبراهيم الفقيه… روح تشع عطاءً

المشرف العام

نغم في ذاكرتي

المشرف العام

بواقعيقيص.. شاعر في الظل

حسين نصيب المالكي

اترك تعليق