شخصيات

محمد المريمي وريادة الشعر الغنائي

 .

محمد العنيزي

 .

قد يخطئ الأحباب في حقنا، لكننا نسامحهم من قلوبنا ونسعى مبادرين إلى مصالحتهم وكسب مودتهم التي نتمنى أن تزداد مع مرور الأيام، ولذلك فإننا ننسى إساءتهم إلينا ونمحوها من صفحات قلوبنا لتعود ناصعة بيضاء، وذلك هو التسامح النابع من القلب والذي تضمنته كلمات الأغنية الشهيرة التي تقول:

في غلطتك سامحتك من وسط قلبي بنية

بعد الخصام صالحتك يا اللي عزيز عليه

هذه الأغنية التي طالما سمعناها من خلال الإذاعة هي من كلمات الشاعر محمد المريمي وألحان الفنان حسن عريبي، وقد غنتها المطربة نازك، كما أداها الفنان حسن عريبي بصوته .

وتعتبر هذه الأغنية من روائع الفن الليبي، حيث جاءت تحمل في طياتها جينات مرحلة قادمة من التجديد في الأغنية الليبية، سواء من ناحية اللحن أو الشعر الغنائي.

 

والشاعر محمد المريمي من رواد الشعر الغنائي ومن أوائل الشعراء المجددين في كلمات الأغنية الليبية، كما أنه من أوائل الشعراء الذين عبروا عن الهم القومي والسياسي في الشعر الشعبي الذي كان قبل ذلك مقتصرا على الغزل والرثاء والفخر والوصف.. إلخ. وهو ابن المجاهد منصور المريمي المولود في منطقة القبة عام 1890، والذي انضم إلى حركة الجهاد الليبي مع والده المجاهد عبدالرحمن المريمي الذي استشهد في معركة الهيشة بالجبل الأخضر .

وقد تعرض محمد المريمي في صغره للإعتقال مع بقية أفراد عائلته من قبل القوات الإيطالية، ولذلك فإن جهاد عائلته ومعاناتها قد ترسخ في ذاكرته، ليكون فيما بعد جزءا من مخزونه وثقافته التي شكلت أشعاره الوطنية ومن ضمنها قصيدته عن شيخ الشهداء عمر المختار التي يقول فيها:

سلام يا عمر .. عليك يا مختار

يا مرعب الأعداء .. يا قائد الأحرار

سلام من أوطان .. جبال ووديان

يا ساكن الجنان .. في منزل الأبرار

ولد الشاعر محمد منصور المريمي في مدينة بنغازي بتاريخ 16/12/1926، ودرس المرحلة الإبتدائية في مدرسة البركة.

تنقل المريمي في عدة وظائف حيث عمل مع شركة كوري للتنقيب عن النفط، وضابط اتصال بشركة شولفن كيمي، ثم افتتح محلا للكتابة العمومية في منطقة البركة ليتعين بعد ذلك في الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع أمينا لمراقبة المطبوعات الخارجية.

كانت سنوات صباه مثل سائر أبناء ذلك الجيل الذي نشأ في ظروف صعبة حيث كانت مدينة بنغازي تتعرض للغارات الجوية التي يشنها طيران الحلفاء.

في تلك الأجواء كانت قد تفتحت قريحة الشاعر محمد المريمي، متأثرا بمشاهد القصف والدمار وأصوات صافرات الإنذار، فنظم أول قصيدة له وهو في سن مبكرة عام 1941، ويقول في مطلعها:

عون العوايات وصار الدليف

وسال النزيف

وتما البمب كيف رعد الخريف

بدأ محمد المريمي يقرض الشعر الشعبي منذ سنوات الأربعينيات، وكان يلقي قصائده أثناء سهراته مع أصدقائه وفي المناسبات الإجتماعية، وكان يحب الأغنية الشعبية القديمة ذات اللحن الشعبي العريق، وغناوة العلم التي كان يرى فيها قوة التعبير مع الإيجاز.

وانعكست ثقافته الشعبية في أعماله الشعرية التي أخذت الطابع الشعبي، مع محاولة التجديد في المفردات، كما نجده في بعض قصائده الشعبية يقوم بإضافة غناوة علم تؤدي نفس معنى الأبيات التي سبقتها.

في عام 1956 بدأت علاقة الشاعر محمد منصور المريمي بالإذاعة، حيث كان قد سلك طريقه في مشوار القصيدة الشعبية ونضجت تجربته الشعرية.

توجه المريمي إلى مقر الإذاعة بعد أن لمس في نفسه القدرة على كتابة الشعر الغنائي، وقابل الأستاذ ابراهيم اطوير مراقب الإذاعة، وعرض عليه بعض الأعمال الشعرية فرحب به الأستاذ ابراهيم اطوير .

كانت كلمات أول أغنية يكتبها المريمي للإذاعة تقول: “في دنيتي أول حبيب حبيته”، وهي من ألحان الموسيقار علي اقدورة وغناء الفنان محمد مختار. وخلال مشواره مع الإذاعة كتب المريمي العديد من الأشعار الغنائية التي تغنى بها كل من الفنانين: محمد مختار – محمد صدقي – نوشي خليل – علي الشعالية – حسن عريبي – نازك – خيرية المبروك – فوزية محمود . وقد لحن له من الموسيقيين: حسن عريبي – علي اقدورة – علي الشعالية – صبري الشريف.

كما تم تكليف الشاعر محمد المريمي من قبل الأستاذ عبدربه الغناي مراقب البرامج بالإشراف على ركن الأدب الشعبي بدار الإذاعة الليبية – محطة بنغازي، وذلك اعتبارا من تاريخ 12/5/1959.

وفي عام 1963، صدر له أول ديوان يحمل عنوان (كفاح شعب)، وذلك عن المطبعة الليبية – بنغازي، وكتب مقدمة هذا الديوان الشاعران عبدالسلام قادربوه، و مصطفى القرقوري. كما صدر ديوانه الثاني (فيض الخواطر)، عام 1991 عن منشورات دار الكتاب الليبي، وقد ظلت بقية أشعاره التي لم تنشر في مخطوط أعده بخط يده وكتب عليه (منوعات شعرية)، واستهل مقدمة هذا المخطوط بغناوة علم تقول: “العقل مالقي للعين ربيع كيف ديوان العلم”.

ومن ضمن القصائد التي لم تنشر في هذا الديوان قصيدة (بنغازي المجاهدة).

كان المريمي مهموما بقضايا الأمة العربية مثل قضية فلسطين وقضية الجزائر، وتجلى هذا الشعور القومي لديه في العديد من قصائده. فعن قضية فلسطين كتب في قصيدة يقول:

الله اكبر يا فلسطين .. أنصارك وين .. وقعتي تحت عدوالدين

وفي أخرى يقول:

يا دولة اسرائيل يا مزعومة .. ثار العرب لازم ايجيك ابيومه

ويقول أيضا في إحدى قصائده:

على الله يا دولة اليهود .. انجوك جنود .. نهار يربخ نار وبارود

كما كان المريمي متضامنا مع الشعب الجزائري في كفاحه ضد الفرنسيين حيث كتب العديد من القصائد للشعب الجزائري كان من أشهرها القصيدة الطويلة التي كتبها عن المناضلة جميلة بوحيرد وتقول بعض أبياتها:

يا دنيا كيف حال جميلة .. ميش ذليلة .. فاين حبس اليوم نزيلة

يا دنيا ريتي كيف صار .. الإستعمار .. حكمها حكم ابطلق النار

اهتز العالم صار غيار .. أحكام هزيلة .. حتى الكافر حار دليله

يا دنيا كيف حال الزينة .. راه دوينا .. في حكمتها الكل صبينا

وبشدة لهجة احتجينا .. بكل وسيلة .. نين الحكم صار تعديله

يا دنيا بالله شوفيها .. لا تزيديها .. نار عذاب علي ما فيها

لا تميلي عنها اترديها .. راه جميلة .. لعبت دور قليل مثيله

يا دنيا كيف حال الخية .. هالعربية .. هاللي ضحت عالحرية

يا لحرار مقابل ضيه .. بان دليله .. نصرا واضح سايل سيله

تنوعت أشعار محمد المريمي بين القصائد العاطفية والوطنية والقومية والإجتماعية كما كتب المنولوجات الفكاهية التي تناول فيها وقائع الحياة اليومية بأسلوب سلس ودون تكلف.

ومن أمثلة المنولوجات التي كتبها (منولوج فكاهي) يقول فيه:

أنا مرة شريت سيارة .. زلبحني تاجر غشيش

قال لي راهي تطير طيارة .. خلي بالك ما تجريش

كان تبي تسلم وتعيش

عيالي ياما فرحوا بيها .. ذبحنا حولي سمين عليها

جيت في الصبح انولع فيها .. قالت نولع ما نبيش

جبت اسطا للكشف عليها .. قال لي هذي ما تمشيش

زلبحني تاجر غشيش

انتشرت قصائد المريمي الشعبية وتغنى بها الناس في أفراحهم ومناسباتهم، كما غناها المطربون الشعبيون في الحفلات التي تم تسجيلها في أشرطة الكاسيت، مثل أغنية:

نار الغلا في القلب يا ما اقواها

جبت الطبيب لها وحل في داها

والأغنية الشهيرة التي غنتها المطربة فكرية محمد في نهاية الخمسينيات وهي:

عزيز خانني ياناس بيده بيده

نبي نتركه مدعى غلاه نحيده

والأغنية التي أداها الفنان علي الشعالية ثم لاقت انتشارا واسعا في الحفلات الغنائية والأفراح وهي:

آه منك يا جميل .. يا امخلي دمع العين يسيل

وأغنية أخرى هي:

يا براج برج لي عليهم

عندي أحباب ما نقدر انجيهم

أتقن الأستاذ المريمي اللغة الإيطالية وزاد من تحسين مستواه فيها التحاقه بمعهد اللغات التابع لجامعة قاريونس، وتم اعتماده مترجما قانونيا للغة الإيطالية ومقيدا في جدول الخبراء بالمحاكم، ونقل بعض الكتب من اللغة الإيطالية إلى اللغة العربية وهي:

– الإنسان معجزة الخالق (من موسوعة أولى سنوات الحياة). وتم نشرها على أجزاء في مجلة الثقافة العربية ابتداء من العدد الخامس – السنة الحادية عشر والصادر عام 1984.

– كيف نربي أطفالنا (من موسوعة أولى سنوات الحياة).

– موسوليني في أيامه الأخيرة، للمؤلف الإيطالي جان افرانكوفيني (صدر عن الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان عام 1990).

– من الذي قتل بن بركة؟ (مخطوط).

– الإيطاليون في ليبيا (مخطوط).

كما كتب المريمي بعض المقالات التي نشرت في عديد من الصحف وهي: أخبار بنغازي – الجماهيرية – الشلال – البطنان – الزحف الأخضر – الموظف.

انتقل الشاعر محمد منصور عبدالرحمن المريمي إلى جوار ربه يوم 26/12/1992، بعد أن ترك بصمته في الأغنية الليبية التي كان رائدا من رواد التجديد فيها، وفي مجال الترجمة نقل إلينا بعض الكتب من اللغة الإيطالية التي أجادها.

________________________________

المصادر:

– مقابلة شخصية مع أبناء الشاعر محمد المريمي وهم: حبيب محمد المريمي، ياسين محمد المريمي، جمال محمد المريمي.

– ديوان فيض الخواطرللشاعر محمد المريمي.

– ديوان كفاح شعب للشاعر محمد المريمي.

– مجلة الثقافة العربية العدد الخامس، السنة الحادية عشر الصادر عام 1984.

– كتاب موسوليني في أيامه الأخيرة، للمؤلف الإيطالي جان افرانكوفيني.

عن موقع جيل ليبيا

مقالات ذات علاقة

عاشق اللغة والجمال .. محمد المهدي

رامز النويصري

سليمان نـشـنـوش “اللونقو”

نورالدين خليفة النمر

الْـفَـنّانة خَـدِيجَة الفُونْشة.. بَـهْـجَة الأُغـْنيـَة الشّعْـبِـيّة

محمد العنيزي

اترك تعليق