حوارات

محمد القمودي: متى نرى وقفة جادة لتفعيل المسرح الليبي؟!!

حاوره: نوري عبدالدائم

في ذكرى أربعين الكاتب والمخرج المسرحي “محمد القمودي” نعيد نشر هذا اللقاء الذي أجراه معه المخرج “نوري عبدالدائم” لصالح مجلة المؤتمر.

الكاتب والمخرج المسرحي محمد القمودي (الصورة: عن الفنان فتحي كحلول)


على مدى خمسة عشر سنة استطاع المخرج “محمد القمودي” أن يحقق موقعاً متميزاً في المشهد المسرحي الليبي من خلال أعمال ظلت في ذاكرة المسرحيين والجمهور على السواء. بداياته تقترب من بدايات العديد من المبدعين عندما شارك في النشاط المدرسي المتكامل الأول في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي مع مدرسة “ابوهريدة الابتدائية” بـ”اسكتش” “بائع الدجاج” حيث شجعه أحد الزملاء للانضمام الى ” نادي النصر الثقافي الاجتماعي ” حيث كتب أول عمل له وهو عبارة عن تمثلية قصيرة بعنوان ” اليتيمة “.

كما أتاحت له الدورة الثانية في النشاط المتكامل التعرف الى “أبوزيد الماقوري” الذي كان سبباً في انضمامه لفرقة “الأمل” سنة “1967م” التي كان يديرها في ذلك الوقت “محمد بسيس” بلجنة إدارية تضم “عبدالحميد المجراب، المهدي بوقرين، عبدالله هويدي، عبدالحميد بيزان “.

كانت بدايته كممثل من خلال عمل لـ”عبدالله هويدي” بعنوان “الحكاية من أولها” بطولة “حميدة الخوجة” و”علي الأصفر” عرض في “مسرح الغزالة” ثم عمل “عمر المختار” للمرحوم “عبدالله القويري” من إخراج “المهدي بوقرين”. في هذه المسرحية صادف انضمام الفنان “محمد الطاهر” الذي لعب دور “بورحيل” في المسرحية التي عرضت في “مسرح الغزالة”.

كانت فرقة “الأمل” في ذلك الوقت تشكل توأمة هي وفرقة “المسرح الشعبي” ببنغازي التي تتولى استضافة عروضها في المنطقة الشرقية، وبالتالي تتولى “الأمل” استضافة فرقة “المسرح الشعبي”.

القمودي:- في هذه الفترة أقيمت دورة أقامتها الفرقة يديرها الفنان المرحوم “زين العشماوي” الذي أختار مجموعة أعمال للكاتب “توفيق الحكيم” و”يوسف ادريس” حيث تولى الأستاذ “زين” تقسيمنا الى مجموعات بحيث يتيح لأعضاء الفرقة مشاركتهم من خلال التمثيل، ومسا عدة الإخراج، والإدارة المسرحية، بالتناوب… أسفرت هذه الدورة والفترة التي تلتها على أنتاج العديد من الأعمال “أريد ان اقتل، مولد بطل، الفرافير، المهزلة الأرضية” العملين الأخيرين من تعريب “محمد ماهر فهيم”. عرضت هذه الأعمال في كل من “درنة وبنغازي والبريقة” والمركز الثقافي المصري، ومسرح الكشاف.

شارك في هذه الأعمال ” محمد الطاهر، ناجي البكشي، فتحية عبدالغني _ زوجة زين العشماوي _ وزهرة مصباح، التي أنبأت على موهبة واعدة في ذلك الوقت عندما عرضت في البريقة كبديلة لفتحية عبدالغني”.

في هذه الأثناء أقترح الأستاذ “زين” قراءة لمسرحية “كاليجولا” وتقديم أوراق تحليلية للنص، الذي قدمت فيه قراءة لفتت انتباه الأستاذ “زين” الذي رشحني لإخراجها للمشاركة بها في المهرجان المسرحي الوطني الأول سنة 1971 م كما أقترح الفنان “محمد الطاهر” للقيام بدور “كاليجولا”.

القمودي:- انتسبت لمعهد “جمال الدين الميلادي” عن طريق لجنة قبول تتكون من “محمد ماهر فهيم، زين العشماوي، أبوضيف علام”، ونتيجة لنشاطي ومشاركتي في المهرجان تم استثناء خاص من قبل اللجنة لقبولي و لم أكمل الشهادة الإعدادية، أثناء دراستي بالمعهد أعددت مسرحية “الضفادع” لـ”أرستو فان” التي عرضت في مسرح “صبراتة” الأثري مع مسرحية “الزير سالم” للمخرج “الأمين ناصف”، أيضاً شاركت بمسرحية “اوديب” لـ”سوفكليس” في مهرجان الشباب العربي، وقتها تم ضم “الفرقة الوطنية وفرقة الأمل” تحت تسمية “فرقة الاتحاد المسرحي” التي شارت من خلالها بمسرحية “الجانب الوضيء” من تأليف “عبدالله القويري”.

القمودي:- جاء انضمامنا لـ”المسرح القومي” من خلال لجنة تضم “محمد توفيق، نبيل الألفي، حسن الأزمرلي، د. حسن عبدالحميد” بإدارة “عمران راغب المدنيني”. هذه المؤسسة التي أعتبرها بداية التكوين الحقيقي…. كانت بداياتي معها بتجربة “المسرح المتنقل” من خلال مسرحية “المشوار” تأليف المرحوم “الهادي راشد” التي طفنا بها عدد من المدن الليبية “العجيلات، صرمان، وجودايم” كما عرضت بـ”الملعب البلدي”، بعدها مسرحية “الصوت والصدى” التي شاركنا بها في مهرجان “المنستير/ تونس” من بطولة “عمران راغب المدنيني” ثم “نقابة الخنافس” للمرحوم “الأزهر بوبكر حميد” و”حوش العيلة” للمرحوم “فرج قناو”. كل هذه الأعمال أنجزت في فترة “الهيئة العامة للمسرح” التي أنشأت حديثاً وغيرت دوام “المسرح القومي” في الفترة الصباحية، أما الفترة المسائية كانت تسمى بـ”فرقة حمدي” التي كان يديرهما الفنان “الطاهر القبائلي”.

القمودي:- تم إيفادي الى مسرح “طاليا” بـ”المجر” الذي كان أهم رموز إخراجه المخرج “كازمير كارول” الذي كان يهتم بالتراث الإنساني وقتها أتيح لي حضور تجارب مسرحيته “اورامين” التي تتحدث عن العلاقة بين فرانكو والفاشية الإيطالية إبان الحرب الأهلية الإسبانية، شاركت في هذا العمل في دور قصير لشاب فاشيستي باعتباري أحمل ملامح البحر الأبيض المتوسط وتقاضيت عليه مبلغ “600” فورنت، وهو مبلغ يكفل لي معيشة عشرة أيام. أثناء عودتي أعدت مسرحية “الصوت والصدى” برؤية جديدة من بطولة “علي القبلاوي” التي شاركنا بها في مهرجان “المنستير/ تونس” تلتها مسرحية “حمل الجماعة ريش” من تأليفي وأخيراً مسرحية “هجالة و100 عريس” لـ”فرج قناو” ومسرحية “حلم الجعانين”.

توقفت لفترة تزيد عن عشرين عاماً. هل هذا مرده الخوف من ضياع السمعة التي اكتسبتها على مدى 15 سنة؟ أو ربما مرد هذا الخوف من التجربتين الأخيرتين المتمثل في مسرحية “حمل الجماعة ريش” و”الهجالة” اللتان لم ترض عليهما تماماً؟.

القمودي:- كانت بداية تكويني الحقيقي مع “المسرح القومي/ الوطني الحالي” الذي مر في هذه المرحلة بمجموعة من الإرباكات ابتداء من الغاء الشعبة المسائية، والتقلبات الكثيرة التي طرأت على إدارته، مع فقدان الفرقة للمقر عندما خرجت من “مسرح الكشاف”، وتشتت فرقة “الأمل” عند إدماجها مع “الوطنية”، الأمر الذي ساهم في تشتت ثوابتنا المسرحية خاصة الأعضاء الذين تم استقطابهم من قبل المرئية، وأيضا الرقابة المشددة على النص المسرحي، الأمر الذي جعل النصوص المسرحية تنام في أدراج وزير الأعلام لإجازتها شخصياً، كل هذه العوامل أثرت على العملية الإنتاجية للعروض المسرحية.

باعتقادي بأن إنشاء “الهيئة العامة للمسرح” ساهم كثيراً في هذه العوامل… انا لا أستطع القول باني مخرجاً امتلك منهجاً مسرحياً ولكني استطع القول باني امتلك مساراً، والممثل الذي عرفته لم يعد باستطاعته السير في هذا المسار. والبداية من جديد يساوي العودة الى نقطة الصفر…. انا لا اخاف من فشل العمل ولكني اخاف من فشل الممثل الذي امامي في الوصول الى الحالة المرجوة في ضل هذه الظروف.

المخرجان “محمد العلاقي” و”عبدالله الزروق” لم يغب حضورهم عن الساحة المسرحية علماً بأنك تتقاسم معهما البدايات. لسنا هنا بصدد تقييم تجربتهما المسرحية.

القمودي:- بعد تجربة تزيد عن 15 سنة أحاول ان اقدم عملاً يعيش مع الناس، ويخاطب وجدانهم وعقولهم، ولا أسعى الى الكم. انا أعرف بأن أغلب الممثلين لديهم الاستعداد للعمل معك، ولكنك بادرت بالانسحاب وليس الممثل كما تقول.

القمودي:- ما حدث هو انسحاب حضور الممثل واتفاقه معي وجدانياً. حدثت هذه الإرباكات في “الصوت والصدى” وثم استيعابك للحالة وتجاوزها وكذلك في مسرحية “الهجالة”.. يبدو بأن مسرحية “الملك هو الملك” لـ”سعد الله ونوس” كانت المنعطف الرئيسي في هذا الانقطاع، عندما قمت بالتدريبات أكثر من مرة وكذلك الانسحاب أكثر من مرة من جانبك…. أذكر هذا جيداً.

القمودي:- في مسرحية “الملك هو الملك” ثمة جانب خفي لا تعلمه فـ”الهيئة العامة للمسرح” لم توافق على إنتاج العمل، كما لم توافق على إجازة النص. كانت ثمة مخاوف من النص وانا لا أستطع المجازفة بالعرض. حتى لو تجاوزنا هذا الأمر كنت قد رسمت الأدوار لكل من “شعبان القبلاوي، كاريمان جبر، داوود الحوتي، ورافع نجم”…. ولم يتم الاتفاق مع هؤلاء الممثلين.

انت تعلم جيداً بأن الإخراج في الأساس “إدارة” مع دراية بالإمكانيات المتاحة والتعامل على ضوء هذه الإمكانيات. كيف راهنت على هذه الظروف المثالية؟ ألا ترى بأن طرحك للعملية الإنتاجية مبالغاً فيه… علما بأنه لا يوجد مبرراً لعدم إجازة النص.

القمودي:- لعلمك بأن النص لم يجاز في فترة الهيئة ولا في الفترة التي تلتها.

كم ظل معك هذا النص؟

القمودي:- النص باق معي الى الآن.

منذ أكثر من خمسة عشر سنة عرض هذا العمل في مهرجان درنة.

القمودي:- رافق هذا العرض ضجة أثيرت بسبب عرض.

كانت تلك الضجة مفتعلة وانت تعلم ذلك.

القمودي :- انا باعتقادي بأن خروج هذا النص للنور مشروطاً بتوفر متطلباته المثالية.

هل برأيك بأن الشروط المثالية متوفرة في مؤسساتنا الثقافية؟

القمودي:- نحن نمتلك عناصر جيدة وقادرة على إنتاجه وهو مرهون بإمكانية تجميعهم.

طالما تدرك بعدم إمكانية تجميعهم لماذا راهنت على هؤلاء العناصر أو لماذا راهنت على المؤسسة؟

القمودي:- “النص ما طولش معاي كثير” عندما كنت طالباً في “معهد جمال الدين” أسندت لي دور “ميمون” وبعد تخرجي كلفت بمهام مساعد مخرج. وبعد خروج “الهجالة” للنور أعدت الكرة مرة اخرى مع المسرح الجامعي بطرابلس.

القمودي:- بالاساس لم أحصل على دعم انتاجي لهذه المسرحية.

المسرح الوطني في تلك الفترة انتج مسرحية “بدون تاشيرة” وكان انتاجها ضخماً وايضاً “اتيحت لي فرصة إخراج مسرحية “الوصية” وانا في بداياتي وهي انتاج لا يقل على “بدون تاشيرة” وانت بخبرتك الكبيرة مع عضويتك الفاعلة في الإدارة… كيف تفسر هذا الأمر؟

القمودي:- لاسباب نجهلها لم اتحصل على هذا الدعم الذي اتيح لزملائي. بإمكانك البحث عن هذا الأمر.

انا اعتقد بان الانسحاب كان من قبلك. وبأن العملين الأخيرين “حمل الجماعة ريش، والهجالة” اللذان لم يوافقا حلمك هما سبب انسحابك وتسجيل حضورك في العشرين سنة الأخيرة.

القمودي :- إذا قلت بان الحركة المسرحية بخير في الفترة الأخيرة فأنت مخطئ. فأنا أدرك بان الحركة المسرحية راكدة ومهشمة وهشة… وإذا كان ثمة زملاء يقومون بتجارب لإثبات الحضور فقط فالمخرج الحقيقي يقوم بإثبات حضوره لمرة واحدة فقط وليس كل مرة، نعم قد تمر هذه التجربة بفشل ونجاح نمو وتطور أو تسير بخط أفقي، هذا أمر أخر

تم إنتاج في هذه الفترة أكثر من ست تجارب ناضجة وحقيقة وتعتبر مكسباً للحركة المسرحية.

وبانسحابك فقدنا أكثر من عمل ناضج لأمر الذي اتاح للعديد من الأدعياء الدخول لهذا المجال وعن غير وعي. انا أدرك تماما بان اي عمل لـ “محمد القمودي” سنكسب على اقل تقدير عملاً يحافظ على شروط الحرفة…. وباعتقادي أيضاً بأنك كررت خطاء المرحوم “الأمين ناصف” عندما انسحب مبكراً وخسرناه كمخرج قبل رحيله بأكثر من عشرين سنة.

القمودي:- هذا رأيك…. انا اعتقد أننا بحاجة الى مراجعة سبب الانتكاسة التي آل اليه مسرحنا في مدينة طرابلس واعتقد بأن السبب بداء منذ تأسيس “الهيئة العامة للمسرح” التي كان من المفترض أن تقوم بإحياء هذا المرفق علماً بأني كنت من أكثر المخرجين حظاً في فترة قيامها.

ما هو رايك في الحركة المسرحية الليبية. هل ثمة ملامح وتجارب حقيقية؟

القمودي:- الحركة المسرحية في الشرق الليبي أكثر حيوية و اكثر انتعاشاً وحباً وبحثاً وعشقا للمسرح. والمسرحيون هناك لم يربطوا مصيرهم بالإدارة…. اتيحت لمجموعة منهم للسفر بالدراسة بالخارج ووفقوا جميعهم…. ومن التجارب التي اعجبتني هي تجربة “عبدالعزيز الحضيري” في مسرحية “فاندو وليز” وقتها كنت مديراً فنياً في “الفرقة الوطنية” وتابعته وحاولت مساعدته قدر الإمكان. كان يعمل بطريقة نموذجية. لو نمتلك الى جهاز واعي يستطيع متابعته باعتقادي سيشكل رقماً في الحركة المسرحية.

العمل الفني يستحق المكابدة ومكابدة مؤلمة أحيانا… هذا الأمر الذي ألومك فيه كان بإمكانك القفز على الظروف في سبيل إخراج عملك الى النور.

القمودي:- إجمالاً انا لم أتوقف على المحاولة… في المهرجان السابق اتفقت مع فرقة “المسرح الليبي” واسندت دور رئيسي للممثل “علي سعيد” اثناء التدريبات سحب مني هذا الممثل من اللجنة المشرفة على المهرجان ليقوم بإخراج عمل لفرقة أخرى. خيرته بين العمل معي او التفرغ لعمله فاختار الخيار الثاني. الآن بصدد انجاز عمل جديد من تأليفي بعنوان “أم الطروح” مع تشاركية “أبنا الحريري” ربما لو وفقت سيتم عرضه على هامش المهرجان الوطني.

هل ثمة ملامح لمسرح ليبي؟

القمودي:- الفرقة القومية المتمثلة في “مصطفى الأمير، محمد شرف الدين” مثال نموذجي للواقعية الليبية وتوقف هذه الفرقة كان سلباً على سير الحركة المسرحية الليبية وأنشاء “فرقة حمدي” ساهم في استقطاب خيرة عناصرها الذي اضر بحيويتها رغم محاولة أعضاء الفرقة الجدد إتمام مسيرتها. أيضاً بإمكان أعادة النصوص القديمة برؤيا جديدة و إحيائها لتكون بداية لإرهاصات مسرح ليبي…. لا توجد خطة جادة لإنشاء مسرح يحمل ملامح ليبية. حتى الأكاديميات لم تقم بدورها المناط بها…. عدم تفعيل الفرق و قلة الدورات الدراسية والمشاركات الخارجية… أمانة الثقافة أكملت عامها الثاني ولاتوجد أي خطة واضحة.

من مِن المخرجين الذين سبقوك لهم بصمتهم الخاصة والمتميزة؟

القمودي:- المرحوم “الامين ناصف ” شاهدت أعماله و تجاربه عن كثب.

هل ثمة سؤال بخاطرك لم نلقي عليه الضوء؟

القمودي:- متى نرى جلسة جادة لمحاولة تفعيل المسرح الليبي وملامسة احتياجاته ابتداء من توفير أماكن عروض.

مقالات ذات علاقة

أبوشويشة: أتشرد مثل صوفي سكران بعناقيد النجوم

المشرف العام

الكاتب: منصور أبوشناف/ قراءة في عرض السعداء

المشرف العام

حوار مطول مع الشاعر السنوسي حبيب.. نحن نعيش في ظل ثقافة غير نقدية

المشرف العام

اترك تعليق