المقالة

محمد الزواوي .. المدرسة الليبية

تصوير: أحلام الكميشي
تصوير: أحلام الكميشي

لو حاولنا البحث عن ملامح ليبيا في العصر الحديث وتجليات هذه الملامح لكان ((محمد الزواوي)) واحدا من هذه الملامح وتجلياتها، إنه ودونما تردد منا ((الملمح والرمز الليبي الهام في الفن الحديث)). فلقد استطاع ((محمد الزواوي)) ليس توطين الرسم الساخر في ليبيا فقط بل تأسيس فن ليبي خاص ((بالكاريكاتير)) فن ينبع من هذه البيئة ولا يقلد أحدا، إنه بصمة محمد الزواوي الخاصة ومساهمة ليبيا في هذا الفن على صعيد العالم. فلقد ظلت تجارب الرسم الساخر العربي تقلد وتستنسخ الناتج الأوربي في هذا المجال دون أن تقدم أداءها الخاص إلا ما ندر، ويعتبر ((محمد الزواوي)) الأهم في هذا عربيا، فلقد قدم المشهد الليبي بتفاصيله وبأدوات خاصة لا تقلد لا خطوطا ولا تكوينات ولا زوايا إنتاج آلاخر. ربما نتردد في القول بأن ثمة مدرسة ليبية في أي من الفنون إلا في هذا الفن.. الفن الساخر.. حيث استطاع محمد الزواوي بتواضع وبإخلاص شديدين أن يشكل المدرسة الخاصة، تلك المدرسة التي تقدم الرؤيا الليبية للعصر ولقضاياه ,من قضاياه السياسية وحتى قضاياه الاجتماعية التي كانت منطلق الزواوي ومعينه الذي لا ينضب، تلك المدرسة التي انطلقت من واقعها الاجتماعي ومن تفاصيله اليومية لتشكل عبر هذه التفاصيل طابعا مميزا لها لا نجده في أي مدرسة أخرى. إن الخصوصية التي ظل الجميع يتحدث عنها ظل الزواوي ومنذ البداية يمارسها ويطورها سنة إثر سنة ولوحة إثر لوحة.
إن تفاصيل الوجوه وتفاصيل الحياة والعلاقات كلها شكلت ((المدرسة الليبية)) في هذا الفن, مدرسة محمد الزواوي وأعطتها سماتها الخاصة التي تميزها عن اي مدرسة عالمية أخرى، فلسنا نجد اهتماما بالتفاصيل وبالدقة في الرسوم الساخرة الأخرى كالتي نجدها عند محمد الزواوي. لتكون التفاصيل والدقة في نقل مشاهد الواقع ومفارقاته السمة الأولى لهذه المدرسة.
أما السمة الثانية لهذه المدرسة التي أسسها وطورها محمد الزواوي فهي نقل المشهد الواقعي بحرفية ودقة عالية، حيث يبدو المشهد منقولا من الواقع بحذافيره وعنصر السخرية يتجلى في المفارقة وتضخيم التفاصيل الصغيرة وإبرازها.

من أعمال محمد الزواوي
ثالث هذه السمات هي البناء الواقعي أو الحدوثة التي تحملها اللوحة دونما إضافة ولا نقصان لتكمن السخرية وعنصر الإضحاك في تفاصيل هذا المشهد الواقعي، فالزواوي لا يفبرك ولا يؤلف مشهدا غربيا ليثير الضحك بل ينتقي من الواقع اليومي ما يثير الضحك والسخرية دون أن يتخلى عن البناء الواقعي للمشهد.
السمة الرابعة هي غياب أي فراغ أو بياض في المشهد، فالمشهد لدى محمد الزواوي مشهد مكتظ مليء بالتفاصيل، عكس غالبية الرسوم الساخرة الأخرى حيث يعتمد الرسامون على أقل ما يمكن من التفاصيل وبخطوط أقل، أما ما لدى الزواوي فإن الخطوط والتفاصيل تتدفق بوفرة وغنى، ولا تترك للمشاهد أي تفصيلة وإن كانت صغيرة ليضيفها.
أعتقد أن هذه القدرة على رسم التفاصيل التي تقدمها لنا أعمال الزواوي ناتجة عن كون الزواوي رساما واقعيا كبيرا، وبإمكاننا ملاحظة ذلك في لوحاته الواقعية التي لا تدخل ضمن أعماله الساخرة، حيث يبدو الزواوي فنانا واقعيا ((متمكنا)) من أدواته ومسيطرا عليها، مثل المشهد الصحراوي، لوحة الزواوي المعروفة.
ما قدمه محمد الزواوي من رسم ساخر عبر أربعة عقود أو يزيد شكّل وبحق مدرسة ليبية متميزة في هذا الفن كان لها تأثيرها في ليبيا، وربما لو كان الإعلام الليبي قادرا على تسويق هذا الفنان الكبير لأثّر هذا الفنان وهذه المدرسة في الرسم الساخر العربي ولقدمت له لونا آخر ونكهة مميزة أخرى ظل يفتقدها بالتأكيد.
تنوعت رسومات الزواوي الساخرة فكان منها السياسي والاجتماعي، إلا أن الاجتماعي ظل الركن الأساسي والأهم فهو تجربة الزواوي الحقيقية، حيث شكلّت رسومات الزواوي مشروعا نهضويا حقيقيا، فكانت رسوماته الساخرة التي تناولت أشكال التخلف والجهل وقمع المرأة والركض خلف الربح السريع والفروق الاجتماعية كتبا مهمة في مشروع النهضة في ليبيا قدمها الزواوي لمجتمعه ولم يعان الزواوي ما عاناه الكتّاب أو الشعراء أو السياسيون من غموض في اللغة أو انفصال عن اللغة التي يفهمها الناس، بل كانت لوحاته تصل بكل أفكارها وتفاصيلها لكافة فئات المجتمع أميين ومتعلمين.
إن ((محمد الزواوي)) فولتير ليبي حقيقي ومدرسة ليبية ما أحوج الرسم الساخر في الوطن العربي إلى معرفتها.

مقالات ذات علاقة

الشعب الطيب

مهند شريفة

الذاكرة المشطوبة

المشرف العام

تأملات حول أزمة كورونا

المشرف العام

اترك تعليق