استطلاعات

محل المكان من إعراب النصّ

نُشر في الصباح الثقافي 2019م

الكتّاب المشاركون

في النص الإبداعي يشكل المكان ركيزة أساسية وكينونة حيّة توازن سقف السماء بالأرض ، فهو شرط فنّي لابد من توفّره كونه يُهيء المنطلقات الأولى لنواة العمل الابداعي ، فالمبدع يقف عليه بهشاشة نملة وصلابة جبل ، تارة نُحلق من خلاله وتارة أخرى نحرث برفقته التفاصيل المحيطة بالأشياء، للحد الذي يُدهشنا فنلقانا متبصّرين بما وراء الآكمَة وما بين النقطة الفاصلة التي تحوِّل تراب الأمكنة لصلصال يُرمم الطفل بواسطته تاريخ يُتمه ، قُبيل أنّ تجرِّف الأمواج أحلام الوطن وما عليها من صباح وصراخ ..
فالمكان مثلاً وعلى اتساع رائحته داخل نص محمود درويش عنصر مُحتفى به على امتداد المتن ويصير محطة طارئة على طريق العودة للوطن المسلوب ، والمكان عند رضوان أبوشويشة يكون المفرّ إلى الأمام والركض بقدمين حافيتين نحو المجهول ، وعند الروائي خليفة حسين مصطفى نلمس دورة نبضه الحيّة في الشوارع وبين مسك الأزقة الضيقة .
لعلنا نتفق في أغلب الأحيان أنّ المكان في التجربة الابداعية يُعيد تشكيل أبعاده بحزمة أدوات تجرّها اللغة من عنق الزمن لتخلق للمتلقي حياة موازية وعمقًا يلتقط كل ما يمر به …
عبر هذا الاستطلاع نرصد دلالات المكان وأبعاد جماله وقبحه واتصال ذلك بالبناء الفني للنص الابداعي من خلال الاضاءة على وجهات نظر نخبة من المبدعين العرب .

عبد الرحيم ناصف : شاعر وكاتب مغربي
…هل يمكن الحديث عن ” المكان” كثيمة أساسية في المتن السردي العربي؟
ليس هنا المجال للتنظير و التقعيد لعنصر يعتبر دخيلا على الإبداع. الأصل أن ” الإبداع” بشكل مجرد هو نتيجة لصراع جواني أساسا، و ليس ” برانيا”..أي أنه نابع من الداخل..و ليس قادما من الخارج..
لكن، ماذا نقول مثلا عن رواية : الخبز الحافي للراحل محمد شكري الذي حول طنجة إلى ” شحصية” مستقلة في سيرته الموزعة بين ” الخبز الحافي”، ” زمن الأخطاء”، ” السوق الداخلي”؟؟؟
سيرة صارت فيما بعد سيرة مدينة طنجة.
ماذا نقول عن ” ابراهيم الكوني” الذي حول صحراء ليبيا إلى منبع لروايات ” الصحراء” إن صح القول..ليست الصحراء بعناصرها الطبيعية فقط: المناخ، التضاريس..بل الصحراء كمكان ممتد في التاريخ و الأسطورة، فضاء يضج بشخوصه التاريخية الحقيقية، أو السحرية. فضاء يعج أيضا بالرؤى الغرائبية عن التاريخ، عن الناس، عن الماء.
ماذا نقول عن روايات عبدالرحمان منيف، تلك الخماسية المسماة ” مدن الملح” التي أعادت بناء تاريخ صحراء الخليج في قالب سردي و روائي؛ صار بديلا عن تاريخ مزور، تاريخ غير خقيقي.
ثم أيضا عن ” شرق المتوسط” بجزأيها …والتي دشنت ما صار يعرف لاحقا بأدب السجون…. المكان هنا صار يحتل مركز الصورة…
في كتاب مشترك بيني و بين ” مصطفى استتو” يحمل عنوان ” سيرة المهجرين بين الأسماء”؛ و هو سيرة ذاتية لطفلين قضيا كل طفولتهما في ” الميتم”، أعدنا من حبث لا ندري سؤال ” المكان” في العمل الإبداعي. اكتشفنا أن الكتاب صار سيرة لمؤسسة ، فضاء، …الميتم الذي كان يحمل اسم : الجمعية الخيرية الإسلامية : دار الأطفال..وهو فضاء تم هدمه سنة 2016، …مباشرة بعد صدور الكتاب
الآن، هل بالإمكان الإجابة عن السؤال الذي طرحناه أعلاه؟
الجواب هو بالقطع،..نعم…
ليس المكان في المتن السردي العربي، مجرد ” عابر بلا سبيل” . المكان هو جزء من الكينونة الإبداعية، إن استرجاع طفولة ما مثلا، لا يمكن أن يتم بمعزل عن استرجاع و استحضار ” المكان ” كمكون رئيسي لهذه الطفولة، كمحفز لمشاعرها، كفاعل في أحلامها وفي…انكساراتها أيضا.

مفتاح العلواني : شاعر وكاتب ليبي
إن للمكان في النص أهمية لا تقل عن قاطن المكان نفسه.. ليس ذلك لأنه تلك الرقعة التي يحدث فيها ما يدفع الكاتب للاسترسال في وصفه وتصويره.. أو لأنه متعلق بوجدانه وذاكرته العتيقة ربما.. لكنه مهم لأنه يجعل النص يتنفس عبر تجلياتٍ جغرافية محددةٍ تعطي القارئ فكرةً واضحةً عن مدى تعلق الكاتب به.. وكيف أنه خلق منه كائناً يشهق ويزفر بـجُمل تكاد ترى أبعاد المكان فيها وضيقه أو اتساعه في عقل المبدع.
ومن الأهمية أن نقول بأن المكان ربما يصبح هو محرك النص.. وهو القادر على إيصال الفكرة بأعمق معنى وأبهى تركيب للقارئ.. ذلك أنه يخلق تصورات كثيرةٍ ملموسة في الذاكرة.. كما أن المكان يمكن أن يكون افتراضياً لا حقيقياً.. ومن هنا يمكن للكاتب أيضاً أن يجعله أداةً لصقل نصه من خلال خلق صورة له تليق بما يريد إيصاله من معانٍ ومشاهد تحفز مخيلة الناس.. وتجعلهم حتى داخل النص.. يتمشون فيه ويتحسسون زواياه.
المكان أيضاً قد لا يكون هو أساس النص.. لكنه الخلفية اللازمة لخلق أرضية متينة للفكرة.. يشبه ذلك وضع لوحةٍ عالمية في الخلف أثناء عرض مسرحيةٍ.. حيث لا أحد ينتبه لها ربما.. لكنها وبشكل ما تجعل العرض مبهراً.. ولأننا دائماً ما نتعلق بالأمكنة أو نكرهها كما نتعلق بالناس ونكرههم.. فإننا أيضاً نقبّلها ونحنّ إليها.. وربما نذمها أو نلعنها عبر نصوص تكاد تستحيل لمكان بشكل ما.

عنفوان فؤاد : شاعرة وكاتبة جزائرية
البنية الشعرية أو السردية لكتابة النص تعتمد عدة سمات
وأهمها المكان بعبارة أخرى الفضاء الذي يفسح المجال لصياغة بنيوية لأبعاد النص.
في الواقع يمثل المكان حيزا واسعا لطاقة النص الإيحائية والتصويرية التي يشكلها، والتي يكتسب بها شعريته وبعده الجمالي.
ولايتسنى لبنية اللغة تكثيف فضائها النصي إلا من خلاله، والتي تتعلق بتوسيع أو تضييق المساحة المخصصة لذلك، بحيث تفقد اللغة مفرداتها ودلالاتها، لتحمل أبعادا متباينة داخل فضاء النص.
أما العلاقة بين المكان والنص فهي قائمة على عملية التأثير المتبادل فيما بينهما، لتنتقل هذه الديناميكية التصويرية والاستشعارية فيما بعد إلى المتلقي.
في حين ينطلق الكاتب من تحديد المكان كنقطة أو مساحة داخلية لها صلة بالمكان على أرض الواقع هذا ما يثير خيال المتلقي وما يزيد من الإيحاءات، والانفعالات في فضاء النص.
نخلص إلى نقطة مهمة، كيف أن المتلقي أصبح رهن إشارة الكاتب، مرة يضعه في المكان الحقيقي الحاضر داخل النص ومرة أخرى في المكان المتخيل الذي يستحضره بناء على طلب منه لحظة قراءة النص.
أيضاً تتجسد قيمة المكان داخل النص من خلال ما أطر له وما حدد له من خصوصية، كقيمة تاريخية أو اجتماعية أو سياسية والعكس.
انطلاقاً من هذا التقابل والتمثيل “يرى لوتمان أنه توجد صفة طوبولوجية هامة هي الحدّ، فالحدّ هو الذي يعهد إليه تقسيم فضاء النص إلى فضاءين غير متقاطعين، وفق مبدأ أساسي هو انعدام قابلية الاختراق” (بحراوى 37).
كمحاولة أخيرة لنصل المكانين ببعضهما حتّى نفهم إحداثيات المكان ثم ننتقل بعدها إلى المشاعر التي يولدها لنصل بالتدريب إلى الصورة المكانية المتواجدة داخل ذهن الكاتب.
ومما لاشك فيه أن أدوات الكاتب الحذق لا حصر لها، فهي لا ترتبط فقط بذكر المكان ووصفه وكل ما يتعلق به، بل تصوغه بطريقة خاصة ليصبح مكانه الذي يمثله، ليرتبط أوتوماتيكيا باسمه. المجال لا يسمح لسرد أمثلة لكن العديد من الأمكنة والمسميات تحيلنا بطريقة ترابطية وتراتبية بأسماء كتابها والشخوص التي ارتبطت بها، وعليه فالمكان حي ويحيا داخل ذاكرة النص قبل القارئ، يكفي فقط نفض الغبار عنه ليحملنا إليه بشحنته النوستالجية اللا مفسرة.
كما يجب أن لا نغفل مستويات التلقي، ثقافيا، نفسيا، سوسيولوجيا، وفكريا، هذا ما يعكس المكان الذي داخل النص من دلالات وايحاءات متباينة.
المكان ككلمة تثير مجموعة انفعالات مترابطة، لها وقعها السحري. فالمكان مقره الذهن حيث يحتل مساحة موازية داخل الفرد ليصبح جزءا من معرفته الداخلية التي تتشكل منها لغته.
ثمة رؤية تصنيفية أخرى قدمها لنا “غاستون باشلار” في “جماليات المكان”، فتحدث عن مكان أليف، وهو البيت الذي يوجد فيه الإنسان، ثم تحدث عن المكان المتناهي في الصغر والمكان المتناهي في الكبر، وأكد أنهما ” ليسا متضادين كما يظن البعض، ففي الحالتين يجب ألا نناقش الصغير والكبير بما هو عليه موضوعياً، بل على أساس كونهما قطبين لإسقاط الصور”(باشلار 33)
ثم يلح على “أننا حين نقرأ مثلاً وصفاً لحجرة، نتوقف عن القراءة لنتذكر حجرتنا، أي إن قراءة المكان في الأدب تجعلنا نعاود تذكر بيت الطفولة” (باشلار 7).
في الأخير، علينا الحذر في التعامل مع المكان فيما يخص التعلق به أو النفور منه. بإمكان الأمكنة أن تصبح فردوسنا المنشود أو عبارة عن جحيم يصلنا لهيبه الذي يلفح علاقتنا به ويحرق ذكرياتنا ومشاعرنا على آخرها.
()بحراوى، حسن، بنية الشكل الروائي، المركز الثقافى العربي، بيروت، الدار البيضاء، 1990 ()باشلار، غاستون، جماليات المكان، تر. غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للنشر، بيروت، ط. ثانية، 1984.
سونيا الفرجاني : شاعرة تونسية
تنشط ذاكرة الشاعر عندما تنشط ذاكرة المكان” ،وتنشط ذاكرة القارئ أو الناقد عندما ينشط الشعر.فالقصائد التي تباغت لا تأتي من اللاشيء،هي وليدة محفزات المكان ،مكان عالم الشاعر بما يحمل من أصوات وموسيقى وضجيج وتجارب وخيبات وموروث .
في الكتابة يعيش الشاعر مكانه ويرحل فيه ومعه وينطلق منه نحو كون شاسع لا حدود له.
أنا أشفق على الذين حرموا من متعة الكتابة وعاشوا مكانهم بصيغة واحدة ودون انتباه له فعرفوه مجرد رقعة جغرافية على بلاد او مدينة او قرية أو غرفة.
المكان يدفع لردات فعل كثيرة ومختلفة ونحن نواكبها ونجمعها ونرتبها داخل الكتابة .
نحن نتعاطى المكان ونفككه الى دخان يتصاعد لايمكن ان يظل جامدا داخل الفكرة والذاكرة.
الشعر كائن ذو طبيعة استكشافية قدرنا فيه هو أن نفتح اللغة على التفاصيل،على النواحي الغائبة المظلمة والمعتّمة والمضاءة.
عالم الشاعر ليس مكانا واحدا انها امكنة وازمنة متداخلة لا خرائط فيها ولا مقاييس.
على النص الشعري او الابداعي أن يخرج من الجغرافيا المحلّية إلى الكونيّة ،إلى فضاء العالم ،حيث تنبثق القصيدة لتوثّق حالاتها الغير محدّدة.
يقول عواد ناصر الشاعر العراقي :الشعر هو المستقبل البعيد والحاضر المضطرب
وأقول هو المكان المبعثر والرزنامة التي لا تحتكم لتقويم او بوصلة

مقالات ذات علاقة

التدوين الليبي كإعلام بديل – 3 (المدون هشام بومدين)

رامز النويصري

مدونون ضائعون في مشهد عبثي

المشرف العام

المثقف الليبي.. نسأل عن غيابه

محمد الأصفر

اترك تعليق