النقد

محاولة سدّ النقص حتى اكتمال النص

قراءة أولية في رواية (النص الناقص) للكاتبة عائشة الأصفر

مهدي علي ازبين* – العراق
 

 من وحي العنونة

توحي العنونة في رواية (النصّ الناقص) بأننا إزاء دراسة نقدية أو رؤية منهجية، لكن المتلقي سيكتشف التعالق النصي بين ثريا النص (العنوان) وبين تفاصيل المتن وقصدياته لينفتح على تأويل وظائفية العنونة، فيتوزع النص الناقص على:
– البحث الذي تقوم بإعداده مريم الذي لم يكتمل.
– مآل العلاقة بين عامر ومريم وعدم تتويجها بلقاء الحبيبين.
– مواصلة عامر بالانفتاح على علاقات جديدة.
– (إعدام) الخصوبة عن جسد مريم.
– بخل الطبيعة في توفير سبل العيش.
– سعي الأفارقة للوصول إلى البحر والانتقال إلى عوالم جديدة.
– قراءة التاريخ وتفسير الوجود.

في رؤية النص

الروائية عائشة الأصفر وروايتها النص الناقص.
الروائية عائشة الأصفر وروايتها النص الناقص.

عند محاولة تفكيك الفضاء الروائي للـ (نص الناقص)؛ نجده مكونًا من دوامات أحداث تسير الشخصيات حول الثيمة الرئيسة ألا وهي عدم اكتمال النص، عبر بوح نفسي اشتغل على تمثيلات الوعي ومشاهد سردية اقتربت من مدونات السينما رصدتها عين الكاتبة بكاميرا الانفعالات.
انزاحت دلالة النص لتشمل الكون وما يضمه من موجودات وفي مقدمتها الإنسان وتفاعله مع بيئته، والأطر التي تنظم علاقته مع الآخرين وأثرها في تكوين شخصيته ورسم أبعاده النفسية، وانعكاسات ذلك على معنى وجوده وقيمته الاعتبارية، وقد سعى الإنسان للوصول إلى مخرجات رؤى تحاكي ذرى النتائج نحو الكمال أو الوقوف على حدود الحقيقة، وفي سياق البحث عنها تتكشّف مديات أخرى تشمل المعايير التي تعدّ محكًّا لتقدير درجة الاقتراب من الكمال أو حساب مستويات الفرق لرأب صدوع النقص.
 
إن البحث لرسم نهايات محددة أو محاولة حصر الحقيقة في أبعاد ثابتة أمر يؤدي بصاحبه إلى انسدادات في الأحكام تنعكس سلبًا على مجمل السلوك فيحلّ الإحباط والكآبة والاغتراب عن البيئة الاجتماعية، وبالمقابل يتلقى الآخرون هذه المحاولات في تفسير السائد أو ما يرشح من دلالات تشير إلى إهمال الإنسان أو الانتقاص من مظاهر حضوره في المجتمع، ويعدونها خروجًا عن شروط التجمعات البشرية في البقعة الجغرافية التي يشغلونها، وهي سعي لهدم منظومة العلاقات والثوابت، وينتهون إلى تبويب هذا في خانة الخروج عن المألوف ومخالفة الثقافة السائدة ومن ثم إلصاق صفة الجنون بمبتدعها.
هم يرونه فاقد الأهلية ويقتضي الرعاية النفسية والعلاج إلى حد الحجر عليه لما يمثله من خطر يقلق وجودهم، ولا يحق له التواصل معهم لأنه ناقص الإدراك وغير مكتمل العقل، وهو يراهم عمي يغطون في سبات مستدام وهم المجانين الذين يدفعونه للخلل كي يبدو أدنى منهم، لكنهم نصوص منقوصة يرفضونه لأنه يراهم بمنظار اكتشافاته ووقوفه على حد الحقيقة، وتمظهر هذا الصراع في ما جرى لمريم، ومآله الذي تمثل بالإيذاء الجسدي لشخصها وتبعاته النفسية.
هذه الثيمة المركزية للعمل الذي دارت في فلكها ثيمات أخر لونت المتن السردي، وشكلت بانوراما في عوالم النفس البشرية والتفاعل المتبادل مع المحيط.

حيّز العمل

يعد الحيّز إحدى وحدات الفضاء السردي المهمة فلا أحداث وشخصيات من دون مكان، ولا مكان من دون زمن، وقد سطرت الكاتبة نصها السردي محركة الشخصيات والأحداث على زمن تميز بالتتابع وتداخل معه التداعي عبر استرجاعات لمواقف وسرد مشاهد من سِيَر الشخصيات مع استشراف المستقبل، أو الإيحاء والتحضير لوقائع محتملة.
وهناك تلميحات إلى أزمنة سحيقة جرت فيها أحداث أدرجت في عبارات مضغوطة للتذكير بها ومقاربتها مع مجريات واقعنا الراهن، وإشارات إلى أحداث حصلت في التاريخ الإسلامي وتداعياتها الموضعية في حينها وارتداداتها المعقدة في مجرى التاريخ.
أما المكان الذي شغل المساحة السردية، ودارت عليه مسارات السرد وحركة الشخصيات، فقد مثل إضافة معرفية للمتلقي عبر تأثيث المكان، متوزعًا بين التصوير الخارجي للمكان، وتوثيقه بعدسة كاميرا متحركة، تشكلت المعالم بذكر أسماء المدن والشوارع والساحات والمحال، كذلك الغابات والصحارى والتضاريس بألوانها، رافق المتلقي مسار السرد ودار معه في سياحة عبر الأراضي الليبية حتى البحر، متجاوزة حدود الدول المجاورة جنوبا.
رسمت الكاتبة المباني والدور بإسقاطات نفسية، وانعكست الانفعالات على الجماد؛ فحضر المكان الحميم متمثلاً في بيت مفتاح الذي شهد ولادة الحب الصادق، واحتضن اللقاءات الأولى، واللحظات الحميمية بين عامر ومريم.
 
وكذلك مبنى البيت الثقافي بوجود سمر وتأثيرات حضورها، وما يجري من نشاطات وعلاقات.
وتمثل المكان المعادي بالمصحة العقلية التي صارت سجنًا لمريم وسحقت روحها، حين وسمت بالجنون، وخضعت لكل تفاصيل القسوة بأيدي متخلفة.
أمست رهينة أوامرهم وتصرفاتهم اللا إنسانية فيما يسمونه علاجًا يؤثر على قدراتها العقلية ويمسخ إنسانيتها بفقدان قدرتها على التحكم باتزانها، وهذا المكان اكتسب العداوة حتى لعامر الذي يرى أن روحه محتجزة فيه المتمثلة بـ (مريم) وتلاقي أصناف العذاب، وهو عاجز عن انتشالها من محنتها، فيرى في المصحة عذابين، أولهما منعها عنه، وثانيهما سجنها ومعاناتها، وما يرشح عنهما من صراع نفسي.
___________________
* كاتب وناقد عراقي.
 

مقالات ذات علاقة

صورة المرأة في العمل الدرامي… (روبيك) لغز الحياة

المشرف العام

رواية عن مأساة الزّنوج في بنغازي العهدين العثمانيّ والإيطاليّ

المشرف العام

العتبات النصية في الرواية العربية

المشرف العام

اترك تعليق