سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (7)

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه

7
ولكن هل كان ذاك النص الشعري المقتطع من نص طويل والذي نشر في 1983م هو أول محاولاتي؟ بالطبع الإجابة ستكون (لا).

منذ بداية العطلة الصيفية وانتظاري نتيجة الشهادة الإبتدائية في صيف 1975م، صرت أخربش، أكتب، وأمزق. أقرأ لصديقتي “لطيفة” ولكن الأهم هو القراءة، لم أتوقف عن القراءة، صرت مهتمة بالقراءة كفعل، أحب قراءة أي شيء، قصص الأطفال (المغامرات) والمجلات (الكواكب وحواء ووو)، لأن السانية كانت مليئة بالصبايا المتعلمات والطالعات للمستقبل، ولهذا سأجد هذه المجلات والقصص وستفتح لنا أحد بنات العم “ربيعة” صندوقاً خشبياً منقوشاً وعليه تلك المسامير الذهبية، سأدخل يدي وأقبض على أول كتاب صادفني، وكان جزءا من (ألف ليلة وليلة)، ووواوووو كانت ابنة عمي خائفة وطلبت مني الإسراع بإعادته قبل اكتشاف (السرقة) خبأته وركضت مسرعة إلى )حوشنا( وإلى السدة حيث أنام، اختبأت وبدأت أتأمل هذا الكتاب العجيب! شكله، غلافه الجلدي ولون الورق، ورائحته وحتى شكل الكتابة، وبدأت أقرأ وأقرأ، لا أظن أني فهمت الكثير ولكن حكايتين رسختا، حكاية ببساطة طفلة فهمتها والحكاية الثانية علقت أحداثها في ذاكرتي ولكني لم أفهمها في ذاك السن.

الحكاية الأولى؛ حكاية الغراب الذي قتل غراباً، ثم جاء بورق توت ومضغه ليضعه في فم الغراب الثاني فينهض من جديد، واستعجلتني “ربيعة” فأعدت المجلد بسرعة، ولكن عرفت نمطا جديدا من الكتابة وعرفت شهرزاد.
كان الصف الأول إعدادي ومدرسة (10 مارس)، مدرسة إعدادية ومعهد معلمات عام وخاص، وابنة عمتي “جميلة” رفيقة الطريق، نذهب معا ونعود أغلب الوقت معا، وهي وأنا نضع ايشارب على شعرنا نربطه تحت الذقن. كانت معلماتنا أغلبهن من مصر الشقيقة، فقط أتذكر أستاذ “يوسف” من تونس، طويل وبياض بشرته ملفت وكان معلم الإنجليزى، وكنت أكتب شعرا عموديا أقلد به الاشعار التي نقرؤها، وأجلس بين التلميذات صديقاتي لقراءته، وطبعا سيكون مقبولا إذا كان يحكي عن الحب فذاك كان الموضوع الأثير.

لكن متى شعرت أني كتبت شعراً؟ كان ذلك في صيف العام الذي أنهيت به الصف الأول اعدادي، هذا العام الذي لا أستطيع أن أُغفل فيه حدثين أو ثلات تقريبا.
الحدث الأول، هو ذاك اليوم والذي سأعرف تاليا إنه كان يوم 7 أبريل، ما أذكره أنه كان ثمة حافلة أمام المعهد/المدرسة، وكان ثمة بنات يخرجن ويصعدن بهذه الحافلة، مضى اليوم الدراسي عاديا ولكن حين خروجنا من الحصة الأخيرة، وجدنا الساحة مكتظة وثمة لغط وحديث و(وجه تلميذه أعرفها مزرق، خدها وعينها)، وسمعت نتفا من هنا وهناك عما حدث في الجامعة وووو.
والحدث الثاني هو امتحان الجغرافيا، بنهاية العام وكانت “جميلة” ابنة عمتي تجلس بالمقعد الأول بالصف الأوسط، تليها بنت باسم “جميلة” بالمقعد الثاني ولأكون بالمقعد الثالت، تبادلت إشارة معها لأعرف أن هناك إجابات تنقصها وهكذا ملئت ورقة الإسئلة بعدة إجابات وحاولت مع “جميلة” التي بيننا، ولكنها كانت خائفة (فهذا شيء مرعب ومخيف في ذاك العام 1976)، وفجأة انتبهت إحدى المعلمتين لارتباكنا وجاءت وأخذت مني ورقة الإسئلة وحين اطلعت عليها قالت: ياسلام كل الإجابة، واكتفت بأن مزقت الورقة مع تحذير.

ونجحت للصف الثاني إعدادي، وكان إعلان النتيجة من الميكرفون، حيث سمعها عمال البناء الذين كان معهم أبي “القمودي”، وهم يشيِّدون بيتنا الجديد والقريب من المعهد، صفقوا وطلبوا من أبي (الزردة).

جاء الصيف، حيث تتبادل الصديقات بعض الأسرار والحكايا، وهكذا منحتني صديقة حكاية ما ولكن نقلتها لصديقة مشتركة والتي يبدو أنها لم تخفها فصار (زعل)، أتذكر المساء وأنا ذاهبة لصديقتي والتي وجدتها تساعد أخيها الذي كان صاعدا النخلة. أعرف وجه صديقتي الجميل والذي تغير حين رؤيتي ثم تلك الكلمات القاسية أو (ضرب المعاني)، ولم أفهم السبب حينذاك؟! ذهبت حزينة متألمة حيث (الشراك الكبير)، لأجلس في ظل الزيتونة وأبكي، كانت دموعي تهمي على التراب، لكن كلمات صارت تتراكض في رأسي، وإذ بي أمسك عودا جافا وأكتب، كتبت على التراب الذي تبلل بدموعي بيتين صغيرين بقافيه الدال، يعبران عن الألم والاحتياج للصديقة . (يعود) هذه هي الكلمة التي ظلت ذكرى من البيتين لا غير، (يعود) هو الحب والصداقة، ونسمات عشية وبنت حزينة هي “حواء” التي عرفت أنها حقا صارت تكتب (الشعر).

مقالات ذات علاقة

شاعر الكلمة .. عاشق الوطن.. رجب الماجري

رامز النويصري

الحياة من خلال عدسة التصوير

رامز النويصري

الشاعر الغنائي يوسف بن صريتي

محمد العنيزي

اترك تعليق