الشاعرة حواء القمودي
سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (56)

بعد عشرين عام!!!….

يحدث أن تفاجئني (بهجة)، ولأن ثمة رسائل عالقة في الماسنجر بركن (طلبات مراسلة…) والكهرباء (تفنير) والتغطية جيدة، وجدتُ رسالة بتاريخ 18 ديسمبر 2019م: (السلام عليك.. بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية.. أنت أفضل أبلة درستني لمادة اللغة العربية.. أقولها لك بعد أكثر من عشرين سنة)، ظللت أقرأ الرسالة وأعيد القراءة، ثم أكتب (وعليك السلام ورحمة الله وبركاته) وطبعا ستأتي رسالة سريعة: يمكنكم الآن التواصل ورؤية معلومات مثل حالة النشاط ومعرفة وقت قراءتك للرسائل. وكتبت: إذا تكرمتِ ذكريني بك ….

ومضى يوم الجمعة و ها أنا بعد عودة (التيار الكهربائي) أجد رسالة من (تلميذتي/ طالبة الثانوي) كتبت: ( ……… درستيني 3سنوات 97/96/1995) .. يا إلهي حكاية عشرية التسعينات تتواصل؛ تلك السنوات المليئة بالركض والتعب، وأقصد هذه الكلمات تماما، ولكن حين أجد في (صندوق بريدي/ الماسنجر) رسالة من طالبة (من مئات الطالبات) تتذكرني وتقول لي: أنني كنت (أفضل أبلة دراستي لمادة اللغة العربية)، يجعلني هذا أتنفس وأتذكر طالبة أخرى التقيت بها في مكان ما، فأخبرتني أنها في دورة للتنمية البشرية، وأن الأستاذ أثنى على حصيلتها اللغوية فأخبرته أن معلمة اللغة العربية والتربية الإسلامية، هي من منحتها هذه الحصيلة؛ لاشك سأبتهج وأشعر أن هذه السنوات لم تذهب هباء.

وخلال عام 1997م تحصلت على (تفرغ للدراسات العليا) أي العام الدراسي (1997/1998) لم يشهدني معلمة، بل تلك الطالبة التي تحصلت على دبلوم الدراسات العليا – أدبيات؛ و بدأت رحلة (رسالة الماجستير) والتي كتبت عنها في حلقات سابقة، والذي حدث أنني التقيت ذات يوم وأثناء عودتي من الجامعة، التقيت بأستاذة في ذات (المدرسة/ الثكنة/ الجماهيرية)، وهي إخصائية اجتماعية، وصار حديث وأخبرتني أن أستاذة اللغة العربية لفصلين من القسم العلمي، حدث لها طارئ صحي، ولا يجدون بديلا رغم بحثهم، وظلت تلّح عليّ للعودة، فأخبرتها أنني في طور تسجيل الرسالة وووو، ولكن اهتمامها ووجعها جعلاني أعدها بالمجيء بداية الأسبوع، وشكرتني وابتهجت ووعدت أن (كل شي زي ما تبي انتي)، وعدت مرة أخرى معلمة لهذين الفصلين، ولأنتبه للتغيير الذي حدث فقط خلال عام، الطالبات اللواتي يجلسن أمامي، تحصلن على الشهادة الإعدادية (شهادة نهاية التعليم الاساسي)، 1996/1997م، ولكن ما الذي حدث، لقد عانيت خلال السنوات الماضية، وحدث لي ارهاق من اكتظاظ الفصول، من 21 حصة اسبوعية، من منهج الفصول العلمي ومنهج الفصول الادبي؛ من طالبات مشاغبات، أو يعتبرن حصة العربي لا قيمة لها مع المواد العلمية، ولكن من يحاولن ويجتهد ويسألن، وووو هذين الفصلين لم يكونا مكتظين، وهناك نسبة مرتفعة في (الشاطرات)، فما هذا الذي أشعر به؟! وأظن حسب متابعتي واهتمامي بما يطرأ على العملية التعليمية، وما حدث خلال تلك السنوات الغريبة (طلاب فصل في أحد مدارس سوق الجمعة الثانوية (قذفوا) بمقعد خلف مدير المدرسة)، تلك السنوات التي يتم فيها نزع شبابيك المدرسة وحتى الباب.

في تلك الفترة كانت هاته الطالبات تلميذات، في تلك الفترة صار حلّ الأسئلة يتم بتحديد الاجابة في الكتاب، وذات الإجابة يجب أن تكتب في الامتحان، وأيضا (الترحيل) وتقسيم السور القرآنية (والذي مازال ساريا حتى آخر عام دراسي لي 2018م قبل إجازتي) سورة بسيطة مثل (سبّح اسم ربك الأعلى) تقسم على جزئين ولكل جزء يضعون أربع صفحات معاني كلمات، وإذا لاحظت كيف طالباتي الأنيقات (لم تعد العسكرية في المنهج والبدلة العسكرية اختياري)، إذا كلما حاولت منح معلومات بشكل اوسع، يأتي السؤال (هذا في المنهج يا ابلة؟) (هذا في الامتحان؟!) … (يا ابلة حلينا الاسئلة) وأقسى شعور صادفني: هو ذاك الإحساس الذي ينبعث منهن جميعا (امتى يكمل الدرس وبتطلع)…؟؟!!

وجاءت نهاية العام الدراسي وجهزت أسئلة الدور الأول والثاني مع الإجابة النموذجية، وجئت يوم امتحان المادة وووو، وجئت في اليوم التالي متأخرة ليواجهني مدير المدرسة: يا ابلة عندك مراقبة خيرك عطلتي؟؟؟؟

التفت وخرجت وليس من دليل أنني خلال (تفرغ رسمي) اعطيت عاما دراسيا، حتى رسالة شكر عادية لم تمنح لي، فقط مازال معي جدول الحصص وتلك اللوعة عن الآثار الواضحة على ظهور جيل جديد لا قيمة للعلم عنده، ولا استطيع لوم أي تلميذ وتلميذه طالب وطالبة، لأن هذا الزرع هو نبت أيدينا.

يا دلال.. خطوة واحدة شجاعة ….

الكاتب الراحل محمد الزوي.
الكاتب الراحل محمد الزوي.

لعل هذه المحاولة تجدي نفعا، وربما هي (حواء) التي تبحث عن ذاتها، او ربما تحفر في جسد هذا (العيش)؛ كي تفهم سر هذا التعثر؛ أقول ربما، فها أنا مازلت أركض ألملم اشتاتا من هنا وهناك، ومازالت (عشرية التسعينات) رابضة مثل (كلب وفي) وذات حلقة سأحكي لكم عن (جروي صَمُود) والذي اكتشفت أنه (أنثى/ جروة)؛ ولكن ما سر هذا العنوان (خطوة واحدة شجاعة ) ومن هي “دلال” المخاطبة هنا، آآه من اكتظاظ القلب بالأسى، ومن نبض الذكريات الأليفة، وتحديدا وكما ذكرت لي (تلميذتي ابنة الثانوي التي صارت طالبة عندي بسنوات ضاجة)، وأنا معلمة تصارع محاولةً أن تقذف بذرة لعلّ وعسى، حينذاك كان صديقي المبدع صاحب كتاب (هوامش على تذكرة سفر)، الرهيف الذي شهقت دهشة وأنا ألتقي به أول مرة ، فينحني ليقبل يدي، المبدع الشفاف “محمد الزوي”؛ وكنت بين (فينة وأخرى) آخذ رأيه فيما أكتب، وربما أنسى وينسى وهكذا ولا تسأليني يا “حواء” كيف ولماذا اتصلت بصحيفة الشمس؟ ليجيبك الشاعر “أبو القاسم المزدواي” ويخبرك أن ثمة مفاجأة لك في الملحق الثقافي للشمس الذي يجهزه، وعرفت منه أن المبدع “محمد الزوي” جلب له نصا لكِ وقد كتب لها مقدمة (رائعة كما قال)، وطلبت منه أن يقرأ لي جملا كي اعرف هذا النص، وحينذاك رجوته الاّ ينشره، وأن يعيده لي (والتقينا في مكتبة سبها للكتاب وأعطاني ذاك النص)؛ و ذات يوم وأنا أنبش في أوراقي وكراساتي وجدت هذا النص مختبئا ومازالت تلك الورقة التي كتبها المبدع الزوي و المثبثة بدبوس، كأنها تنتظر هذه السيرة، وأنا أنتظر كلمة طيبة من تلميذتي (أسماء…..)، لأعود بشغف لهذي الذكرى، وكان عنوان هذه الورقة (ما قبل القراءة) وهو العنوان الذي افتتحت به حكايتي مع أول نصوص شعرية نشرت في (مجلة الفصول الأربعة)؛ وكأنه باختيار هذا العنوان يحيل القارئ والقارئة إلى تجربتي وأيضا لاهتمامه بهذه الـ(دلال المغربي) منذ خطواتها الأولى..

محمد أحمد الزوي

نص: ما قبل القراءة

لا أعرف كيف تسلل هذا النص إلى أوراقي ونام داخلها قرابة الأربع سنوات لأكتشفه هذه الأيام بالصدفة، وأعيد قراءته فإذ به نص يضج بالشاعرية والامتلاء الأنثوي الجميل ويكشف عن قدرة على الاشتعال الداخلي لتولد الكلمات من جديد نجوما تلمع وتتوهج وتمتع وتضيء الطريق إلى القلب مباشرة.
ويعتقد الكثيرون ان “دلال المغربي” موهبة غير ليبية تحاول أن توجد لها مكانا ولهذا لا يعيرونها اهتماما، وفي الحقيقة أن “دلال” كاتبة ليبية متمكنة، تختفي وراء هذا الاسم المستعار.
واشهد أنني حاولت ان أدفعها للخروج من شرنقة “دلال” لتكتب باسمها الحقيقي ولكني فشلت، فالمجتمع أقوى من رغبتي ورغبتها، المجتمع المتخلف الذي لايزال يرى في الإبداع الإنساني عارا وإساءة إلى سمعة العائلة.
لقد رثيت لحال ……….   …. من قبل، وها أنا ارثي لحال “دلال المغربي”. وها أنا ارثي لكم هذا المجتمع المريض للمرة المليون.
لا اريد ان أثير الحزن والمواجع ولكن اريد أن أعيد للقراء متعة تأخرت عنهم سنوات.
يا دلال خطوة واحدة شجاعة تلغي خوف سنوات طويلة لتعيدك لنا كاتبة ليبية لا تختفي وراء البراقع والستائر والاسماء المستعارة.
وعذرا لدلال (غيبة هذا النص) كل هذه السنوات.

مقالات ذات علاقة

قصة ديوان البغدادي (على جناح نورس)

يونس شعبان الفنادي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (52)

حواء القمودي

للتاريخ فقط (19)

عبدالحميد بطاو

اترك تعليق