سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (5)

5
(الزنبقة السوداء) هل تستطيع قصة صغيرة أو رواية في كتيب صغير أن ترسم دربكِ؟
سؤال أواجه به نفسي  في هذا اليوم الذي يسبق يوم ميلادي في الغد (الحادي عشر من يونيو)، هل أردت أن أكون كاتبة منذ قرأت هذه الرواية “كرنيليوس / روزا”، حكاية العلم والثورة والحب والحرية، رواية جمعت كل شيء أو القيم الإنسانية الكبرى بين دفتيها، احتضنتُ ذاك الكتيب الصغير بالليل والنهار، وأعدت القراءة حفظت كل خطوطها وكلماتها وعرفت تلك المعاني، خفق قلبي حبا وبكيت حزنا وضحكت بهجة، العلم والحب والحرية ولكن من جعل كل ذاك مرئيا ينبض هي الكلمة/ الكتابة، ربما منذ ذاك اليوم قررت أو عرفت أني سأكون (كاتبة)، أن ما أريد قوله سأقوله عبر الكتابة، وما كنت أدري حينذاك أني اختار طريق انتحار أو طريقة نفيِّ ستبعدني آلاف السنوات الضوئية عن كل المحيط الذي أعيش فيه.
هل هذه سيرة أدبية؟! وهل أستطيع الفصل بين الكتابة وسيرة حياتي؟!
اليوم السابع من شوال 1440 هجري. والبنت التي سيكون غدا يوم ميلادها السابع والخمسون، خائفة وتائهة وتشعر أنها لم تقدم شيئا بل ربما آذت من تحبهم من أحبوها، لأنها اختارت أن تكون كاتبة صنو التمرد والشغف والتجربة، لأنها أرادت أن تعرف ولكنها لم تفهم باكرا أنها بهذا الاختيار قد جعلت بحرا من الأشواك بينها وبين الذين كانت تريد أن تمنحهم وأن تشارك في تغيير حياتهم إلى الأجمل؟!
هل أواصل الحكاية أم أتوقف هنّا، وأن أترك بعض الحكايات والمواجع لكتابة أخرى أحاولها؟!

التلميذة حواء القمودي
التلميذة حواء القمودي

إذن، وعبر الهاتف وعبر البريد، كانت موضوعاتي تصل إلى صحيفة الجماهيرية. 1983م كانت الأكثر مشاركة و1984م، ثم تقريبا ما يشبه التوقف؟! ولكن متى ذهبت للصحيفة ذاتها؟، وتعرفت على بعض صحفييها؟: عزيز السوداني، وأبوالقاسم صميدة، وعبد القادر الحضيري، لم ألتق بـ”فاطمة محمود” أو “فوزية شلابي“، كانت المفاجأة هي لقائي مع السيدة “مرضية النعاس” ذات زيارة، ربما في بداية عام 1984م أو نهاية 1983م، كنت أحمل مادة بيدي وكانت تجلس على مكتب، استقبلتني بترحاب وأخذت المادة مني وتحدثنا طويلا، خجلت من ذاك الاحتفاء ولكنها ضحكت من هذا الخجل، وظلت تثني على كتابتي وجرأتي، وفي اللقاء الثاني كانت تحمل هدية لي “رواية المظروف الأزرق”، بإهداء مميز بخطها الجميل والأنيق، اهداء تتنبأ فيه أني كاتبة كبيرة ومبدعة متميزة، وكانت أيضا مجموعتها القصصية “غزالة” هدية  (للأسف ظلت هذه الرواية مع صديقة ولم تعد حتى كتابة هذه السطور).
 
وأعترف أن رواية (لمظروف الأزرق ) وتلك البنت “زينب” التي تحب الكتابة وتكتب مقالاتها وترسلها لصحيفة للنشر وتضع علامة هي نجمة ويكون مظروف الرسالة أزرق، “زينب” وشراستها في مقاومة مجتمع متخلف ولكن هو أيضا يحبو إلى النور من خلال خالها والصحفي الذي سيغدو حبيبها، ووووو كم قرأتها واستمتعت بإعادة مقاطع منها، ولكن الذي سيظل الأبقى هو تواضع هذه المبدعة، رقتها ولطفها وذكاء تعاملها مع بنت من سوق الجمعة، بسيطة وخائفة وجسورة، أفتخر أن علاقتي بالسيدة “مرضية النعاس” مازالت مستمرة، وأن هذه السيدة الأيقونة مازالت كما تعرفت عليها أول مرة، لطفها وتواضعها ومحبتها لكل الذين عملوا معها في الصحافة الليبية مازالا يضفيان عليها هذه الهالة من النبل والإشراق.
 
لأعترف أني محظوظة جدا بالتعرف واللقاء بأجمل الناس، وكان لقائي بهذه المبدعة “مرضية النعاس”، منح صورة المبدعة الليبية هالة مشرقة في قلبي، كانت هذه الأيقونة صورة مجسدة لكل ما هو رفيع.
 
صباح اللطافة في هذا اليوم القائظ، اليوم الحادي عشر من يونيو 2019م، والساعة تقترب من العاشرة صباحا، أي بعد منتصف الليل جاءت معايدة أختي “أمونة” وابنتيها “أمة الرحمن” و”أفنان”، تهنئة عبر الفايبر لكن “أمة”، ظلت مصرة على السؤال حتى بعد أن تمنت لي مليون سنة؛ آآآ (كم عمرك؟). ههههه، أجبتها فردت: ههههههه. وقلت: عمري هلبة، هلبة سنين.
فأجابت:
– إن شاء الله بطول العمر.
– كم مضى من عمرك؟
فأجبت: هههه، أنت مصرة تعرفي عمري، سبع وخمسون عاماً، ههههههههه طبعا سري للغاية.
ههههه.. إن شاء الله بطول عمرك. هكذا أجابت.
لكن أول معايدة كانت من “آيـة”، ابنة أخي محمود الساعة 12:3 حين انتبهت لها في هاتفي، استغربت هذه التهنئة لأنها هنأتني بعيد الفطر.. ثم تذكرت أن يوم 11/6 قد شرف الوجود، كما هي “حواء” في هذا اليوم. البارحة وانخطاف التيار الكهربائي في بدايته، كان النوم الحلّ المثالي، وحين جهزت قهوة الصباح وجدت رسالة من صديقي “رامز النويصري”: (صباح الخير.. وكل سنة وأنت طيبة وعقبال 200 شمعة).
 
………….. هل ثمة ما يفصل بين العام والخاص، بين خطوات البنت التي تجاسرت وكتبت وعبرت عن أراءها وأحلامها، وكان السؤال عن القراءة، هل كانت الجسر الذي عبرت عليه أم هي أحد العوامل التي ساعدتني لأتبين طريقي؟
وأن تكون رواية (الزنبقة السوداء) هي أول رواية كاملة أقرؤها في ذاك العام الذي برزت فيه كتلميذة متفوقة، وربما قبل أن يجيء يوم ميلادي (الحادي عشر) عثرت عليها وكأني عثرت على كنز أو اشارة، لأني بعد قراءتها شعرت أني أصبحت كبيرة وبدأت أفهم.
عام 1973م، ذاك العام الجميل حين ركضت كفراشة مع ابنتيِّ خالي “فاطمة وآسية” من (سانيتنا) إلى (سانية) جدي “امحمد” حتى أختار الهدية التي أريد، كان خالي “مصباح”، مسافرا إلى القاهرة وحين عاد بالهدايا طلب منهما أن أجيء لأختار ما يعجبني، وهكذا دخلت (المربوعة) وجدت خالي، سلمتُ عليه ثم وجدت ثلاثة فساتين مفروشة على الأرض؛ السماوي والأخضر الزاهي (الزرعي)، والأصفر، نفس القماش ونفس التفصيلة فقط الاختلاف في اللون، وبسرعة هجمت على الفستان الأصفر وضممته إلى قلبي.
حينذاك سمعت شهقة بنتيّ خالي وضحكهما لأني اخترت اللون الذي لا يحبانه، ضحكنا معا ولعبنا، وكان هذا الفستان الأصفر الزاهي مثل اشراقة شمس هو الذي ذهبت به لمدرستي لأتسلم النتيجة وصحيفة الصف الرابع، مازلت أذكر ترقبنا ونحن نقف صفوفا وكل معلمة تقف أمام صفها وتقرأ النتائج وهكذا وأبلة “نوارة” ترفع صوتها الحبيب باسمي أخرج مزهوة بخطوات واثقة لأتسلم صحيفتي، ثم يكون الركض إلى (السانية وحوشنا)، والفرحة وتوزيع تلك القناني الزجاجية (ميرندا وبيبسي وسفن آب) على كل بيت فرحة بنجاحي.

وها أنا في يوم الثلاثاء 11يونيو 2019م، أحاول أن أقبض على سيرة هذه التي تدّعي أنها: كاتبة/ شاعرة/ صحافية. “رامز النويصري”، الشاعر والمثقف وصاحب (بلد الطيوب) أخبرني أن هذا اليوم سينشر أول حلقة من هذه (السـيرة)، رسالة جاءتني منّه على (ماسنجر)، صفحتي الثانية (صباح الخير.. الجزء الأول من السيرة ينشر غدا)، 10:14ص، وها قد جاء الغد يا “رامز”.
 

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية؟! (2)

حواء القمودي

للتاريخ فقط (9)

عبدالحميد بطاو

للتاريخ فقط (20)

عبدالحميد بطاو

اترك تعليق