سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (29)

مع مجلة المختار…..

مجلة المختار

في صباح الثلاثاء؛ حيث العقارب تلتهم الأيام، لا أتذكر الرقم الذي وصلت إليه هذه السيرة، و لم أستغرب أن صديقاتي وأصدقائي الذين يتابعون هذه السيرة، لم ينتبهوا لانقطاعها مذ جاءنا العام2020، (كل فول لاهي بنواره) هكذا نقول في أمثالنا، ولكني وأنا أتذكر المجلات التي زودتني بالمعرفة مثل مجلة العربي، تنبهت أني نسيت مجلة متميزة وهامة هي مجلة (المختار)، وهي مجلة أمريكية وكم يقول البعض تسوّق لأمريكا، وهل هناك أجمل من الثقافة كي نعلن عن أفكارنا ونزرع دروبا بالمعرفة والرؤى الجديدة (منذ أكثر من ساعة ثمة أصوات بعيدة تقول أن الحرب تعود….).
إذا كانت مجلة المختار من المجلات التي حظيت بقراءتها والتجول في حقولها الانسانية والتعرف على نمط عيش مليء بتحقق الذات والبحث عنها والتعبير عن رفعتها، مقالات وحكايات ومعارف، مازلت أتذكر حكاية صاحبة (الرئة الحديدية) وكيف تعيش وتفكر وتحب، رغم إنها في ظل ثقل تلك الرئة؟ لا أستطيع إلا الاعتراف إن هذه المجلة أحد مكونات ثقافتي، هذه الثقافة التي كوّنت لي عالما خاصا وفتحت لي آفاقا (لا بأس ثمة صوت………).
في لحظة تفكير أتساءل: كيف قابلت مجلات وكتب دعمت ما أستطيع تسميته (الحس الإنساني) في داخلي، أن أجد كتابا مرميا في (سانية) اشتراها أقارب لنا، وكنت أساعد بالتنظيف فاكتشفت كتابا ضخما بنظري، رفعته على الأرض استندت على عصا المكنسة، نفضت عنه التراب، وفتحت وبدأت أقرأ، كان الغلاف ممزقا ولهذا لم أعرف ما هذا الذي أقرأ، فقط حين وصلت إلى عبارة ارتفع صوتي (الله) سألتني القريبات: (على شنو؟) بدأت أقرأ: (أحبوا أعدائكم باركوا لأعنيكم……. مثلما شمس الرّب تشرق…..)
ولكن صوت الاعتراض ارتفع: (والله نسامح اللي ظلموني ونحب اللي ما يحبونيش!!!)، لكن حواء وهي تحتفظ بالكتاب عرفت من والد المعترضات أن هذا (كتاب الانجيل)، أصحاب هذا البيت الذين اشتروا منهم تركوا أشياء كثيرة منها بعض الكتب وكان هذا من ضمنهم (احتفظت به رغم التحذير أنه محرف): معليش عجبني الأسلوب!! هكذا قلت.
بعد سنوات سأعيّره لصديق ولم يرده لي حتى هذه اللحظة، وقبل أن أنسى كانت هذه الحادثة عام  1981، وكنت أيضا اقرأ لـ”غادة السمان” مقالاتها في أي مجلة تنشر بها، وفي عام 1983، حين عادوا لإقامة معرض الكتاب مجددا في طرابلس، كتبت كل العناوين التي أصدرتها وأعطيتها لأخي الذي ذهب مع صديقه لشراء كتب منهجية، جاءني بحوالي عشر كتب، قصص رواية ومقالات.
نعم؛ غادة السمان لها نصيب في تكوين تفكيري، وأسلوبها المتميز شعرا مقالة قصصا ورواية، ولكن كيف وصل كتاب غريب وقاسٍ إلى يديّ البنت الحالمة التي تخرجت وصارت معلمة وهي تكتب وتخفي كتاباتها وتراسل برنامج (من البريد إلى الأثير) وتستمع لـ”مارسيل خليفة”، وتحب “جمال عبد الناصر”، كيف وصل إلى يديها كتاب كانت حيازته تعرض من يمتلكه للسجن، مثلما كتاب (لا اشتراكية في الاسلام) الذي اخبرت استاذ اللغة العربية أتذكر ان لقبه (شميس) كنت في العام الاول معهد، ارتبك الأستاذ وتلعثم وانا أذكر اسم الكتاب وذهب سريعا من أمامي؟؟؟

معالم في الطريق

الكاتبة غادة السمان (الصورة: عن الشبكة)

هذا هو الكتاب الذي وقع بين يديّ أنا المتخرجة حديثا من معهد المعلمات، والتي شاركت فيما يشبه الاضراب حين طلب منا الانضمام للكلية العسكرية للبنات، فالتزمنا البيوت حتى دعوتنا مجددا بتعيين جديد ومدارس غير التي كنا بها، أتذكر أنه العام الثاني لي كمعلمة حين وجدت كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) في بيت أقارب نبهوني بشدة ألا أغامر بالحديث عنه وألا يراه أحد لدي، وبدأت قراءته لأدخل عالما من الحزن والارتباك.
فحواء بنت متدينة تلبس الحجاب وتصلي النوافل وتصوم تطوعا لكنها تحب التلفزيون، المسلسلات والأفلام، تحب عبد الحليم وفيروز . تقرأ لنزار قباني وإحسان عبد القدوس محمد عبد الحليم عبد الله وغادة السمان وووووو.
ما هذا الذي تقرؤه ويقول لها أنك في عالم يعادي الله ورسوله وأنها عليها أن تغير هذا الوضع ولو بالقوة…؟؟؟؟ تعذبت كثيرا وعشت أياما وليال غريبة، ولكن ربما لمروري بتجربة بعد ارتدائي الحجاب وتديني كيف بدأت أولا أشعر بأني أفضل ممن حولي، ثم داخلني شعور بالاغتراب عنهم أو أنني لا أنتمي إليهم، ولكن لأنني قارئة وقراءاتي متنوعة وكنت أتابع مقالات الكاتب (فهمي هويدي) في مجلة العربي الكويتية، وأنتظر بداية كل شهر لتكون مقالته أول ما أقرأ، اعترف أن هذا الكاتب أنقذني من الانزلاق في تلك الهوة، (رغم أني مارست دور الداعية ولكن ليس بطريقة فظة بل بالحوار والنقاش)، وربما لطبيعة الشاعرة الكاتبة التي تراسل صحيفة وتنشر مقالاتها، وأيضا لأني ببساطة أحب الناس والضحك والغناء، فكيف أحاربهم…؟؟؟ ربما ثلاثة شهور عشتها في تلك الدوامة وأنا أقرأ كتاب (سيد قطب) وأعيش عذابا، وليكتشف (خوي الكبير) في حديث معه أن هذا الكتاب بحوزتي، فأمرني بحرقه توأ لأنه خطر علينا جميعا، وناقشني وأوضح لي كيف أن هذه الأفكار بعيدة عن ديننا وكيف أن هذا السيد قطب كان ناقدا ويكتب حتى الشعر، أحرقت الكتاب و تنفست الصعداء وعاد قلبي ينبض بالمحبة، لكن عقلي لم يكف أبدا عن النظر لعيوب المجتمع الذي أعيش فيه، روحي واصلت التألم من أجل كل اللواتي طالهن عسف الاخوة والآباء والاقارب الذكور، نعم حواء تلك الطيبة كانت بئرا عميقا لأسرار العاشقات، ينثرن في قلبها الوجع ويسقين وردة الرفض والتمرد في روحها وهن ّيبكين على كتفها النحيف.
ولن تنسى حواء تلك العاشقة التي كانت قريبة لها توجعها بذكر اسم حبيبها وتنظر إليها متشفية ربما، كان عرسها على آخر وكانت تتألم، وكنت بالصف الأول الإعدادي ورغم هذه السن الصغيرة كانت تصادقني، وقبل ذهابها وقبل أن تكتمل حفلتها بقليل انقطعت الكهرباء، ودخلت تبحث عن الكبريت لتوقد الشمع، وجدتني منزوية في آخر الحجرة رأتني على ضوء النهار الذي يودعنا من شباك واسع، جلست على (المندار) بإرهاق وجئت باتجاهها زادت الظلمة وسكن كل شيء وأنا احتضنها أضع رأسها في صدري وهي تهتز بنشيج مكتوم……
حين استيقظت بعد ساعات تذكرت كيف قبلتني واحتضنتها وباركت لها، نهضت وتركتني على ذاك الفراش لأستغرق في النوم.

وبعد العام الرابع….

من أعمال التشكيلي عبدالرزاق الرياني.
من أعمال التشكيلي عبدالرزاق الرياني.

في ارتباكي في هذه الكتابة تساؤلات تواجهني!!!
وأتذكر الكاتب (أحمد إبراهيم الفقيه) والذي تجاوز الحديث عن السيرة الذاتية، ليتحدث عن سيرته الأدبية، هو كاتب مرموق هو (رجل) ولكن قصدا تجاوز هذه السيرة لأننا في عالمنا هذا لا نستطيع أن نقول كل السيرة، لا نستطيع لمسّ النقاط الحادّة والحارة، لا نستطيع الكشف عن جراحنا والبوح بوجعنا الحقيقي، أتذكر كاتبا عربيا ومذيعا في حلقة من برنامج (خليك بالبيت) وحين بدأ الحديث عن عذابات طفولته، كيف كان أبوه يعاقبه بربطه بحبل وإدلائه في بئر، كنت انتظر بقية الحكاية لأفهم طريقة مقاومته وخروجه من نفق هذه الطفولة المعذبة، فإذ باتصال هاتفي يجيئه من ابن أخته، ليخبره عز فرحة اخته واستعداد العائلة للتباهي به والافتخار، ولكن ها هي تبكي لأنك تقول للعالم كيف كان أبونا…..؟ وارتبك الفنان وصمت لم يكمل حديث طفولته، فنحن لا نستطيع ان نتقبل إننا بشر عاديون و أن الحديث عن هذه المواجع هو بحث عن حلول، بحث عن قسوة هذا الأب ومئات من الآباء من أين تنبع ولماذا، دائما علينا أن نظهر أمام الآخرين في أفضل حال لا ينقصنا شيء وحياتنا كاملة.
إذا كيف تستطيع كاتبة أن تقول وتبوح وتكشف؟
كيف تمضي سيرة بنت في العشرينات من عمرها دون حكاية حب، دون تلويحة يد ورسالة مهرّبة؟ البنت التي قرأت نزار وغادة وقصص محمد عبد الحليم عبدالله والسباعي والتي تعشق عبد الحليم وتحفظ أغانيه.
نعم هناك أشياء في السيرة اكتشفت أني لم اذكرها (في طفولتي) لأنها قد تكون واضحة في الاشارة إلى اشخاص محددين.
البنت الصغيرة حوا لم تنس كيف تفتش (امرأة ما) في العيد الصغيرة ثياب أخوتها الصغار تريد أن تكتشف (وسخا) وتنظر للبنت (توه عندكم أمية ما فيش سبلة للوسخ) لكن تلك الصغيرة هل اخبرت أمها؟ نسيت وأريد أن أنسي الألم والعجز الذي شعرت به وهي (تفركس) في ثياب عيد أطفال صغار لأنها تكره أمهم وتريد اكتشاف شيء كي تشعر بالرضا وان اطفالها الأحسن، نعم كبرت الآن أخوتي كبروا ولكني لم أستطع محو هذا المشهد، سامحت تلك المرأة وعرفت وجعها ولكن وجه الطفلين المندهشين من اليد التي تلخبط ترتيب ملابس العيد لتبحث عن (الوسخ).
مازال يحفر روحي، هل أنا قاسية مع نفسي؟؟؟ ربما….
هذه إذا مجرد حكاية من طفولة بعيدة خبأتها ولم أكتبها إلا في هذه اليوم في هذه الخطوة (ربما الثلاثون) من سيرة كتبت أنها محاولة للقبض على السيرة الأدبية….
 
فجر الثلاثاء 21-1-2020/ 5:24

مقالات ذات علاقة

من قامات ليبيا الابداعية : محمد حقيق عاشق التراث

رامز النويصري

المؤرخ أ. علي الصادق حُسنين

أسماء الأسطى

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (22)

حواء القمودي

اترك تعليق