سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (21)

21- يحدث أن تكوني مهيضة الجناح…!!

مرت أيام كثيرة مذ كتبت مقتطفا من السيرة حتى وصلت إلى الـ(20).. حيث تلك الأعوام المليئة بالتعب والشغب، حيث حواء البنت التي عاشت أياما مفعمة، عن صداقتها بالأساتذة من الشقيقة مصر، الذين رأوا فيها الاختلاف، عن أستاذ مادة التربية الصحية الذي استغرب أن طالبة بالصف الثاني معهد تعرف الفيلسوف (هوايتهيد)، وسألني فقلت: قرأت مقالة عنه في مجلة العربي!

مجلة العربي.. بصورة غلاف من ليبيا لعددها 174، مايو 1973.
مجلة العربي.. بصورة غلاف من ليبيا لعددها 174، مايو 1973.


ومجلة العربي كانت سبباً في صداقتي مع أستاذ اللغة الانجليزية، وكان معلما للقسم الأدبي ولكن في حصة احتياط أشرف علينا في الساحة ووجدت (مجلة العربي)، بين يديه وبدأت حديثا فتح بابا لصداقة المعرفة مع الاستاذ “حـمدي”، وأمّا أستاذي الجميل (محمد نصر “أبودينا”) فهو معلم الرياضيات وكم استمتعت بحلّ المعادلات الرياضية ومساعدته لنا حين نخرب الحل، وحين أراد السفر نهائيا ربما عام 1981 أو 1982، ولمعرفته بشغفي بالقراءة، أخبرني أن مكتبته كاملة وبها اعداد من (مجلة العربي)، كاملة لمدة ثلاث سنوات سيهديها لي.
حين أخبرت أخي الكبير عن هذا قال لي: اعتذري منه لأن هناك احتراز على من يتبادلون الكتب فكيف بإهداء مكتبة كاملة؟!
وهكذا أهداني كتاباً عن تاريخ الحضارة الإسلامية وظلت غصة تلك المكتبة من المعارف في قلبي.

مازلت أتذكر مناكفة حدثت بيني وبين أستاذي “أسامة السيد” عن “نزار قباني”، وحين كانت فترة الاستراحة جئت باتجاهه وكان معه أستاذي “محمد نصر” مع صديق لهما، واحتد النقاش وخاصة حين قال الاستاذ أسامة: ومن دي اللي قايم الدنيا عليها الناس بتموت كل يوم في فلسطين ووو تدخلت منفعلة.

الشاعر الكبير نزار قباني
الشاعر الكبير نزار قباني


يا أستاذ “بلقيس” دخلت السفارة العراقية التي تمّ تفجيرها وكانت هي من الضحايا، تصور زوجا ومعه طفلان صغيران ينتظران أمهما ولكنها لن تعود، هذه هي “بلقيس” التي يرثيها الشاعر، وأشهد أن الخجل والذهول اعترى استاذي وقدم اعتذاراً لأنه لم يكن يعرف حكاية القصيدة عن “بلقيس الراوي”.
شكرا لكم..
شكرا لكم..
فحبيبتي قتلت.. وصار بوسعكم
أن تشربوا كأسا على قبر الشهيدة
وقصيدتي اغتيلت..
وهل من أمة في الأرض..
إلا نحن تغتال القصيدة
 
بلقيس كانت أجمل الملكات
في تاريخ بابل
بلقيس..
كانت أطول النخلات في أرض العراق
كانت إذا تمشي
ترافقها طواويس
وتتبعها الأيائل
بلقيس ياوجعي
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل…

حـواء الداعية…
كنت سأكتب عن تلك البنت التي كتبت رسالة صغيرة لأستاذة مادة الكيمياء (الاستاذ وليم)… ولكن والساعة الأولى من يوم الخميس 26 سبتمبر تكاد تنتهي وبعد كتابتي لنص يبدأ هكذا:
فم الغياب
يزدرد أيامي
وانتظار تحميله كمنشور بصفحتي، تذكرت كتابة المبدع “محمد الأصفر” وظل التمثال الذي يستمتع بالجلوس معه والغفوة في حضنه، حينذاك تذكرت زيارة “جمال عبد الناصر” لطرابلس في بداية عام 1970م، والبنت الصغيرة حوا تتبع جدتها “صالحة”.

جمال عبدالناصر في طرابلس
جمال عبدالناصر في طرابلس

أفقد حماستي للكتابة أراوغ ربما، الذكرى ماثلة في قلبي وأنا أمسك بقبضتي الصغيرة طرفا من فراشية “حناي صالحة” جموع وجموع تفيض وتندلق في (فم المنقيت)، تدخل من البوابة المشرعة، بوابة قاعدة (عقبة بن نافع)، (هويلس سابقا)، موج عارم يأخذنا جميعا والبهجة كأنها بحر يفيض ويرفع هذه الجموع الراكضة إلى سماوات، الساحة كبيرة واسعة والكراسي تصطف جدتي تجلس ولكني لا أتحصل على كرسي فأقرفص حذو ظل كرسيها أنهض لأراقب و”فاطمة” معي، نعم صديقة طفولتي جارتنا “فاطمة” معي، نحاول أن نشبّ لننظر باتجاهات مختلفة ربما حاولنا أن نعدّ كل هؤلاء الذين فاضت بهم الساحة الكبيرة، باتجاهنا رجال من مختلف الأعمار جلوس وقوف ولكن الواقفين أكثر هتافات وأهازيج وسيدة نسيت اسمها، ولكن هي من عائلة مجاورة لنا تهتف وتهزج فيجيبها (شيباني) من الجهة المقابلة، جلست في ظل كرسي حناي ثم يرتفع الموج ويكاد يأخذني (عبد الناصر يا جمال)، أرتجف وأنا أحاول أن أرى المشهد مجددا وجدتي تأخذ بيدي لتحميني من الأرجل الراكضة… (القاعدة) كبيرة واسعة وخطواتنا وصوت “عبد الناصر” والهتافات وأبي يقابلنا ويعاتب جدتي: علاش رفعتيها معاك ، كانا راحت منك؟!!
كنت وحيدته يخاف عليّ من نسمة تهبّ فكيف في احتفال تكاد طرابلس كلها حاضرة فيه!!
لماذا تضيع الأحلام ولماذا يموت “عبد الناصر” في (28 سبتمبر 1970)، وأبي الذي يبكي وخالي الذي (يرقد بالفراش) أي حزن فاض حتى نبت في قلوبنا نحن الصغار…؟!!
 

مقالات ذات علاقة

في ذكرى ميلاد (عقاد ليبيا) على مصطفى المصراتي

سالم أبوظهير

امرأة خارج العزلة (الجزء الاول)

فاطمة غندور

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (18)

حواء القمودي

اترك تعليق