سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟

شتاء يتدفق … وابتسامة سيدة النساء ….

مثل ملكة متوجة تجلس على كرسيها، ابتسامتها المضيئة و اشتياقي ويدها الطرية تحتشد بالمحبة وهي تمسك بيدي، كان اليوم الإثنين الثاني من شهر سبتمبر وكنت اللهفة ذاتها كي ألون قدميها ويديها بالحنة، هي من طلبت أن أحظى بهذا الشرف ولكن ثمة مايطرأ.! وهكذا حظيت بصحبتها والنظر لها و طلبها أن أبقى،( معليش ياخالتي تعرفي الظروف).
هي في حياتي تفاصيل محبة وبهجة وعطاء، حين تجيء إلى (حوشنا) حيث أختها الكبرى “حناي صالحة”، يغدو هذا الحوش جنان بهجة حيث كل العائلة ستكون حاضرة بنات اختها وبنات أخيها “خالي محمد”، وووو (السانية) كلها تستمتع بحضورها وتزهو بحديثها العذب وتسألها عن تفاصيل دينية (استقت معرفتها من زوجها المتفقه في الدين). (عالة الشاهي وخبزة الفرن، ولكن (خبزة الكوشة) التي تجيء بها تكون الأشهى لنا نحن الصغيرات المتحلقات حولها.
وفي التفاصيل الأثيرة التي أثثت ذاكرة الروح واستقرت في القلب ثمة شتاء دافق والبنت ذات الأعوام العشر يندلق وجهها على زجاج نافذة السيارة، والبنت “حـوا” ترقب الشوارع النظيفة الواسعة والمطر يتدفق ليزيدها طراوة، والرحلة التي تقطع السيارة الشوارع كي تصل لغايتنا كانت إلى بيت “خالتنا سالمة” تلك الخالة التي يجمعنا حبها والاشتياق إليها، المطر يتدفق وصوت عجلات السيارة يخب والفرح الغامر لأننا حين وصولنا إليها سنكون في (المدينة)، مدينة (اطرابلس) نحن الآتون من (سواني سوق الجمعة).

خالتي سلومة
اخويلتي سلومه


البيت التي هي سيدته في (باب الحرية) والعمارة التي يفتح بابها على (سوق الحوت) والمجيء إليها رحلة حب وفرح تجمعني وبنتي خالي “مصباح”، صاحب هذه السيارة والتي تكاد تغرق وشتاء عام 1973م يفيض على مدينة تنفتح شرفاتها على البحر فيختلط عبق ملحه مع عبق الشوارع النظيفة، والبنت ترقب المطر تنظر الماء الذي يعلو ولا تخاف حين يصل قريبا من ذقنها المتكئة على زجاج النافذة، صوت أمي وخالتي “صالحة” وزوجة خالي والبهجة التي كانت عنوان الاستقبال، وخالي “مصباح” مع أولاد خالته فغالبا “عمي الفيتوري” يمنح الكثير من جهده ووقته للعمل في مكان يعتبر أن الاهتمام بأهله هو أجر من الله لا يقدر بثمن.
(عالة الشاهي) والبخار المتصاعد من (البراد) ومذاق خبز خالتنا الشهي، وبنات خالتي “سعاد” و”جميلة” و”ليلى”، والمطر الذي يواصل تدفقه والشرفة التي تنفتح على (سوق الحوت) وصوت امي تحذرني.

ثم… هذه أنا “حـوا” بجلستي الغريبة والكل يستعد للمغادرة، ولكني استغرق في طعم (الفاصوليا بالدجاج) وأمي تستعجلني وصوت خالتي سالمة (صحيحتين خليها تاكل) وهكذا أنهض وطعم الفاصوليا وفخد الدجاج الطري (طعمه مازال يتدفق في فم روحي) حتى هذي اللحظة حين التذكر ورائحة الشتاء وحضن خالتي “سالمة” الدافئ وهي تغمرني (محلاها الفاصوليا يا خالتي)، (صحيحتين يا حويوة).
والليل والمطر الذي بدأ مجددا يتدفق وصوت الرعد والبرق الذي يضيء ننزل الدرجات وأتخافت مع بنتي خالي الضحك ونعد الدرجات كي لا نقع.
وها أنا في اليوم السابع عشر من سبتمبر أجلس لأكتب عن هذه التي هي (أمة من النساء) هي (اخويلتي سلومة) هذه التي تخبرني أمي أن “حناي فاطمة” لا تقول عن اختها الصغرى إلا (سلومة يسلم الله اقدامها)، هي صديقتي التي تدربت معها على قيادة السيارة عام 1993م، صديقتي التي أفضي لها بمكنونات القلب وأشكو لقلبها الكبير إذا نالني ضيم.

أحاول مواربة الحزن والادعاء أنها (هنا) هنا في كل الحب والحنان والرعاية والصداقة التي محضتني، هي البنت الصغرى (آخر العنقود) في بنات الحاجة (امناني بنت العلام) هي الراضية المرضية المدللة عاشقة الحياة، في طعم طبيخها الفايح ألتقم طعم محبتها وبهجتها وجسارتها، منحت وأكرمت وعشقت الحياة والناس، الشغوفة بالمعرفة حتى أنها درست بمحو الأمية ونالت الشهادة الابتدائية ثم الإعدادية وهي ربة بيت وأم لسبع أولاد وثلاث بنات.
أكتب عنها وأتذكر تلك الراقدة في نعش بدأ رحلته من الإسكندرية، المدينة التي كانت تناديها لترفرف روحها هناك إلى بارئها، رحلت وتلك الابتسامة الوضيئة مرتسمة على شفتيها وأضاءت وجهها الذي تنور وعين الروح ترى المكان العلي الذي عرجت إليه، الرحلة تبدأ يا سيدة النساء وأنت ترقدين قرب الأهل والأحبة في (سيدي الشويرف) ليس بعيدا عن البحر وعن رائحة تلك السواني بنخلها الشامخ وزيتونها الراسخ،
فأي الكلام يستطيع أن يعبر عنك وأي الجمل ستقول قدرك!
 
(اخويلتي سلومة)
سلام عليك يوم ولدت
ويوم تبعثين أمة من النساء.

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (16)

حواء القمودي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (8)

حواء القمودي

شريفة القيادي سيرة المُبدعة الليبية

فاطمة غندور

اترك تعليق