سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (11)

11- هل وجدت المرأة الوحشية؟؟؟؟!!!!!

من أعمال التشكيلية حميدة صقر.
من أعمال التشكيلية حميدة صقر.

يوم يمضي الأحد؛ الرابع عشر من يوليو. أذان المغرب يرتفع وقبل قليل عادت الكهرباء والتي نهضتُ عند السابعة صباحا فلم أجدها، ولكن قهوتي تغير مزاجي! فأبدأ يوماً آخراً
يومٌ لألملم بعض روحي وأنبش صفحات كراساتي المتناثرة، والبحث في أكوام الصحف والمجلات، وهكذا سأجد كتاب (نساء يرقصن مع الذئاب). هو كتاب سمعت باسمه أول مرة من “فاطمة غندور”، ثم أوصيت أخي الأصغر في رحلته إلى القاهرة بحثاً عن مصادر لدراسته للماجستير عن كتاب بهذا العنوان. وأخبرني أنه بحث طويلا في مكتبات معروفة بالقاهرة ثم في (سور الإزبكية)، تجول طويلا وسأل وأخيرا وجده عند سيد طاعن في السن، نظر إليه نظرة متواطئة متبسما حين ذكر عنوان الكتاب.
وعثرت على عدد من “مجلة البيت” لأجد به نصاً نسيته تماماً، ولكن من أول نظرة عرفت أن روح كتاب “كلاريسا بنكولا” رابضة فيه، هذه التي تدعونا (نحن النساء)، في كتابها أن نطلق سراح هذه الرابضة (المرأة الوحشية) في دواخلنا:

عنوان النص
البارحة.. الليلة.. أمس.. اليوم.. وغدا


تمتليء روحي بعواء ذئبة وحيدة..
الليل ليس موغلا في سواده
الظلمة حالكة
أفتَكُّ البياض لأركض
لأعرف أين تأخذني هذي الدروب.*

وها أنا مازلت أحاول أن أقبض على سيرتي الإبداعية!
فأتذكر كتبا، قصصاً، مجلات. وهل أنسى أول ديوان شعري لـ”نزار قباني”، حظيت به من صديقة لم تكن مهتمة بالكتاب ولا بالقراءة، ولكن صدف أن شاباً يحبها قذف لها بكتاب صغير لم تفهم منه كثيراً كما قالت، وكان هذا الكتاب هو ديوان (قالت لي السمراء) حين قرأت العنوان ورأيت اسم “نزار” بدأت أرقص وأدور في غرفتي وهذه الصديقة تضحك: شن فيه؟!
– درباً آخر ينفتح يا “…..”، أنت لا تعلمين ماذا فعلتِ بي؟
جلسنا وبدأت أقرأ. وأعترف أن بعض النصوص أربكتني، وأرعبتني، وصديقتي تطلب مني أن أشرح لها لـتـعرف؟!!!

في ذاك الخريف الأول في بيتنا الجديد وبعد نصوص هنا وهناك، أقرؤها في المجلات والصحف وأغنية “نجاة الصغيرة” (أيظن)، و”عبدالحليم” ختم مسيرته بقصيدة (قارئة الفنجان):
في حياتك ياولدي امرأة
عيناها سبحان المعبود
فمها مرسوم كالعنقود
والشعر الغجري المجنون
يسافر في كل الدنيا….
قدرت امرأة ياولدي
يهواها القلب
هي الدنيا
…..

إذاً هو ديوان صغير (قالت لي السمراء)، ولكن هو أيضاً درب لتجربة شعرية تنبض بين يديَّ وأنا أتطلع إلى عالم الكلمات وأحلم… هل في ذاك العام تحديداً كتبت أول قصيدة (نـثـر)؟ أسأل نفسي هذا السؤال، وأبحث في الإجابة معكم أصدقائي، ومعكن صديقاتي، لماذا؟

لأني أحببت (فتًى صغيراً، قصيراً، أسمراً)، لايشبه حلمي في شيء! ولكنّي أحببته!، لم أفتح شباكاً لأراه، بل كنت أراقبه من خلف فتحات النافذة، ولأنَّنا كنا جيراناً جدداً فقد جاءت أمه لزيارتنا والتعرف علينا مع أخريات، وهكذا عرفت اسمه، ولا تسألني واحدة، أو واحد منكم كيف أحببت؟!
حين نكون في السادسة عشر، فبسهولة نقع في تلك الدائرة التي تلتهمنا بسرعة عجيبة، هكذا وجدت نفسي غارقة في مشاعر، لن يعلم بها صاحب الشأن ولكن ستحتضنها كراستي، وذات يوم جاءت أمه حاملة (سلة ملابس) وطلبت أن (ننشرها) على حيطنا الواسع والذي تشرق الشمس به وتحضنه في المغيب، صعدت بتلك السلة راكضة وبدأت وبكل مشاعري أنشر الثياب علي (حبل غسيلنا) ولن أخبركم عن فيض المشاعر التي هدرت داخلي وأنا ألامس ثيابه وأفردها وأعلقها بحنان مضاف. أكملت المهمة وانزويت بالغرفة التي تفتح على سطح بيتنا، معي كراستي وأقلامي وبدأت أكتب عن البنت التي تحب وعن مشاعرها وعن حصونها التي تدك وعن رائحة ثياب من تحب، في ذاك النص رقصت البنت وشطحت في أحلامها وانتبهت أنا (كاتبة النص)، أنه لم يكن كما تعودت أن أكتب بقافية، بل نص مسترسل يحكي ويوثق تفاصيل ومشاعر، وطبعاً لن يظل هذا النص كثيرا مع نصوص أكثر لأني تعودت خوفاً من وقوعها بين يدي الرقيب الدائم على أوراقي أخي “…..”، تعودت حرقها.
وبالصف الأول معهد، ساعدتني صديقة في هذه المهمة، أعطيها كراسات لتحرقها بعد قراءتها، أو نصوصاً جديدة تبوح بأشجان القلب، كانت تقول: خسارة يا حوا!!!

ولكنِّي تعلمت أن أحرق خربشاتي وأحرق كتباً ومجلات، أخفيها وحين أكمل القراءة أردّها لصاحبتها، أو إذا كانت لي أقوم بحرقها، فذات عام كنت أحتفظ بأعداد من مجلة مصورة اسمها (سـمـر) حتى أني أحببت أحد أبطالها وكان اسمه “فرانكو كاسبارو” -هههههه-، وكانت لي مذكرة ذكرت بها اسم شخص يشبه كثيرا “عبد الحليم حافظ “، كنت بالصف الثالت إعدادي وكنا مازلنا بالسانية وصندوقي على (السِّدة) حيث أنام وكتبي وكراساتي المدرسية.
هل كان عندنا ضيوف؟ أم ماذا؟ نسيت تماماً!! ما أتذكره هو صدمتي أمام صندوقي الفارغ وبحثي وأمي التي أقسمت أنها حاولت منعه من ماذا؟. لقد أحرق كل أشيائي الخاصة صور “عبد الحليم حافظ” و”نادية لطفي”، التي أعشقها وكل مجلاتي ومذكرتي، ومذكرة كبيرة كان أخي الكبير تركها لي حين سفره للدراسة بها قصص وكتابة جميلة جدا عن “ابنة الأمير”، التي لن يصل إليها حبيبها لأنها متعالية وأبوها يريد مهرها جواهر وأكواماً من الذهب والحرير، ولكن أخي ذاك ظن أن هذه رسالة لي وطلب من ابنة عمتي “…..” أن (تقصقصني) لتعرف من هو “حبيبي”، كنت أبكي على خصوصيتي وأشيائي وأقسم لها أن لاحبيب لديَ.

أتذكر أني صعدت للسدة حيث صندوقي الفاغر فاه، صليت صلاة العصر. لكن نشيجي يرتفع وأسئلتي التي ستظل عالقة تبحث عن إجابة لمجتمع لا يريد أن يتغير، وهكذا ستبدأ فصول الحكايات، حكايات لا أدري لماذا لم أستطع أن أتجاوز ألمها هل لأني وقعت فريسة لبراثنها؟

لست أدرى فالقلب الأعمى من الوجع حتما سيخطيء الطريق؟؟؟؟؟؟!!!!!!!
يرتفع الآن أذان العشاء، قبله بلحظات اختطفت الكهرباء، وصدح نشيد المولدات مجدداً.
_______________________________
مجلة البيت- فبراير 2007م- ص19.

مقالات ذات علاقة

السيرة الذاتية للكاتبة .. شريفة القيادي

أسماء الأسطى

حدث أبي قال

فاطمة غندور

امرأة خارج العزلة (الجزء الاول)

فاطمة غندور

اترك تعليق