سيرة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (46)

ياااااا مايو

اليوم 30 مايو 2020م، اليوم السابع من شوال1441هجري، اليوم السبت.
ولن أقول أكثر … سأعبر إلى حكاية السيرة والبحث عن (دلال المغربي) في تلك السنوات المتوهجة.

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

ياااا عام 1994م ياااا!!!!!

نعم! كم أنت مفعم أيها العام وتلك المعلمة (معلمة الثانوي) أو (التعليم المتوسط) في تلك (الثكنة – الجماهيرية). جدول من واحد وعشرين حصة مع ثلاث حصص احتياط، أربع فصول منهما فصلان (ثانية علمي) وفصلان (ثالثة علمي)، والمنهج (اللغة العربية لسنة ثانية/ والدراسات الإسلامية لسنة ثالثة)، وكالعادة سأتغيب بعض الأيام لأذهب لصديقتي الشاعرة “كريمة” في عملها، نشرب القهوة نتحدث عن الشعر والحب والكتب، ولألتقي صديقنا الذي كأنه نسمة بصوته الهادئ (المبدع محمد الطاهر)، ليس الممثل الكبير “محمد الطاهر”، وهناك أيضا سألتقى بفنانة تشكيلية نشرت لوحاتها في مجلة (لا) اسمها “عائشة الديب”.

ثم يخطر لي الخروج لأعرّج على مكتب الأستاذ “يوسف الشريف” في مؤسسة النفط، لأكمل مشواري إلى بيت الأحبة (عمي الفيتوري وخالتي سالمة)، وحتما سأجد واحدة من الصديقات من العائلة أو حتى من صديقات (جميلة).

وفي فبراير من ذاك العام، في ليلة شتوية ستكون تلك الليلة، ليلة في المسرح الحر على خشبة مسرحه، ولا أدري ما سر تلك الحميمية وذاك الدفء الذي يعبق به ذاك المكان، نعم هو مكان صغير ولكن دفئه باتساع ليبيا، وتلك الليلة سأكون هناك لأن خبر تلك الأمسية كان متداولا والجميع أقصد الصديقات والاصدقاء تواعدنا أن نكون هناك، وطبعا ستكون (جمولة الجميلة) و”كريمة”، ووووو الأصدقاء “محمد الطاهر” والشاعر “عبدالحكيم كشاد” والشاعر “معمر الزائدي”، وهناك  وجدت “مجاهد البوسيفي” و”زكريا العنقودي”، والمكان يكتظ ولكن يا الله حتى (بابا يوسف الشريف) وشاعرنا الطفل (على صدقي عبد القادر)، كان ذاك الشاعر (الطفل بعكاز لأنه كان ثمة كسر برجله)، وكنت حين رأيته أقبلت عليه بتحية تليق به وعرّفته بشخصي المتواضع، و يااااا أيها الطفل الكبير الرقيق وقبل انتظام الأمسية، الذي  كلما مررت من أمام كرسيه وقبل المرور بلحظة يقف فأخجل وأطلب منه الجلوس فيقول: حين تعبر شاعرة على الدنيا أن تقف!!، وهكذا أسرع من خطوتي حتى يجلس.

وهل تكون أمسية للشعر واللقيا، ولا يكون الكاتب الأنيق صاحب اللثغة والرقة “محمد الزوي”، وهل سيغيب صديقنا “علي الجواشي”، و كيف لا يحضر عاشق الشعر الحديث والذي يسكبه على صفحات (صحيفة الطالب) صديقي “عادل عبد الواحد”، ولا أدري هل حضرت صديقتنا الشاعرة “أنيسة التائب”، هل كانت الرهيفة مثل نسمة “فريدة طريبشان” هناك، وأنا مثل طفلة انطلق لأقطف باقات البهجة وأنتظر كيف ستغدو تلك الخشبة الصغيرة للمسرح الحر حين تبدأ تلك الأمسية حيث المطر تعزف لحنها والريح تترقب. وستبدأ الأمسية و سيكون الافتتاح (عتبي على ذاكرتي ولكن أظن بشكل كبير أن الشاعر  “معمر الزائدي” هو من قدم الأمسية)، وهناك على خشبة المسرح الحر، تجلى صديقنا الواحد المتعدد   “رضوان أبو شويشة”، نعم تجلى وجعل تلك الخشبة فضاءا لفيوض نصوص رحلت به وبنا إلى آفاق سماء وأرض. يالا الدهشة التي أخذتني ليوقظني تصفيق وانتظار.

يمشي وحيدااااا … 
و
يسكب خمرة الشعر
!!!؟؟؟

يا صديقاتي.. يا أصدقائي…

الشاعر الليبي مفتاح العماري
الشاعر الليبي مفتاح العماري

لقد حظيت بليلة من الشعر، حظيت بالسفر والترحال وحتى الطيران، يااااا أيتها البلاد التي غمرك ليلٌ بهيم كيف لليلة الشعر تلك ألاّ توثق تلفزيونيا، أن توثق فيديو ووو بكل ما هو متاح من تقنية في ذاك الوقت (عام 1994م)، لكن الليل كان حالكا ولا ثمة ضوء إلاّ ما ينثره الأصدقاء والصديقات في ممشى المحبة، ياااااااا خسارتك يا بلادنا… فكيف لا تكون تلك الليلة من الشعر هديتك لكل العالم، تترجم لكل لغة حية ويرى شعراء العالم وشاعراته كيف يغدو الشاعر كائنا شفافا ملاكا نبيا، يأخذنا إلى سماوات ويعبر بنا ملكوت، من تصدقني، من يصدقني أنيّ أكتب الآن وأرتجف، أعيش هناك في تلك الليلة الموسومة الموشومة على فضاء مسرح في طرابلس، حيث ليس بعيدا (سيدي منيذر)، وأكاد أحسّ أن رقاده نهضوا، وياااا أيها الآسر الذي هو رجلٌ بأسره يمشي وحيدااااا، ولكننا نتبعه ونهيم، يا شااااااعرنا “مفتاح العمّاري”، ترحل وتسافر وصوتك  أبواب نعبر منها إلى فضاءات القصيدة، ولتعبر بنا من قيامة الرمل إلى المقامات، ولنواصل الترحال معك وأنت تسكب خمرة الشعر ونحن نطلب المزيد ولا نرتوي، الرجل الذي يريد أن يعبر وحيدا خفيف الخطى حتى لانسمع عبوره وغيابه لا يدري أن الشاعر  أيقظ النّوام و خمرته فتحت أعين الروح، (رجل بأسره يمشي وحيدا) يجرّنا  لا يفكّ قيدنا ولا نريد فكاكا، وتلك البنت التي بكت مسحورة بالسفر تائهة في غمر الشعر لكن سكين الوجع حفر قلبها فبكت…. بكت لأن:

كل شيء في غاية الفساد والأُبَّهة

والشاعر ينادي:

أيّتُها الذئبة 
خُذيني مِن فمي ….

والبنت تبكي مع العاشقات وتسأل:

لماذا كان الحبُّ
سرياً للحدِّ الذي
صرتُ فيه
 لستُ أفهم ….

ويعلو نشيجها تكتمه بشالها الأبيض حتى لا يسمع أحد، لكن صوت النشيج ينهمر أيها المفتاح فتّاح الأوجاع، أيها العمّاري الذي دشّن فضاءات الحنين لينسكب الألم حارقا ….

فنحن هادئون
هادئون جدا
دائما نركب الحافلة
نعبر إلى اليوم الذي يَلي…..

ستتركنا في مدن الحيرة لتغمرنا المسرات وننتبه لمروقك عنّا هاتفا:

رجلٌ بأسْرِهِ
يَمْشي وَحِيْداً
يَعْوي
أيّتُها الذئبةُ
خُذِيني مِنْ فَمِي.

ضحك وغناء وحب….

وتنتهي الرحلة!! لكن لن تنتهي نشوة تلك الخمرة التي سُكبت، ضجيج وتوقيع الديوان وورقة أكتب بها (أحبّك أيها الشاعر) وأظنني قلتها جهارا له وبدماثته قال: وأنا ايضا أحبك..، حلقات صغيرة تتكون وخروج ولكن من هي التي غادرتني لتناقش (رمضان البريكي) في مقالة كتبها (ربما نشرت في (لا) أو (صوت الوطن))، مقالة يتهكم أو يتهم فيها المثقفين بالتخاذل وووووو كنت أناقشه وكان يرد بتهذيب، وكان ثمة شاعر قربه يواصل ترديد كلمة (عيناك رائعتان)، ثم تلك البنت “حواء” تري الاستاذ “يوسف الشريف” مع “زكريا” و”عادل” فتركض باتجاههم للتحية، لأعود فأجد أن ثمة حلقة صغيرة تلتئم بها شاعرنا “مفتاح العماري”، ومن سأتعرف عليهم لاحقا ليكونا من الاصدقاء “محمد الدنقلي” و”بشير الغريب” وأديبنا “محمد الزوي” والصديقتين “كريمة” و”جميلة”، وثمة شاعرة ورسامة، طيران وبهجة لأقول للشاعر سأهديك أغنية، أغنية “مارسيل خليفة” أمي كما أظن،  يا ليتني اخترت أغنية (كما ينبت العشب بين مفاصل صخرة وجدنا غريبين معا..
وكانت سماء الربيع تؤلف نجما ونجما
وكنت أؤلف فقرة حب لعينيك لعينيك) ….

ارتبكت في البداية فانطلقت ضحكة صاخبة من الشاعرة وصديقتها الرسامة انقطع سيلها بنظرة من شاعرنا “العماري”… ولينطلق صوتي صادحا في فضاء المسرح الحر في ليلة شتوية من فبراير، ليلة تدفأت بفيوض الشعر وتدفق مطر نبلها في كل تصرف للشاعر “مفتاح العمّاري” والذي كنت محظوظة مرة أخرى لأعيش في حضرة فيوضه بعد عشر سنوات من تلك الليلة في (دار حسن الفقيه) قريبا من البحر والنوارس المحلقة والسنونوات، نعم انسكبت خمرة الشعر وكان الأصدقاء؛ مرعي التليسي ورامز النويصري وإبراهيم الككلي، وأخرين واخريات.. وحديث ونظرة.. وتعليق من الكاتب “إبراهيم الككلي”: حوا خلوها هي في عالم تاني!!…

نعم… أنا المحظوظة التي ناولها الشعر كأسه فشربت… وكان الساقي شاعرنا وصديقنا الحبيب “مفتاح العماري”….

مقالات ذات علاقة

الحياة من خلال عدسة التصوير

رامز النويصري

في ذكرى ميلاد (عقاد ليبيا) على مصطفى المصراتي

سالم أبوظهير

كلمات على الرصيف

سالم الكبتي

اترك تعليق