النقد

محاولة الغرفة.. محاولة للقراءة.. محاولة للمس

حتى نهاية هذه المجموعة، نظل بين الملموس والمحسوس، بين البعد في حقيقته (الواقع)، وفي مجازه (الحلم).. بين أن تكون هذه الغرفة أبعاداً يمكن لمسها واستشعار زواياها، وأن تكون أفقاً حدوده الحلم.

أي غرفة تريد “مريم سلامة” تأثيثـها.. مجموعتها الصادرة عن منشورات المؤتمر تحت عنوان (معجم الحمامة/ محاولة لتأثيث الغرفة)، تقدم صورة مغايرة عن تجربة الشاعرة السابقة، أو عن الشكل الذي اختارت أن تكتب به صحفياً.. فهي لا تبغي الشعر بشكلٍ مطلق، في موسيقى وإيقاع، ولا تكتب بطاقة المجاز نثراً، إنها تصنف هذه المجموعة بـ(نصوص) محاولة لفتح الأفق أكثر ناحية القبول بالشكل، والاختلاف فيه.

.. قراءة في محاولة الحس .

هذه المجموعة تراوح بين: الحقيقة، الوقوع، الحلم.. أما الحقيقة فمحاولة الشاعرة كتابة نصٍ أقرب للواقعية، تنطلق فيه من واقع (الآن)، أو ما حدث، وما يمكن أن يكون في القريب جداً، من مبدأ التوقع، فهي في النقطة التي اختارت أن تأثث فيها الغرفة، كانت قد رأت تأثيثها بالوقت الآن، أو ما يقدمه الواقع الذي تعيشه أو تحياه لحظة التأثيث، دون الرغبة بالرجوع حتى لتـزيـين حائطٍ بصورة قديمة.. الزمن الماضي مجرد ذكرى يمكن تخطيها بسهولة، وبسرعة أكبر في حضور مثالٍ حالي (آنـيْ)، فالماضي هو ماضي اللحظة، اللحظة الماضية التي بالقياس للماضي يمكن اعتبارها لحظة الآن.. وإن كانت مهمة العمل تتجاوز الرصد، إلا أن محاولة كتابة (الآن) هي مفترق مهم، في تجاوز هوّة الماضي، والتفكير بمنطقة اللحظة القادمة، التي يمكننا اعتبارها قياساً بالقادم لحظة الآن.. الحلم في هذه التجربة هو الأمنية المطلوبة أو التجاوز المفترض للآن، أما الحلم في حقيقته، هو الحلم الممتد من بعيد الماضي إلى الغد، أفق يلتقي فيه كل شيء، ذكرى الماضي/ الحلم، والحلم الذي سيتجاوزها.. بينما الوقوع هو الحدث في هذا الثبت للحظة والحلم بالتجاوز، والوقوع هنا، تقدمه الشاعرة بشكل أقرب لكونه السقوط، أو النتيجة غير المقدرة (المحسوبة)، النتيجة التي اقتيدت إليها بواسطة القلب، هذا السقوط هو تجربة القلب في معانقته آخر (الحب)، والولوج إلى نتيجته.

نص/ في الانتظار 1:

يأخذ الانتظار حجم (السرير) في سطوة حاجتي إليك

في أوج الفصاحة التي تبديها الروح في التعبير عن جوع الحواس،

وحجم (المحطة) في أوج الحاجة للتخلص منك.

.. قراءة  في محاولة المس .

نص/ في الحب 2:

للارتعاش البكر تاريخٌ لا ينسى

ولكنه أيضاً تاريخٌ لا يكرر نفسه،

فمن ولد مرة واحدة، لا يموت مرتين.

المراوغ في هذه المجموعة، كونها (نصوص)، بمعنى انفتاح حر على الكتابة، تنطلق فيه الشاعرة ببقية الطاقة الباقية من أثر الوقوع، النص لا يقدم جملة شعرية غنائية، ولا جملة نثرية بطاقة المجاز، ومحاولة التأويل.. هذه النصوص كتابة نثرية صرفة مباشرة، بمعنى الكتابة التي تستفيد من طاقة التوصيل في اللغة، دون الحاجة لطاقاتٍ إضافية، فلا تتكئ على اللغة ولا تحاول توليدها، إنها تتخلى طواعية عما يمكنها تقديمه.. النص محاولة للبث (الإرسال)، والبث المباشر الواضح الصريح في شكله وأسلوبه، دون أيٍ من أشكال التـزيِّن، نص يستفيد من طاقة الكتابة النثرية في التواصل والاتصال، فالجملة لا تبحث عن صورة تتشكل فيها أو تأخذ هيئتها، إنما تكتب نفسها كما هي، كما تريد أن تكون هي (الشاعرة)، دون رغبة في استعارة شكل قناع.

النثر هنا نثرٌ مطلق، بقصد الاتجاه الواحد، الاتجاه الذي يحقق رغبة البوح، فلم تحقق “مريم” هذه الرغبة في السرد، بما يحتاجه من تواصل وتعالق، وأيضاً جنوحه لتكوين الصور (المجازات) والتشكيل، ولم تحاول أن تكون كشّافة تحتاج الوقت للتحول من الرؤية إلى الرؤيا، إنما أرادت أن تقدم الشيء كما تحسه بمادة مس هي اللغة، برغبة الوقوف على شكل وأبعاد الغرفة، ومحاولة وصف أثاثها.

ما يُوجد حالة الارتباك، في شبهة الشعر، هو الشكل الذي خرجت به هذه المجموعة، السطور المتتابعة تحت بعضها، التي تشغل بسوادها أو ما تشغله من السواد، الجانب الأيمن من الصفحة، والمشكلة أن هذا الشكل طبع في الدماغ بشكل الشعر الحر بداية، ومن ثم قصيدة النثر.. أما الشكل في هذه المجموعة فقد جاء كاسراً لتواصله، فالجمل كما بدت لنا، أو كما ترتبت على الصفحات، تعرضت لعملية قطع حدَّ التعسف، حيث بدون حاجة تقطع الجملة للسطر التالي وهكذا، وهي أحد المشاكل التي تواجه (قصيدة النثر) بشكلٍ خاص، وهي ناتجة عن عدم الوعي بهندسة النص، حيث أن السطور في تتابعها تشكل هيكل النص (بناءً)، بينما تواصلها وانقطاعها (تواصل/ انقطاع) حركة المعنى.. وهذا لا يعني قبولنا بالشكل الذي خرجت به النصوص، كون نص الشاعرة كان نص تواصل، يعتمد فيه المعنى على حركة تواصل الأجزاء، أو إنه لا يعول على آلية التواصل والانقطاع، بقدر ما يجنح بشكل كبير للتواصل خارج السرد.. ولكن منطق القبول يأتي من رغبة كسر حدة التراصف المنتظم، إلى الامتداد الموزع على الأسطر تـتالياً.

نص/ في الجرح 3:

الحلم أقوى من يدك وهي تطعنه لأن الصدق ترتبته.. والشعر

ساقيته.. وهو من يجعلني الآن أكتب عن جرح العمر بمحبة من

عليه أن يعيش الحياة بحلوها ومرها…

لا نجد من نقطة يمكن للجملة أن تنـزل بها للسطر التالي، بينما لو ألحقت (ساقيته) بالسطر، وما بعد (من) لتمت الاستفادة أكثر من إرسال المعنى في الجملة دون قطع.. النص:

(الحلم أقوى من يدك وهي تطعنه لأن الصدق ترتبته.. والشعر ساقيته

وهو من يجعلني الآن أكتب عن جرح العمر، بمحبة من عليه أن يعيش الحياة بحلوها ومرها…)

والكتابة خارج السرد، تفرض نوعاً من المنطقية، الكتابة من فرضيات القبول والرفض، والتعامل مع الحواف بقدر، فهي كتابة بعيدة عن محاولة الحلم، وإن تحدثت عنه، لا مكان فيها للوجد والتجلي الذي يبدأ رويداً- رويداً يتصاعد بالسارد، لاغية مسافة الرؤية إلى الرؤيا، فهي (أي الشاعرة) تتعامل مع الأشياء بتحليلها طبقاً لقواعدها الشخصية، منطلقة من فرضياتها واحتمالات الحل كما تراها، فيكون النص محاولة للدوران حول النفس لا الذات، وانشغالٌ بما يؤثث لا بكيف التأثيث.. فالنص لا يبحث عن صور، ولا يسعى للتركيب، إنه يقدم حال ومحاولة، اللغة فيه اللغة القريبة، القريبة من الحدث، حيث لا وظيفة إلا التوصيل، أما الجملة فتنطلق ملبيةً حاجة القول، موافقةً رغبة التداعي المُقال، وكما يقال، ولنا أن نستدل بالجمل الاعتراضية، وما بين الأقواس، من قاموس المفردات والتراكيب العامية، إنها تدرك أبعاد الكتابة، خاصة في محاولة التأثيث، التي تربكنا فيها الشاعرة، في محاولة التأثيث الداخلي/ الخارجي، فالمكان مقام التأثيث غائب، ووجهة النص تتجه خارجاً، وثمة شبهة ببرودة تلف المكان، تشي بها اللغة، والانفعال الهادئ، وكأن الشاعرة تتعامل بترفٍ مع عناوين النصوص، محاولة التخلص من هذا الوقوع، فيكون النص محاولة الحكي الآني (الوقتي) للخروج.

المجموعة (معجم الحمامة) كتابة مختلفة عن تجربة الشاعرة السابقة، فهي وإن كانت لا تحاول التكوين بقدر محاولتها القول الواضح، إلا إنها تمارس النص من باب التعويل على المشهد المفترض أن يكون، المشهد الذي تريد إيصاله، لا ما يريده المتلقي، وهنا تمارس “مريم” تحديد مسار النص ومسار القراءة، فبقدر الجمال الذي يحمله المشهد/ النص (كما تفترض الشاعرة)، يكون التلقي وتكونه عند المتلقي، العمل يتم ضمن منظومة تساوي طرفي المعادلة، دون حاجةٍ لأي من أشكال التفاضل.. وفي هذه المجموعة، كان تأكيد هذه المنظمة، التي بدأت الشاعرة كتابتها من خلال الصحف.. إنها كتابة متقصدة، بشكلها المحدد، وأبعادها المضبوطة التي تدركها الشاعرة، لكن روح الشاعرة (روح الشعر) تقفز أحياناً، وتخـاتل الشاعرة في غفلتها للحظة، لتعود وتختـفي.. وللخروج، نقرأ:

هبني خطاً مستقيماً، وثلاث نقلات

حتى أضع السذاجة في أقصى اليمين، والحلم في أقصى اليسار

وبينهما في المنتصف تماماً صدفة

وأواصل العزف منفردة..4

______________________________________

هوامش:

1- مريم سلامة. (معجم الحمامة)- منشورات المؤتمر. ط1/2003- ص:70.

2- المصدر السابق- ص:14.

3- المصدر السابق- ص:21.

4- المصدر السابق- ص:53.

مجلة المؤتمر- تصدر عن مركز أبحاث ودراسات الكتاب الأخضر- السنة: 03- العدد: 24- التاريخ: 02/2004- شهرية

 

مقالات ذات علاقة

نظريات تطلب فخاخها .. (قراءة في قصيدة”ايدلوجيا أنثى” للشاعرة سعاد سالم)

المشرف العام

رواية قصيل- الدخول من زاوية مختلفة وخارج النمطية

المشرف العام

الفيلم الليبي القصير “العشوائي” يرصد ظاهرة التصنيفات الحادة بالمجتمع الليبي بعد فبراير

إيناس المنصوري

اترك تعليق