النقد

محاور تحليلية لدلالة الذات

محاور تحليلية لدلالة الذات إحساساً داخلياً في نص (تجاعيد قبل الأوان) محاكاة صامتة لامرأة مغرورة تقهر ذاتها للشاعر : عبد السلام سنان

الشاعر عبدالسلام سنان
الشاعر عبدالسلام سنان


عادة ما يكون الشاعر في حالة خاصة حين يكتب، لا يضع كلماته على الورق إلاّ بوجود دافع ذاتي، وهذا الحافز الباعث هو طاقة تنحاز للحس الداخلي، لأنه نابع من الذات الشاعرة، هذه الذات هي مادة أساسها محكوم بالقيم الجمالية .وأحياناً الفلسفية للنص، الشاعر هنا لم يكن محايداً ولن يكون لأنّ شاعرنا يملك حساً عالياً في منتجات ذاته ونصه ذو المعاني الأخّاذة التي تشد القارئ إلى إكمال كل النص لمعرفة ما تنتجه كل العلاقات المتشابكة في هذا النص، فهو يمتلك عالماً خاصاً به لم يقع في آفة التقليد الاعتيادي لشعر التفعيلة، أو الشعر الحر وله عالمه الحسي الذي يمكنه من تقديم نفسه – أي النص – من خلاله، ففكرة هذا النص عموماً ناتج عن صراع روحي عميق بين شقين، شق الحب الأناني الجارف للآخر، والشق الثاني عودة الآخر إلى حضن ذلك المحب، وهذين الشقين يتآلفان في خط متناسق مع باعث الذات الواحدة التي أسلفناها .
 
يريد الشاعر أن يخرج به إلى الفوز بعودة الحبيب إلى المكانة المرموقة في حنايا قلبه، باعث الشاعر هنا هو ما جعله يطرح عدّة محاولات لاستمالة النص في صور بالغة الانحياز، فهو لا يميل إلى حيادية الحب لكل العابرين، التشبيه هنا خدم النص وقدم صورة مرسومة بدقة كلوحة منظورة المعالم :
أنا لست ككل العابرين
الذين مروا من هناك
أكتب ببدائية حاشدة
أقف بثبات على شفير
صفحاتك المحايدة
الحياد الذي طرحه النص على صفحات الآخر وألقى به على المحب هنا محل إثارة و تساؤل، والدهشة نوع من الإبداع لأنها تفتح الآفاق لنفكر، هل يكون الحياد عند المحبوب نوع من التغافل؟ أو أنّ الحياد عنده استفزاز له بالاقتحام؟ ويستطرد الشاعر في لغة لوم وعتب بأنه قد لملم شتات هزائمه بلغة ليست لغته، هي لغة جذبته لها الصور اللحظية، لغة لا تتصف برقة الشعر وعذوبته، إنه ردّة فعل لذلك الحبيب الذي لم يكن في مستوى محبته، ومن هنا نعزي هذا النص الذي يسترسل في تصوير الذات بصور غاية في الألم مليئة بالحزن ولكنها تحوي في ذات الوقت حباً جارفاً قد يهدم كل ما حوله في محاولة لجذب المحبوب، وأن يبذل جهداً في سبيل ألاّ يهزم .
 
الشاعر يمتلك أداته اللغوية بطريقة جاذبة للمتلقي فهو يستخدم اللفظ لإحياء الصور الخافتة فيفسح للمكان مساحة محكية تمنح النص موقعاً له دلالة ووقع ناضج ودافئ بدفء عنفوان ذلك المكان، حيث يقول :
أنا قصيدة أخيرة
تقطر خلفها قيامة
من جحيم
وعذاب، لستُ
أولي الدُبر
 
في هذا النص تبرز الذات (الأنا) التي تجعل من المكان قيمة عظيمة هي القصيدة والاستعارة قوية الموضع، حيث المكان قصيدة، وتهدد بهذا المكان أن ينفلت في تحدٍ قوي ليكون قيامة تجرف كل ما أمامها دون رحمة فيتحول الحب إلى جحيم، و هنا لم يجلد النص ذاته بل حولها إلى قوة له، مما يزيد النص قوة وعنفواناً .
ترمي العتمة هجعتها الموحشة
يبلغ الأرق الدامي منتهاه
كناي كسير الوجد
تلفحه غيماتك الساهرة
ولكن النص القوي الذي تحدى (بالأنا) بكل قوة وعنفوان محاولات الحبيب بالصد يضعف من قوته حينما يتحول إلى ( ناي ) كسير يجوبه النكوص بفعل عوامل زمنية تداولت على الحس الوجداني، فتحول النص إلى وصف كامل لحالة الذات الشعرية
حيث دوّن أولى خطوط
تجاعيد الزمن القاسي
فوق شفتك الرقيقة
وتحت أنفك المكابر
كسلطانة عثمانية
 
وكيف أثّرت عوامل الزمن في الآخر وهو الحبيب . وكيف لا؟
إنه العناء القاسي
بل إنه التلاشي
وهول فجيعة لا يصلحها
عطّار التاريخ
ولن يصلح العطّار ما يغيره الزمن !
 
وكيف يكون الزمن عاملاً خطيراً في تبديل كيميائية النفس والجسم معاً، بهذا التحدي للذات الشاعرة لغريمها المحب
حفنة شغف
بقصيدتي تجرحك
وظلال صمتك تقتلني
معادلة ظالمة
سأعيدك إلى رشدك
أيتها الآثمة
 
يكون النص قد آلف بين الجمال والقبح، وبين البعد والقرب، وبين الشغف والصمت، وبين الظلم والعدل وبين الشوق والجفاء بطريقة إبداعية فيها دهشة واستفزاز أنجح الشاعر في جمعهم ليردع المحبوب لوصاله وفي هذا الوصل عودة ( للرشد ) فيما كانت هذه استعارة للحب .
 
28 أكتوبر 2019م

مقالات ذات علاقة

القصيدةُ ترسمُ مشهداً

عبدالباسط أبوبكر

روحنة التصوف الشعري

هدى الغول

احمد ابراهيم الفقيه في ‘القذافي البداية والنهاية’: بحث عن الزمن المفقود في ركام دمار القائد الاوحد

المشرف العام

اترك تعليق