شخصيات

محامية ليبيا الأولى تغادرنا… (الأستاذة/ كريمة الهادي التركي)

أستاذة كريمة، لابد لي وأن أنعيك اليوم وسط ازدحام كل تويجات الورود الوردية التي تتساقط بغزارة.. لم نعد نتساقط في أحضان أحد.. إما في مواطن الغربة، أو ننزوي كما انزويت وغادرت دون أن نعلم بأنك تهمين بالرحيل.. كثر الموت في بلادنا حتى لم نعد نشعر بوخزاته أو بنظرة الوداع التي كنا نراهاعلى محيا عجائزنا.. نموت صغارا اليوم، او نسقط فجأة كتويجات الورد الندية.

شبه كبير بيننا كان يربطنا.. كلما تجالسنا ذكرنا سيرتيهما العطرة.. والدك الأستاذ الهادي التركي رئيس محكمة استئناف طرابلس، ووالدي الأستاذ كامل المقهور المستشار بالمحكمة العليا.. محاميتان  تجمعنا القاعات الواسعة، والممرات الضيقة، وحكايا وشكاوى الموكلين.. وملفات فتحت وأغلقت ونقلت للأرشيف، وأخرى نتأبطها لسنوات بأوراقها التي علاها الصفار.. رائحة الكتب، و أرشيف المحاكم، وعرق المساجين في السجون.. أتذكري؟ كل تلك التجارب التي تقاطعت بيننا.. إصرار أوبوينا أن ننجح في مهنتنا التي تشبعا بها ونقلاها إلينا. مكتب الهادي التركي ومكتب المقهور للمحاماة.. غادرا، وبقينا.. نلامس كل مالامسوه وتركوه لنا بحب واحترام كبيرين.. نلمع اسميهما على لوحة نحاسية ونرفض أن يعلوها الصدأ، أو تركن في احدى الأدراج.. وها أنت تغادرين.. فمن سيحفظ ذلك الأرث الكبير؟

لا نرى الأستاذة كريمة إلا وهالة من الإحترام تلتف حولها، بسيطة، باسمة، ودودة.. لا تعترف بالعمر ولا بمسافاته.. ضحكتها طفولية وقلبها حبة لوز أخضر نمت في طرابلس وترعرعت فيها. درست في كلية الحقوق ببنغازي وسكنت داخلي البنات- حيث درست أنا وسكنت- لتصبح أول محامية ليبية.

التحقت بالعمل في المحكمة العليا وتولت القسم الفني وعملت تحت أشراف والدي رحمه الله حين كان مستشارا بها..كثيرا ما افتخرت بتلك التجربة حيث كانت تستخلص المبادئ من احكام المحكمة، وتصفها على الجانب الأيمن للأحكام تمهيدا لإصدارها في أعداد مجلة المحكمة العليا، وتحكي لي كيف تعلمت من والدي رحمه الله، الذي بدوره تعلم من والدها قاضي القضاة، فمثل أمامه في قضايا الجنايات وأمن الدولة، ومنها قضية البعثيين والناصريين..ثم افتتحت مكتبا للمحاماة مع والدها، وبعد تأميمها أنتقلت للعمل في إدارة المحاماة الشعبية وتولت إدارة إحدى أقسامها بإقتدار.

أما الرابط الإجتماعي، فكان عطرا رقراقا مشبعا بالذكريات، فقد سكنت عائلتها وبيت جدي لأمي في ذات العمارة المطلة على ميدان الشهداء… ترافقت وتصادقت مع خالتي سامية الغرياني التي غادرتنا منذ عام مضى.. فأبت إلا اللحاق بها.. كلما التقينا تحكي لي عن المناشير السياسية التي كانت تصلها من خالتي سامية ليوزعنها بين الطالبات، أو تحت اقواس عمارات ميدان الشهداء في العهد الملكي.. تضحك وهي تروي لي التفاصيل التي سبق وأن سمعتها مرارا من خالتي.. لأضحك مجددا.

جيل مميز.. في الحركة الكشفية، وركن الأطفال، ومسابقات الأدب، والانشطة الرياضية، ومدارس طرابلس المحدودة، والجمعيات النسائية، ووشائج اجتماعية ندية..جيل من النساء اغتربن للدراسة من أجل أن تكون للمرأة مكانا ومكانة في ليبيا.. لكنه جيل من النساء القادرات لم يمنحن براحا للحركة،  ولم ينلن حظه وانزوى، إلا البعض، ومن بينهن كريمة.. التي سارت بتؤدة ودون ضجيج، حتى حققت لنفسها رفعة، و مكانة مستقلة ومحترمة لدرجة ان طال احترامها موكليها.

أستاذة كريمة…. مكتبك في شارع كراتشي، لوحتك النحاسية المنقوش عليها إسمك.. الحاجب يتفنن في المناداة على موكلك.. الملف الأزرق في يدك، الشنطة الجلدية، كتبة المحاكم الودودين، قضاتنا المتجهمين الطيبين، إدارة القضايا تقف على الجانب الآخر، أعضاء النيابة المتعاونين معنا وغير المتعاونين، أجيال تتوالى على مهنة الألم كثيرات منهن تدربن على يديك.. قاعات المحاكم الواسعة والضيقة، المكاتب المهترئة والفخمة، طابور الموقوفين، الزملاء من المحامين الواقفين في انتظار أن ينادى عليهم، الكراسي الخشبية القليلة غير المريحة، عمي محمد.. عمي الشويرف.. عمي يوسف.. الأستاذ/ الأستاذة، أكشاك الكتبة العموميين والآت التصوير، المحكمة العليا امام شاطىء البحر… عذرا فقد أطلت…أسمع شقشقة العصافير.. هاهو الشتاء يرحل ومعه ترحلين.. سلام عليك.

تورونتو 27. 2. 2015

مقالات ذات علاقة

في مثل هذا اليوم رحل عنا الفان حسن محمود دهيميش

محمد عقيلة العمامي

في مثل هذا اليوم ودعنا شاعر بلد الطيوب على صدقي عبد القادر

محمد عقيلة العمامي

خنساء الجبل – الحاجة سالمة بنت طاهر محمد حسين البرعصي

نورا إبراهيم

اترك تعليق