طيوب عربية

مجيد حسيسي تسكنُهُ النزعةُ الإنسانيّة!

آمال عوّاد رضوان

مجيد حسيسي تسكنه النزعة الإنسانية

 أقام المجلس الملّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ– حيفا ومنتدى حيفا الثقافي أمسية شعريّة للشاعر الكرمليّ مجيد حسيسي، وذلك بتاريخ 11-9-2015 في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسية، شارع الفرس 3، حيفا، وسط حضور كبير من شعراء وأدباء وأصدقاء وأقرباء، وقد رحب الأستاذ المحامي فؤاد نقارة رئيس منتدى حيفا الثقافي بالحضور، وتولى عرافة الأمسية الأستاذ إحسان حسيسي، وكانت مداخلات نقدية لكل من د. صالح عبود بعنوان حضور المرأة في شعر المجيد، تناولت قراءة الكتابَيْن “عزفٌ على جراح الصّمت” و “بيت القصيد مشرّعٌ”، ومداخلة نقدية لد. منير توما بعنوان المشاعر الانسانية المتدفقة في شعر مجيد حسيسي، تناولت الكتابين “وطني على ظهري” و”بيت القصيد مشرّعٌ”، ومداخلة الفيلسوف معين حاطوم، وقد تخللت الأمسية قراءات شعرية للمحتفى به الشاعر مجيد حسيسي، وفقرة فنية غنائية مع الفنان قفطان عيسمي بقصيدة لحنها للشاعر مجيد حسيسي بعنوان (سميح أبو وطن)، ومداخلة زجلية للشاعر الزجلي نجيب سجيم، ومداخلة باللغة المحكية بعنوان مريول حيفا للشاعر راضي مشيلح، ومداخلة الشاعر علي ابو شاهين بقصيدة بعنوان (في كفّي ملحمةٌ)، وفي النهاية شكر الشاعر الحضور والمنظمين والمشاركين، ثم تمّ التقاط الصور التذكاريّة.

*جاء في مداخلة د. صالح عبود بعنوان (حضور المرأةِ في شعرِ المجيدِ): الحضور والسّادة الكرام،                 اسمحوا لي قبلَ وُلوجيَ في قراءتي للمرأةِ في شعرِ المجيدِ، ومن خلالِ نماذجَ منتقاةٍ منسولةٍ من مجموعتيهِ “عزفٌ على جراح الصّمت” و”بيت القصيد مشرّعٌ”، وهي غايتي الثّانيةُ من حضوري بينَكُم، أن أُسفرَ عن غايتي الأولى، وأزفَّ شُكري الجَزلَ وعرفانيَ الأجَلَّ، لشاعرنا المكثرِ النَّميرِ الفذِّ المُعبّرِ الكبيرِ في كلِّ ما نَظمَ وقرضَ من شعرٍ يَتيمٍ ومقطوعاتٍ وقصائدَ تختزلُ تجربةً شعريّةً قَمِنَةً بكلِّ ثناءٍ وتقديرٍ. وأنَا من حشدٍ ممّن يُدمنونَ قراءَةَ جَديدهِ ونشيدهِ يوميًّا في صفحته المتوقّدة صباحَ مساءَ، في موقع التواصلِ الرَقْميِّ الفيسبوك، صفحةٌ خَليقةٌ بالقراءةِ والاهتمامِ والمتابعةِ، لمافيها من نصوصٍ شعريّةٍ رفيعةٍ من إبداعِ المجيد.  وها أنا باسطٌ أَصْغَرَيَّ: جَنانيَ الحافظَ وَلسانيَ اللافظَ ثناءً وعِرفانًا لكَ أبا يوسُفَ.

يعلنُ شاعرُنا في فاتحةِ مجموعته الشعريّة “بيتُ القصيدِ مشرَّعٌ” عن مجملِ ما تحتويهِ المجموعةُ برُمَّتِها، إذ يقول: “سَيبقَى بيتُ أفكاري، تُشرِّعهُ هواجسُ قلبِ إحساسي وأحلامي/ أزيّنُهُ بِحُسـنٍ جاءَ يُبدعُهُ، حـروفًا مـــن شذَا فكري بأقــلامي”.

بذلكَ، يؤكّدُ الشّاعر، بما لا يقبلُ مراءً ولا جَدَلًا، أنّ مادّةَ شعرهِ في المجموعةِ المذكورةِ تحديدًا تتّسمُ بقصائدَ ومقطوعاتٍ وَنُتَفٍ وأبياتٍ مُثنَّاةٍ ويتائِمَ، كلّها تمثّلُ هواجِسَ جَنانِهِ المرهفِ حِسًّا وأحلامًا، ينقُلها للقارئِ من خلالِ حروفِهِ المنْتظَمةِ بحُسْنٍ وتَوليفٍ ينسَجمُ معَ إيقاعِ الحياةِ وقضاياها الّتي طَرَقَها في مادّتِهِ المُقَفّاةِ. ها هوَ يُمِدُّنَا بنفسِهِ وَنظْمِهِ وقافيتِهِ، فيخبرنا عن تصوّرِهِ للبيتِ الشّعريّ، فيوجزُ فيهِ قولَهُ: “إن لم أكنْ مددًا للشّعر أنظمهُ/ بَاتت قوافي الهوى، ترثي معانيها/ فالشّعرُ قافيةٌ، إيقاعهُ شَجَنٌ/ ألفاظُهُ سهلَةٌ تسمو براويها!” (67).

الشّعرُ في عُرفِ شاعرنا المجيدِ، شعرٌ مُقَفًّى، موزونٌ، لا بأوزانٍ خليليّة أو ما بعدَ الخليلِ، بلْ وزنُهَا الماتعُ المانعُ هوَ الشّجَنُ، أي الحزنُ وَالهَمّ، ومفرداتهُ ألفاظٌ جزلةٌ سَهلةٌ لا تعيقُ القارئَ، ولا تُحجِمُهُ عنْ فَهمِهِ وإدراكِهِ، فتَجعلُ النّصَّ الشّعريَّ ساميًا في نظرهِ، دانيًا من القارئِ دُنُوَّ السّاحلِ منَ البحرِ.

تتجلّى صورة المرأة في “بيت القصيد مشرّع” عن شعورٍ صادقٍ وعاطفةٍ رقيقةٍ، وفي حضورها في حاضرةِ قصيدتِكَ وبيتِكَ شاعرَنا المجيدْ، تذكّرنا دومًا أنّها ليست مُلحقًا أو تكملةً، بل هي شِعرٌ بذاتها وَلِذاتِها، وأنَّ حضورها في البيتِ جوهرُ البيتِ وعِمادُ تبصرتِهِ وآيةُ نُبوءَتِهِ. لم يكن شاعرُنا بعيدًا في شعرهِ عن أصواتٍ شعريَّةٍ محلّيّةٍ عربيّةٍ وإنسانيَّةٍ تعتمدُ عوالمَ المشاعرِ والعواطفِ الذّاتيّةِ، بلْ تيَمّنَ سَمتَ الورودِ والرّياضِ وَغاصَ في واقِعهِ حينًا، وَارتقَى في سَناءِ خيالِهِ وَمُخَيَّلَتهِ حينًا، فبدَا في قصيدتِهِ وَبيتِهِ مُحبًّا وعاشِقًا لكلِّ جميلٍ وادِعٍ شَفيفٍ، يَسرُّ الحياةَ ويبعثُ نشوةَ الحُلُمِ والأملِ والألَمِ الخَالدةِ. المرأةُ عندَ كثيرٍ من الشّعراءِ مصدرُ إلهامٍ وعنوانُ إشراقةٍ وحنانٍ وعاطفةٍ صادقَةٍ، وشاعرُنا الكرمليّ يعشقُ الجمالَ، ويستوحي في شعره صورًا بلمساتٍ شعريّةٍ مُثخنةٍ بالصّدقِ الحقيقيّ والوجدانيّةِ المُتَّقدةِ بالرّغبةِ والطُّهرِ: “إذا كَانت بِإخلاصٍ تواعِدُني   سأبقَى العمرَ أعشقُها بإخلاصِ/ أعيشُ بها، وفيها ما تبقّى لي/ منَ الأيّامِ، سجنًا أو بأقفاصِ” (16)

هذا شاهدٌ دالٌّ على أنَّ الوصالَ بينَ الحبيبَينِ مرهونٌ بشرطٍ هامٍّ وقَبليٍّ هوَ الإخلاصُ الصّادقُ بينَهما، وقد عمدَ شاعرنا في كثيرٍ من نصوصهِ إلى تسليطِ الضّوءِ على شروطِ الحبِّ وقيَمِهِ الخالِصَةِ وفي جُؤْجُئِهَا الإخلاصُ والصّدقُ، وهمَا قِوامُ العشقِ والهُيامِ:  فلا عشقٌ إذا ما سَوَّرَتْهُ/ بوادرُ صدقٍ وإخلاصٌ يصونُ/ فإنَّ حَياتِي بغيرِ عشـــقٍ/ فَراغًا يكونُ وَلَسْتُ أكونُ.

يعترفُ شاعرنا، أنّهُ بشرٌ ولهُ- كسائر البشر- جَذوةٌ في القلبِ، وَمن مِنَّا لا تُحدِّثُهُ نفسُهُ بالشّبابِ وَصَبَابَتِهِ؟! “قالتْ أراكَ شبابًا، قَلبُكَ الأسدُ/ تُحيي فؤادًا هـــــوَى بالعشقِ يرتعدُ/ مهلاً، أجَبتُ أنا، سهامُها انطلَقتْ  فيها، أعودُ الفتى، والوصلُ مستنَدُ!” (15)

ذاكَ هوَ الوصلُ الصّادقُ الّذي يبعثُ في الرّوحِ شبابَها، وفِي نارِ العشقِ دِفئَهَا، وفِي قلوبِ البشرِ نَبضَها. حبّرتُ هذهِ الورقةَ، وزوّرتُ (زيّنتُ) فيها مقالتِي، كي أصلَ بِكُمْ إلى قصيدةٍ وَقَعَتْ في نَفسِي موقعًا حَسَنًا، فَحازَتْ في قراءَتِي للمجموعةِ حيِّزًا، فوجدتني أنقلبُ إليهَا قارئًا مرّةً ثانيةً، حتَّى استحوذَتْ على تَبصِرَتي فقَضِيَّتُها قَضِيَّتِي، وغايَتها غايَتي..

أتأمَّلُ وإيّاكُم قصيدةً رشيقةً تُثقِلُها قضيّة المرأةِ الشَّرقيّةِ، إذ يُخاطِبُ الشّاعرُ من خلالها الرّجلَ الشّرقيّ مدافعًا عنها، وناصحًا إيّاهُ، وهو يقولُ: “يَا سيّدي/ يَا حضرةَ السّي سيّدي/ إن كنتَ تعتقدُ النّساءَ مهانةً/ أو سلعةً قد تُشترى من/ سوق أسواطِ النّخاسةِ والعبيدْ/ فتكونُ من أهلٍ قضَوا../ وتَنكَّرُوا للحُلمِ يبغونَ الوئيدْ/ للمرأةِ الحقُّ الّذي تحيا بهِ/ أوْ بعضُ شيءٍ من جديدْ/ فَلَها جمالٌ قدْ صَفا/ وَلَها بنينٌ للسّلامِ وللمحبَّةِ والصّمودْ/ وَلَها جذورٌ راسخاتٌ في صخورٍ من صدودْ/ فَبرَبِّ دينكَ.. هل أتيتَ منَ العدَمْ؟/ لا تَعجبَنَّ.. فرحْمُ أُمِّكَ يستحي/ والصَّمتُ أعيَاهُ الأَلَمْ!!/ يَا سيّدِي.. يا حضرةَ السّي سيّدي../ لا فرقَ عندَ ذكورِ إنسانٍ قَزَمْ/ أن يُظلمَ الحُسْنَ الّذي وهبَ الحياةَ منَ العدمْ/ إن تقتنعْ.. صرتَ الرَّفيقَ.. وإنْ تُعارِضْ/ سوفَ تحيا ظالمًا.. وَبنفسِهِ لقدِ انظلَمْ/ ولسوفَ تحيا تائِهًا../ من غيرِ طيفٍ سابحٍ.. ومؤيّدِ!!/ يا سيّدي../ يا حضرةَ السّي سيّدي” (39-41)

قصيدةٌ تُفصحُ عن موقفِه من مكانة المرأة في مجتمعِها الشّرقيِّ، إذ يطالبُ بإطلاقِ جناحيها من قيدٍ باتَ وهمًا ميْتًا. يطالبُ لها أن تعيشَ حياتهَا حرَّةً غيرَ هيّابَةٍ، فتختارَ لنفسِها ما تشاءُ، وتُعربَ عن رأيِها دونَ وجلٍ. يخاطِبُ الشّاعرُ الرّجلَ باسمٍ يعبّر عن حالَةٍ ينبُذُها هوَ وهيَ، “السِي سيّدي”، وهي عبارةٌ تعبِّرُ بمحمولها الثّقافيِّ عن حالَةٍ ووَضْعٍ هيمنَ منذُ سنواتٍ، ولا يزالُ، في عالمِ المرأةِ المتأرجِحِ بينَ ما كَسِبَتهُ وما تطمحُ إليهِ.. اختارَ الشّاعرُ هذهِ الصّفةَ للرّجلِ الشّرقيّ، أي “السي سيّدي”، كي يُعربَ عن موقفٍ رافضٍ لها، وكَيْ ينقضَ أسبابَ وجودِ شخصيّةِ “سي السيّد” الّتي حاولَ محفوظُ في ثلاثيّتِهِ المعروفةِ تسليطَ شيءٍ من الضّوءِ عليها، وشاعرُنا يعيشُ في زمانٍ آخرَ، وفي مجتمعٍ آخرَ، مختلفٍ في كثيرٍ من تفاصيلِهِ الصّغيرةِ والكبيرةِ عن عالمِ الثّلاثيّةِ، ولكنّهُ معَ ذلكَ، ينبّهُ إلى أنّ حالةَ “سي السيّد” لا تزالُ حاضرةً، وإنْ بزيٍّ مختلفٍ، إذ لم يَعُدْ “السّي سيّد” يلبسُ تلكَ الثّيابَ ويعتمرُ طُربوشَهُ الأحمرَ، بلْ نراهُ متمدّنًا في لِباسِهِ كاشِفًا شعْرَهُ، حضاريًّا في شكلِهِ، حتَّى يصلَ عندَ قضيّةِ الأنثى، فنجدُهُ هوَ هوَ.. “السي سيّد” بأسماءَ أخرى وأشكالٍ مغايرةٍ!

تغيّرتْ فينا أمورٌ كثيرةٌ، وما يزالُ في بالِ كثيرٍ منَّا أفكارٌ قديمةٌ يعلوها غبارُ السّنينِ الهِزالِ.. ولا يزالُ “السي سيّدي” يبتغي من المرأةِ أن تكونَ صَنَمَهُ المتحجِّرَ المفرّغَ من طبيعةِ النّاسِ وفطرةِ الخَلْقِ: تتشكَّلُ الأزمانُ في دوارَنها دُولاً/ وهنَّ على الجمودِ بواقٍ.

معالجةُ شاعرِنا المجيدِ لقضيّة المرأةِ من جانبٍ، وتعدّدُ أصواتِ القصيدةِ الواحدةِ من جانبٍ آخرَ، يدلُّ على تنوّعٍ ثريٍّ في سياقِكَ وتناوُلِكَ المُجَلِّي لرؤياكَ إزاءَ تِلكُمِ القضيّة الهامّةِ. ذكّرتني قصيدتُكَ، أبا يوسفَ!، ببعضِ أبياتٍ للرُّصَافِيِّ قالَ فيها: مَا أهونَ الأنثى على ذُكراننا/ فَلقد شجاني ذُلّها وخضوعُها/ ضَعُفَتْ فَحجَّتُها البكاءُ لخصمها/ وسلاحُها عندَ الدفاعِ دموعُها/ هي متعةُ المستمتعينَ ولَيتها/ كانتْ لزامًا لا يجوزُ مبيعها/ فوَليُّها عندَ الزواج يبيعها/ وحليلها عند الطلاق يبيعها/ وكلاهما متحكّم في أمــرها/ هذا يعرّيها وذاك يُجيعها. إنَّكَ في هذه القصيدةِ، كما في غيرها، تتقمَّصُ قميصَ الواعظِ النّاصِح لمجتمعٍ منَ الرّجالِ، الّذينَ يحيونَ تائهينَ في تيهِ أفكارِهم المُظلمةِ الظّالمةِ، فتدعوهمْ للبصرِ والتّبصُّرِ في رِحابِ الفكرِ التّنويريّ المنشودِ. نحنُ أمامَ شاعرٍ مكينٍ يمتلكُ قدرةً على إبصارِ الواقعِ، وإعادةِ صياغَتِهِ بأبياتٍ وأشعارٍ صادقةٍ تخدشُ الواقعَ المتهالكَ بشعريّةٍ حَيِيَّةٍ شُجاعَةٍ تتعطَّرُ منْ شذَا حروفِهِ الصّادقةِ المُصَدَّقَةِ.. فأختم كلمتي بقولي:

حَسْبُ الْقَوافي أنْ يَكونَ مَجِيدُ/ شِعْرًا مَجِيدًا لِلقَصِيدِ رَصِيدُ/ أَبْدَعتَ فِي كَلِمَاتِكَ إِذْ شُرِّدَتْ/ وَالنَّارُ تُبْرِدُ وَهْجَكَ وَتُقِيدُ/ أَبَدِيَّةٌ فيكَ المَشَاعرُ وُقِدِّتْ/ صَوتًا تَعَالَى نَزْفُهُ التَّغْرِيدُ/ هَاجرتَ في ذاتِ المُحبِّ طَلاقةً/ وَصَبَأتَ من دينِ السُّكونِ تريدُ/ نَجعًا رَواءً للقصيدِ وللهوى/ يُنشيكَ رُوحًا يَنضَويها مَجيدُ

مداخلة الفيلسوف معين حاطوم كتبت مرة،  الفكر أوصل الإنسان الى القمر، والشعر أنزل القمرَ إليه، ولأن استاذي الشاعر مجيد حسيسي كان قد أنزل الأقمار إلينا على مدى ستين عاما، فأضأت أخاديد أرواحنا، وداعبت غوامضنفوسنا، وحثتنا عن حب واحترام لنقتديه، فلقد كان أستاذًا ومُربّيًا، ومن ثمّ مديرًا، دأب ألّا يبخلَ على طلابه في استنطاق نفوسِهم بجَمال الكلام، وبديع الخيال، والتشجيع على صحيح الإنشاء والمطالعة والتأليف، فلقد آمن بأن مطابخالشعوب العظيمة من حبر ولون وورق، ولحسن حظي كنتُ أحد تلامذته، وواحدًا من العشرات الذين شجعهم على الاستمرار في طرْق أبواب الأدب والفسلفة والفن.

مجيد حسيسي شاعر يسهل الحديث عنه، فلم يترك بابًا من أبواب الشعر إلّا وطرَقه، ولم يترك موضوعًا إلّا وتفاعل معه. حمل وطنه على ظهره، ولم يتركه ليتدحرج كصخرة سيزيف. تفاعلَ مع الظواهر الاجتماعيّة السلبيّة ودحَضَهامُستنكِرًا. مجّد الوطنيّين وأنشدهم شعرًا، مثل سلطان باشا، وياسر عرفات، ومنديلا وغيرهم، وجعل من قلبه دفيئة للمعاناة والأحاسيس الإنسانيّة، مُتوِّجًا إيّاه بالحبّ والشوق والحنان من جهة، والتخوُّف والقلق من شرور الدنيا ومآسيها منجهة ثانية.

لا مجالَ في هذه الكلمة القصيرة للإسهاب والتصنيف لإنتاج الأستاذ مجيد شعرًا ونثرًا، فمواسمه الخضراء كثيرة، وحدائقة لا تشكو من وفرة الورد والشوك، ولكنّني أشعر برغبة أن أحدّثكم عن نقلة نوعيّة في نتاج الأستاذ مجيد، فهناكانطباع عامّ، بأنّ الشاعر حين يختمر بحكمة الأدب والشعر، يتصوّبُ بفكره وإحساسه نحو الخلاصات. إنّها حالة من النضوج المتسامي، يسعى من خلالها صاحبها، من فضّ المظاهر والتفاصيل الهامشيّة، بغية الوصول إلى جوهر القول،ولو نظرنا الى تاريخ الفكر الفلسفيّ، لرأينا أنّ الاشتراط هو أساس للعلائق المنطقيّة التي تقود إلى النتيجة الحتميّة، فأنت لا تشترط شيئًا منطقيّا، إلّا إذا تيقنت من كماله كفرض منطقيّ، هذا طبعًا في علم المنطق، ولكنه يتخذ شكلًا آخر منأشكال الفرْض أو الإشتراط عند الشاعر، فالفرض أو الإشتراط منوطان بحصانة معرفيّة، وتجربة ثابتة في الاستقراء النفسيّ لحقائق الوجود الحسّيّ والأخلاقيّ.

يقينًا إن الأستاذ مجيد ارتقى إلى هذه الحالة النادرة في ثقافته الحسّيّة والجماليّة، فطعّمها باشتراط هو الباب والمسلك لقول الحكمة، ولكي لا يبدو قولي غامضًا، فأنا أحدّثكم عن شرطيّات مجيد حسيسي في كتابه الذي لم يرَ النور بعد، والذيأطلق عليه اسم “إذا”! فاسمحوا لي بأن أقرأ لكم بعض قصائد هذا الديوان، وهي كما سلف أعلاه:

مقالات ذات علاقة

قـمـقـم

هاجر الطيار (الأردن)

إطلالة على نقش على شفا غيمة

زياد جيوسي (فلسطين)

وداعا أيها الجنتلمان

المشرف العام

اترك تعليق