طيوب البراح

مجهول

خديجة رجب رفيدة

الرجل والطائر من أعمال التشكيلي محمد عبيه


وطئت أقدامي مكانا جديدا، لا يعرفني فيه أحد، ولا أعرف أحد، يا للمتعة في هذا، بداية من الصفر وأخيرا.

قررت الرحيل منذ زمن، لكنني لم أنفذ قراري هذا بسرعة، لنفس السبب الذي جعلني أتخذ هذا القرار، لكن لا بأس، أن تصل متأخرا خير من ألا تصل أبدا.

بدأت المشكلة “السبب” منذ يوم ولادة أبي، حيث أنه وُلد في نفس اليوم الذي توفي فيه جارهم –صديق جدي الأحب على قلبه– والذي يحمل نفس اسمه، لذلك قرر جدي أن يسميه عُمر، معتقدا أنه عوض من الله عنه، فحين مات صديقه وخليله الوفي وحزن حزنا شديدا رزقه الله بعد ذلك بساعة واحدة وثلاث وعشرون دقيقة بالضبط ولد، لذلك قرر أن هذا خليفة عن ذاك، ويجب أن يُسمّى بنفس الاسم، فصار اسم أبي “عمر عمر بن علي”.

زرع جدي في والدي ما استطاع من صفات جاره، وكبر شهما وكريما وجبارا، لم يأخذ من لين قلب جدي الكثير، بل كان مُهابا، فجدي رحمه الله كان رقيقا، حتى أن من أراد عتاب جاره – الحاج عمر – كلم جدي، فلا يستطيع أحد مواجهة ذلك الرجل الذي خلفه والدي، وكالحاج عمر كان والدي، لا أحد يمون عليه سوى جدي.

تزوج أبي بابنة الرجل الذي أرادوه أن يكون نسخة منه، أكبر منه بعام واحد، لم يقف ذلك عائقا بالطبع، فالفتاة التي فقدت أبيها في سن كالسنة الواحدة ترغب أن تتزوج نسخته الصغيرة، حتى لو كان أصغر منها.

وُلدت البكر لأهلي، وطبعا لا يليق بي اسم أكثر من عُمر، اسم أجدادي، سموني عمر وتجاوزوا حقيقة أن اسمي الثلاثي المتشابه سيكون مثيرا للسخرية والتعليقات، لم أر والدي كثيرا في طفولتي؛ حيث كان يلم المال من مختلف بقاع البلاد، يسافر على سيارته ويسعى كي يكون “الحاج عمر” الجديد، كان يقضي أغلب وقته في عمله وفي سفره.

عدا عن اسمي الثلاثي المطابق لاسم والدي كان وجهي نسخة من وجهه تماما، منذ طفولتي وأنا أسمع الإشادة بهذا الشبه، لم أسمع أحدا يشيد بأخلاقي مثلا، بل كان الجميع يقول: “يشبه أباه كثيرا؛ لا بد وأنه سيكون مثله” وهكذا حُكم عليّ أن أكون نسخة من أبي الذي كان نسخة من جدي.

أيام صباي ذاع صيت أبي واستقر أخيرا في المدينة، أنشأ سلسلة من المحال التجارية في البدء، ثم شرع في تطويرها حتى غدت مشروعا كبيرا يعمل به الكثير من شباب البلد، وبذلك صار الحاج عمر واحدا من أكبر رجال الأعمال في البلد برمتها، لذلك قرر أبي نيابة عني عند نجاحي في الثانوية أن المجال المناسب لي التجارة، وأني إن كنت أرغب في استكمال دراستي عليّ أن أدرس في كلية التجارة، وإن لم أدرس التخصص الذي اختاره فعليّ أن أكون أجيرا عنده في الحال.

كنت في سنين دراستي الثانوية أمر في طريقي للبيت من أمام كلية الفنون والإعلام وأنا أمني نفسي باليوم الذي سأدخلها طالبا وأخرج منها صحفيا، وحين فاجآني أبي بقراره هذا قررت تصعيب الأمر عليه، فقلت له أنه لا توجد كلية مخصصة للتجارة في المدينة، وأني أرغب في دراسته بالخارج، فكرت أن هذا الأمر سيؤدي إلى أمرين اثنين لا ثالث لهما، إما أنه سيصرف النظر عن هذا التخصص وأكون حرا للمرة الأولى في حياتي، أو أنه سيرسلني إلى بلد لا يعرف فيه أحد الحاج عمر فأكون حرا طوال سنين دراستي، لكن أبي قال لي أنه يعرف هذا، لذلك هو عازم على ابتعاثي للدراسة في تركيا.

الذين يعرفون أبي في تركيا كثيرون، والمؤكد أنه سيُوصيهم بي، سيوصي أصدقاءه الليبيين والعرب والأتراك وحتى بواب العمارة الذي اشترى أبي فيها شقة لأنه لا يحب الفنادق، وطار الحلم في أن أكون حرا من اسمي وشكلي.

درست في خمس سنوات التخصص الذي أراده أبي في البلد الذي أراده أبي، وطوال سنواتي الخمس لم يمر يوم واحد لم ألتق فيه بمعارفه، فسكان العمارة كلهم يعرفونه، والبواب، وإمام المسجد القريب، وصاحب البقالة الصغيرة، وكلهم يقدمون لي الخدمات لأني ابن الحاج عمر الذي يحمل شكله، حتى الذين لم يُخبرهم أبي بقدومي إلى تركيا إما أن يكونوا قد رأوني في زيارة ما مع أبي، أو أن وجهي أخبرهم بذلك.

حين كان يتصل بي أحد أصدقاء دراستي الثانوية أو الجيران – الذين يغبطونني على ما أنا فيه من حال – ويُلمّح لي أن حياة العزاب المغتربين مليئة بالراحة من المسؤولية والأهل وأنهم يفعلون ما يحلو لهم بكل تأكيد أضحك ملء فمي، يسألني أحدهم هل جربت دخول مكان ممنوع؟ هل عاكست بنتا في الشارع؟ هل دخنت سيجارة في البلكون دون الخوف من أن يشم أبوك رائحتها؟ أجيب “لم يأت ذلك ببالي” والحقيقة عكس ذلك، كثيرا ما يأتي في بالي، لكنني لست حرا في الإتيان بما يأتي في بالي.

لم أجرب الحياة؛ التجربة تعني شيئا جديدا، لكنني لم أفعل شيئا لوحدي وبقراري، كان اسمي ومكانة والدي وشكلي يحدد كل شيء، يحدد حاضري ومستقبلي، كنت أرى نفسي بعد عشرين عاما كما يراني أبي، جالسا على مكتب بكاط ليبي صنع يدوي غالي الثمن ويناديني الناس “الحاج الصغير” ويطلبون مني إيصال سلامات لأبي، وأرجع للبيت لأجد زوجتي – التي قرر أبي – أنها ستكون ابنة عمي الكبير، ويكون بكري ولدا أسميه هو أيضا عمر، وسيحمل وجه أبي أو وجهي، سنكون ثلاث نسخ بذات الوجه مكررة عن رجل لا يحمل نفس وجوهنا ونحن لم نره، وسأحكم على ابني أن يتزوج إحدى بنات أخواله أو أعمامه، وسيرى نفسه بعد عشرين عاما كما أحكي لكم الآن.

لقد كان هذا أكبر كوابيسي، وكم حلمت أن أتحرر من هذا الكابوس، لا أحب ابنة عمي، لا أرغب في قضاء بقية عمري بقربها، ولا أريد أن أكون الحاج عمر الصغير، أريد أن أخرج من هذه الحلقة كي ينفرط السلسال، أشعر أنني أحمل على عاتقي هذا الحمل، إن لم أفعل هذا الآن لن أقوى على فعله بعد يأتي عمر ابني.

طوال فترة دراستي كنت أقتصد المال الذي يرسله لي والدي، لم أكن أعلم لماذا، ربما كنت خائفا من شيء ما، فوالدي علمنا أن المرض والنوائب لا تنتظرك حتى توفر مالا لتواجهها، بل يجب عليك توفير المال استعدادا لها، ولما مرت سنين دراستي دون أي نوائب تذكر وجدت نفسي ادخرت مبلغا يمكنني فتح مشروعي الخاص به، لكن في أحلامي فقط، فما ينقصني لم يكن المال، إنما حرية الاختيار.

عملت مع أبي أربع سنوات، أجلت الزواج خلالهما بحجة دراسة العروس، وحين اقترب يوم تخرجها ناداني أبي وقال أن موعد عقد القران سيكون بعد شهر بالضبط من حفل التخرج، والزفاف بعد شهرين، وجمت، لا حجة لي بعد الآن، أشعر بتأنيب الضمير تجاه ابنة عمي، لا شيء يعيبها سوى أنها اختيار أبي، شعرت بأنني سأدخل القفص الذي أُبقي أحد جناحيّ خارجا منه حتى اللحظة، لذلك قررت الهرب، حجزتُ تذكرة لتونس بحجة أن أحد أصدقائي مريض ويجب عليّ مرافقته، وحجزت من هناك تذكرة إلى دولة لا يعرفها أبي، ربما لم يسمع بها أبدا، رجعت لليبيا، ذهبت لحفل تخرج خطيبتي، كنتُ سعيدا حقا لأجلها، اختارت التخصص الذي رغبت به، ذهبت رفقة هدية فكرت كثيرا قبل اختيارها، وقع اختياري على تحفة من الزجاج الملون، ينتصب بها طائران أحدهما وكأنه سيحلق بعد لحظة واحدة، والآخر يرفع أقدامه ويلوي رأسه للجهة المعاكسة.

في اليوم السابق لموعد سفري لتونس بعت سيارتي، قلت لأبي أن صديقا لي استعارها ليذهب بها إلى جبل نفوسة، كذبت للمرة الثانية على أبي الذي لا يغفر الكذب، كنت خائفا من انكشاف أمري، فأبي يعرف بعضا من المسؤولين في مطار وسفارات طرابلس، كنت أرتجف من خوفي، لكنني ركبت الطائرة من تونس إلى تنزانيا بسلام.

لا أعرف أحدا هناك، لا مكان عمل أجد فيه كرسيا ومكتبا دون بحث، لا دكان بقالة أملي عليه ما أريد ويأمر صبيه أن يوصله لي لباب المنزل، ولا طبيب يأتي إليّ لحد سريري لأني مريض ولا رغبة لي في الذهاب للمستشفى، أعرف كل هذا، و “كل هذا” هو ما جاء بي إلى هنا.

نزلتُ من الطائرة دون امتيازات، أرسلت رسالة وحيدة لابنة عمي –خطيبتي– أبلغها فيها بسفري، وأعتذر لها عن كل شيء، قلت لها أنني أتحرر وأحررها معي مني، قيد أبي أدمى معصمي وقلبي، وسأظلمها معي إن أبقيت عليه، نظرت لأقدامي، لأول مرة أكون في موطأ قدم اخترته بنفسي دون استشارة أحد، فتحت ذراعي على مصراعيهما، وهتفت بأعلى ما في حنجرتي من صوت “تحررت أخيرا، أنا المجهول هنا ولا أحد يعرفني”.

مقالات ذات علاقة

يا سيدي الشهيد

المشرف العام

رســالــة

المشرف العام

دفتر رسوماتي

المشرف العام

اترك تعليق