قصة

ما وراء السور

من أعمال المصور أسامة محمد
من أعمال المصور أسامة محمد


يس يم.. يس يم

رددت المباني المحيطة بالساحة صوت الرئيس عرفاء بقبعته الزرقاء الباهتة التي اعتلت شعره الخشن.. كان وجهه ذو الملامح القديمة، كأنه قادم من السبعينيات بشاربه الطويل كجناحي غراب، وبدلته العسكرية المكوية بعناية.. كل ذلك أدخل الحماس بين جوانحي.. كان جسمي هزيلا حتى أن النطاق العسكري كاد ان يقسمني الي نصفين..

رائحة العرق أصبحت سمة المكان، فما عاد أنفي يميز أي شيء.. حرارة الشمس أيقظت وحش السراب فبدأ جوقته المجنونة على إسفلت الساحة.

يس يم.. يس يوم.. رجل بدل..

مشت جموع المستجدين على إيقاع هذه الكلمات وعلى الرغم من اجتهادي كانت مشيتي شاذة، مقدما رجلي اليمين مع ذراعي اليمين، لم تجدي جميع محاولات المدربين معي، ظلت مشيتي كما هي. كان يغمرني الشوق الي ما وراء السور وترقصت في خيالي صور. الفراش الدافئ والاكل المنزلي والشوارع المزدحمة.

ارتسمت بسمة علي وجهي الذي اسود من الشمس والعرق تحت ضل شجرة على حافة الساحة وتسللت الي عينيي غفوة على حين غفلة، لم يقطعها إلا صياح رئيس عرفاء:

– اجمع انت وياه.. اجمع يا جندي.

في الليل سمعت رفاقي يتحدثون، عن الهرب، عن الحياة في الخارج.. نبتت الفكرة. كبرت وكبرت حاولت ردعها.. استعرضت مخاطرها .. كانت أشد العقوبات لدي هي حلاقة الراس.

لم أستطيع تخيل نفسي أصلعا.. دب الرعب في أوصالي.. حاولت النوم تحت تلك البطانية الخضراء الخشنة.. لكن النوم تحالف مع فكرة الهروب.

بعد الظهيرة رمقت السور.. كأني أقول له سأعتليك.. كي أصل إلى هناك كان على الوصول إلي ذلك المخزن القريب من السور.. تلاحقت أنفاسي مع دقات قلبي المنتفض كبركان.. تلمست شعري لمسة الوداع.. انتهزت أول فرصة.. تسللت كذئب بين الشجيرات. لعنت حذائي العسكري الثقيل الذي أرهق قدميي والقبعة العسكرية ذات الحواف الطويلة.. التي حجبت عنه الرؤية.. هناك أعلي السور فتحة بين الاسلاك الشائكة كان على ان أتسلق الحائط كي أصلها.

حاولت، وحاولت، وحاولت.. وفي كل مرة يخونني جسدي النحيل.. سمعت صوتا خلفي.. فاستجمعت قواي.. وأخيرا وصلت الفتحة.. قفز ت من هناك.. تلقفتني الطريق وأطلقت ساقي للريح

وكلما ابتعد السور دغدغت جوانحي السعادة.. وتراقصت في خيالي صور الفراش الدافئ، والاكل المنزلي، والشوارع المزدحمة.


31/3/2017

مقالات ذات علاقة

أفق الشهوة

المشرف العام

سفـر القبـرة

إبراهيم بيوض

تاليد

عائشة إبراهيم

اترك تعليق