المقالة

ما حدث للإعلامي الصديق عبد الفتاح الوسيع

صورة تجمع الاستاذ عبد الفتاح الوسيع مع صديقه الراحل الشاعر والمذيع محمد المطماطي
صورة تجمع الاستاذ عبد الفتاح الوسيع مع صديقه الراحل الشاعر والمذيع محمد المطماطي

منحه الله عددا من الهبات التي جعلت منه شخصا متميزا انسانا وفنانا، واتاحت له الظروف عائلة، ساعدته على ان يرفد هذه الهبات الالهية، بالتربية السليمة، والتحصيل العلمي، الذي اوصله الى اعلى المراتب، والثقافة العامة التي صقلت شخصيته، وهذبت تصرفاته، ومنحته بجوار المواهب الكثيرة، لمسة حضارية تتجلي في  حديثه، وسلوكه، والطريقة التي يدير بها علاقاته، وقبل ان التقي به واتعامل معه وتتيح لي ربات الحظ السعيد ان اكون صديقا قريبا منه، كنت قد سمعت عن انجازاته الفنية الاعلامية، وقرات عنها، والتقيت باشخاص يعملون في البي بي سي العربية بلندن، يتحدثون باكبار عن مهاراته العالية كمذيع يتمتع بصوت جميل مصقول اخاذ،  كما التقيت باناس من اهل الفن شاهدوه وهو يتحرك على المسرح في ادوار شهيرة مثلها عتاة الممثلين في العالم لاعمال شسكبيرية يؤديها بلغة انجليزية راقية صافية، وطريقة هي تلك التي يسميها الانجليز لغة الملكة، لانها مبرأة من اية عوار او تحريف في اصول وقواعد النطق، كما سمعت سماعا عن اعمال من اخراجه لمسرحيات ليبية  وعالمية، قدمها في بنغازي مدينته، فلم استطع حضورها، مثل المسرحية التي صادرتها الرقابة، مباشرة بعد عرضها بليلة اوليلتين، والتي قدمها  عن طريق المسرح الوطني من اخراجه وتاليف الكاتب منصور ابوشناف،  الذي كان اول تقديم له وهو فتي يافع عن طريق هذا المخرج، “تداخل الحكايات عند غياب الراوي”، وكانت مسرحياته تحظى باستحسان اهل المجال واعجابهم، وكان طبيعيا ان يتفق الزملاء المسرحيون ان يكون مديرا للمسرح الوطني الذي تم انشاؤه في بنغازي بعد ان انشاء مثيل له في طرابلس.

وعندما توليت منصب مدير ادارة الفنون والاداب في طرابلس كان هو الذي سبقني لادارة فرعها في بنغازي، وكان التعاون بيننا بلا حدود، وكان يقع في اختصاص هذه الادارة كل ما صار بعد ذلك اختصاصا تتولاه وزارة الثقافة مسرحا ونشرا وكتابا وفنونا تشكيلية وفنونا شعبية بما يتبعها من فرق للرقص الشعبي وخلافه، وتكررت زيارتي له في بنغازي، لارى التفاف اهل الفن حوله، وحبهم له، مقابل ما كان يبذله من جهد وحدب عليهم، وعلى الارتقاء باوضاع الفنون والاداب في مدينتهم، وبسبب الصداقة الوثيقة التي ربطتني به، كتبت له مادة برنامج اذاعي ثقافي، كنت فيه انا كاتب المادة وكان هو من يتولى اخراجها واذاعتها لعدة سنوات. ويذكر هؤلاء الزملاء ان مخرج فيلم الرسالة المرحوم مصطفى العقاد اعتمد عليه اعتمادا كبيرا في انجاز مشروع هذا الفيلم، وادار معه العملية الانتاجية اثناء وجود طاقم الفيلم في مناطق الشرق الليبي، حيث دارت المعارك واستشهد عمر المختار، وقام باداء دور في الفيلم هو دور عبادة، وعلى عادة النظام الانقلابي السابق في حبه للتقاليع  راى رئيس الانقلاب ان يدير امانة الاعلام والثقافة رجل من اهل المجال وطرح الفكرة على ما كان يسمي مؤتمر الشعب، والتفت الاعضاء اثناء احدى الجلسات الى الفنان حسن عريبي الذي كان يمثل نقابة الفنانين، لكي يتولى ترشيح شخص من اهل المجال، وكان المرحوم حسن امينا  في اداء المهمة، عارفا باهل المجال، مدركا ان لا احد  اعلى كعبا، واكبر منزلة من الفنان والاعلامي عبد الفتاح الوسيع، لادارة هذا المرفق، فنهض يقدم نبذة عن انجازاته  ومؤهلاته وجدارته بهذا المنصب، وظهرت علامات الغضب وجنون الغيرة على رئيس سلطة الانقلاب، يقول في ضيق انه يريد اسما غير هذا الاسم، وفعلا وقع الاختيار على شخص غير الاستاذ عبد الفتاح لمجرد المناكفة والعناد، لان الرجل الثاني لم يبق في المنصب غير بضعة اسابيع وتمت ازاحته، فاختياره لم يكن الا لسد الباب في وجه الصديق عبد الفتاح، الذي بدا واضحا انه يستقطب حقد وحسد وغيرة رئيس الانقلاب دون سبب الا تفوقه وجدارته ووسامة الرجولة التي يتمتع بها، فهو ولد ليكون نجما، ليس بصوته فقط، وليس بقامته السامقة الرشيقة فقط، وليس بملامحه التي تبدو كانها منحوتة من صلصال، وسامة على لون قمحي،  على عينين تشعان القا، وبهاء وهدوءا، مشرق الوجه له سمت رجل من اهل الله، لان في شخصيته خيطا من التصوف، يجعله لا يبالي بالمناصب، ولا بالشهرة، ولا يقيم اعتبارا لهذه المناكفة التي يطارده بها رئيس النظام، ولهذا لم يكن يستطيع ايذاءه لانه لم يكن يصدر  عنه ما يسبب غضبا لاي احد، ولا يرد بعصبية على هذه المضايقات الرسمية، يقولون له اذهب الى اذاعة ليلية،  لا احد يسمعها وكن مذيعا هناك، لا يذكر فيها اسمه، فيذهب ممتثلا للتعليمات، من اجل ان يتقاضى مرتبه الذي يطعم منه اهل بيته، وجاءه صديق كاتب، هو الصادق النيهوم يعرف قدره وكفاءته وامكانياته،  لكي يدير له اعمالا تعاقد على انجازها مع النظام، وبرنامجا مرئيا اسمه الشعب المسلح، فيدير كل ما يتصل بالبرنامج تصويرا وتاليفا وجلبا للمادة المرئية التي يذهب للتفاوض عليها مع المؤسسات العالمية مثل البي بي سي، ويقوم باختيارها ويقدمها بصوته دون ان نرى له اسما ولا رسما، وطبعا كان الاغراء موجودا، بعد بدء انتشار الفضائيات ان يذهب ليلتحق باحداها، وسيكون بما وهبه الله من علم وثقافة وبراعة وشخصية وصوت متميز، نجم النجوم في اية فضائية، لكنه كان يحجم عن الذهاب، او الخروج على التزامه مع الاعلام الرسمي الليبي، الا اذا كان الذهاب والتعاون في اطار عمله مع المرئية الليبية، وفعلا حصل ان تم في اطار اتحاد الاذاعات المرئية والمسموعة العربية، انجاز عمل كبير تسهم في انتاجه المحطات العربية، وهو تعريب برنامج فيلم تلفزي وثائقي من حلقات كثيرة، عن الحرب العالمية الثانية، وتم تخصيص صندوق عربي، تكفل بشراء كل حلقات هذه المسلسل الوثائقي، وتم البدء في الترجمة والدبلجة وجاء وقت التنفيذ، واقتداء بما حصل على المستوى العالمي، فقد راى المشرفون على العمل ان يكون المذيع الذي يقوم بالظهور في هذا المسلسل الضخم، ليس مجرد مذيع وانما فنان  ايضا في التمثيل والاخراج، لكي يستطيع ان يواكب بانفعلاته وتلوين صوته المشاهد الدرامية التي يتحدث عنها، وقد تولى هذه المهمة واحد من اكبر رجال المسرح في العالم السير لورانس اوليفييه، عميد المسرح البريطاني، فكان الاستاذ عبد الفتاح الوسيع بمواهبه ومؤهلاته التي تتجاوز دور المذيع، هو الاختيار الصحيح لهذه المهمة، وفعلا اعتكف لمدة لا تقل عن عام كامل، يقوم بالتسجيل ويقدم ما كان قد قدمه لورانس اوليفييه، على مدى هذه الحلقات التي تصل الى عدد كبير قوامه 26 ساعة.

وتم بنجاح انجاز عمل تفخر المحطات العربية بتقديمه، فهو التاريخ يقدم بالصوت والصورة، وليس مجرد مادة في كتاب، وكان اداء الاستاذ عبد الفتاح الوسيع محل فخر لكل الليبيين، فدون كل المذيعين في العالم العربي، وكل رجال المسرح، تم اختيار هذا الجهبد من جهابدة الاعلام والفن.

وتم ارسال الفيلم بحلقاته الكثيرة الى هذه المحطات للمصادقة وابداء الراي، لتدارك اي شيء قد لا يرونه صائبا في المادة المرئية والمسموعة، فاذا الفيتو ياتي من ليبيا بايقاف الحلقات، وكان الاندهاش قويا لان المصادقة جاءت من كل دولة اخرى، وكان السؤال عما راته ليبيا يستحق الايقاف، فهل هناك مشهد في هذه الوثائق يسيء الى العرب، ويظهر شيئا منفرا في سلوك واحد منهم، رأت ليبيا انه ليس من الجائزن عرضه على الجمهور العربي، يجب حذفه، كان هذا الاحتمال الوارد، ولكن الاعتراض الليبي جاء مفاجئا للقائمين على اتحاد الاذاعات بل صاعقا، فقد جاء الاعتراض على المذيع الذي يتولى الظهور في الفيلم، لان الفيلم لم يكن صوتا فقط ولكن صورة المذيع تظهر في كل حلقة، يشرح، ويوضح، قبل وبعد عرض اللقطات، التي تصور الحرب، وكان اهل الاتحاد يظنون انهم قدموا مكرمة الى ليبيا، عندما اختاروا مذيع هذه الحلقة من اهلها، فكيف يكون الاعتراض من هذه الدولة بالذات، كان هذا ربما اغرب ما يمكن حدوثه، بل وكان يصعب على الناس تصديقه، لانه صعب ان يتصور الناس خارج ليبيا ما يتعرض له اهل الفن واهل الابداع واهل الرياضة، من حرب تمنع ظهورهم وتميزهم ونجاحهم من رئيس بلادهم، الى حد انهم ارسلوا وفدا للاتصال بالمسئولين الاعلاميين في ليبيا، للتأكد من حقيقة اعتراضهم على الفيلم، وسبب الامتناع على المصادقة عليه، علما بان الاتحاد يتبع الجامعة العربية، وكان نظامها يقضى بعدم خروج اي قرار الا باجماع الاعضاء، وفيتو ليبيا يلغي هذا الاجماع، فكان الرد هو الاعتراض على المذيع الليبي، واستبداله باي مذيع اخر، وعندما يحدث ذلك سوف توافق ليبيا على المسلسل، وتقوم بعرضه في محطتها، واراد الوفد ان يقوم بتعجيز ليبيا وارغامها على سحب اعتراضها، فقالوا لها ان  اموالا طائلة تم صرفها على  عمل المذيع، وتاجير قاعات التسجيل والتصوير التي تم فيها العمل، ولم يعد هناك في الصندوق ما يكفي لاعادة هذه العملية الانتاجية الا بتوفير عدد كذا مليون دولار لانجاز العملية، فكان الرد جاهزا حاسما لا يعطي فرصة المراجعة او المناقشة لهذا الوفد، وهو ازيلوا المذيع الموجود الان، وضعوا مذيعا جديدا غير ليبي، وليبيا ستتولى دفع كل التكاليف.

كانت الصدمة كبيرة بالنسبة لكل من كان موجودا في الوسط الفني والاعلامي في ليبيا، ورغم اننا كنا قد تعودنا على استقبال مثل هذه الصدمات، الا ان الضحية هذه المرة كان رجلا مسالما جميلا، لا يثير اي حقد ولا غيرة، ولا يستحق هذه المعاملة التي تعبر عن الخسة والسقوط الاخلاقي والانساني.

والتقيت بعد ايام من هذه الصدمة بالصديق الفنان الاستاذ عبد الفتاح الوسيع، لكي اواسيه واعتذر له عن رعب ما يحدث في بلادنا، فاذا به يلقاني بوجه يطفح بالبشر والارتياح، يبتسم ساخرا مما يحدث، وكان ما حصل لم يحصل له هو وانما لانسان اخر، وبدلا من اواسيه كان هو الذي يواسيني، ويقول لي ان اضع الموضوع خلف ظهري، لكي تمضى الحياة، لانه لا يجب ان نقف امام كل غصة نواجهها في هذه الدنيا الفانية، العامرة بالنكد والغصص ومسببي هذا النكد وهذه الغصص.

وختاما فانني على ثقة من وجود نسخة من المسلسل باداء الاعلامي الليبي النابغة الاستاذ عبد الفتاح الوسيع، نائمة في ارشيف اتحاد الاذاعات العربية، فهل نطمع ان نرى محطة ليبية تطلبها وتقوم باذاعتها، سيكون ذلك انجازا اعلاميا وانصافا لهذا الرجل، له خالص التحية والتقدير.

_______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

فن القصة و آليات الكتابة

نورالدين الورفلي

لماذا يكره المعلمون مذكرة التحضير؟

سعاد الورفلي

أرض العرب

المشرف العام

اترك تعليق