المقالة

ماوراء الجامع!!!

بين سلطة الفكر وفكر السلطة

(هالو “قال السنجاب غاضباً” هل هذه أذني التي تسمع؟ كيف لا تعرفون الفيل صديقنا القديم الذي أطفأ لكم النار بخرطومه عندما شبت في الغابة، وحملكم على ظهره لكي تعبروا النهر، وعلمكم أن تقشروا التين الشوكي، وتأكلوا الأشياء من داخلها؟ )
من رواية ” الحيوانات ” للصادق النيهوم

الكاتب الراحل الصادق النيهوم (الصورة: عن الشبكة)

1 – من برج بابل إلى الجامع.

قُرِيءَ الصادق النيهوم (رحمه الله) من وجهات متعددة، ووفق رؤى ومنطلقات متباينة، وسواء أعلن قارئوه عن منطلقاتهم ومراميهم أو لم يعلنوا، وسواء تأسست تلك القراءات في أرضية علمانية أو دينية، فليس من الصعب ملاحظة أن كثيراً منها جاء عن منطلقات ودوافع (أنوات) أصحاب تلك القراءات وبذا لم تنته إلى فهم فكر النيهوم وتفهمه والتفاهم معه، بل إلى قدفه بتهم جائرة وإدانته بناءاً على تلك المنطلقات تحديداً، حتى لقد بلغ ” لا مؤاخذة ” إسفاف البعض وصَغَارَه حد أن قراءاتهم جاءت أقرب إلى الاسقاط التنفيسي لمكبوتات ومركبات نقص وأحقاد وحتى عن حسد للرجل، أو عن إنبهار ناتج عن إعجاب صبياني أو عجائزي محاذِ للدروشة والبلاهة، وتلك إن تكن قراءات، فلم تجاوز ” لافتقارها ” لشروط العقلانية والموضوعية وخضوعها لفوضى الانفعالات العاطفية، كونها محاولات ” ليس حتى لقراءة ” بل لتهج ٍ متعتع ٍ لذوات أصحابها، وبأسوأ أساليب فك الحرف ” من تلقن ومحاكاة واجترار ” بحيث لم تصمد ولا تصمد في مواجهة قامة فكرية بحجم النيهوم ولاحظ ” بل لا أمل لها ” في سبر أعماق فكره واستكناه رؤاه.

فلا بد من الإقرار بداية بأن قراءة النيهوم مغامرة لا تخلو من تهور وطيش ترشّح من يقدم عليها لأن يكون هدفاً لعديد النعوت والوصمات، التي قد يكون أهونها الخفة والنزق، ولكن رغماً عن كل المحاذير، وعن أسوأ احتمالات سوء الفهم البريء منها والمتعمد، تظل الحاجة إلى فهم النيهوم ” وغير النيهوم ” من كتابنا ومفكرينا وأدباءِنا واجب يفرضه مجرد كون المرء ليبيّاً.

وضرورة تجيء هذه المحاولة لقراءة النيهوم استجابة لها، وهي قراءة لاتعد بالكثير وحسبها وهي تعتمد معرفة متواضعة ومحدودة بفكر النيهوم وإمكانيات ذهنية أكثر تواضعاً ومحدودية، أن تنال شرف الوقوف إلى جانب قراءات جادة وعميقة ومحترمة ” ونادرة ” سبقتها.

وإذ تختار هذه القراءة ” ما وراء الجامع ” عنواناً لها فلإنها تعتقد أن اختيار النيهوم للجامع وجعله محوراً لفكره لم يأت اعتباطاً ، بل تزعم ” آملة أن ترفد زعمها بما يؤكده ” أن جامع النيهوم هو البديل لبرج بابل وكل ما يعنيه ذلك البناء الأسطوري الذي نصبه مزورو التوراة في توراتهم من معاني التزوير والتزييف والمغالطة ، وإرجو أن يكون هذا القول واضحاً إلى الحد الذي لا يفهم معه أن برج بابل هو المعني بما وراء الجامع، بل على العكس تماماً، فالمقصود هو أن الجامع يقوم نقيضاً مباشراً لبرج بابل، أما ما وراء الجامع ” بمعنى الخلفية التي يصدر الجامع عنها ويتأسس في أرضيتها فهو الثقافة العربية الإسلامية مقرؤة وفق رؤية النيهوم لها وتعاطيه معها، وهما رؤية وتعاطٍ متجاوزين للمتاح والمتداول من مفاهيم، والمبتذل من وجهات النظر وأساليبه، وفيما بين هذين النقيضين (الجامع وبرج بابل) ، وانطلاقاً من الجامع يقف النيهوم بإزاء التاريخ والحضارة والثقافة الإنسانية محاوراً ومسائلاً ومسلطاً ضوء عقل مؤمن على مشكلات عالمنا وما يرسف فيه من مآزم، ملاشيا ما يكتنف الأفهام من غيوم تربك سيرها للخروج من معاناتها المزمنة ، من الجامع النقيض لبرج بابل والقائم على الضد منه والمناويء له، ينطلق النيهوم رافضاً أن يركن إلى القطيعة والإنغلاق على الذات، بل حريصاً على الانفتاح على الذات والآخر والتواصل معهما، وينخرط في حوار حقيقي معهما، ملقياً ما استطاع أن يقبسه من مرجعيته الثقافية والحضارية من ضوء كاشف على حقائقهما وثوابتهما، وحتى مقدساتهما ، مسلطاً ذلك الضوء الكاشف على ما عاثته فيهما تلك الترهة اليهودية الخالية من القداسة، من خراب ، عند هذه النقطة تحديداً يقف الجامع في فكر النيهوم بإزاء التاريخ والحضارة البشريين منذ بدء تكونهما وبكل ما يعنيان من تراث إنساني روحي ومادي محاوراً ومسائلاً ومستكشفاً ومكتشفاً، وكاشفاً أيضاً جوهرهما وحقيقتهما، من هذه النقطة سلط النيهوم ضوء الجامع على إقطاع بني أمية مثلما على ديموقراطية أثينا التي اغتالت سقراط ، وعلى مجمل الثقافة والحضارة الانسانيين، ودون الضياع في متاهات أهواء الفلسفة وصراعاتها الدونكيشوتية ضد الدين وفيما بين العقل والنقل وأسبقية العقل أو النقل أيهما للآخر، ودون السقوط في مستنقعات الايديولوجيا ومماحكاتها الملوثة بسوء النوايا والانحيازات المتدنية، ينطلق فكر النيهوم معتمداً نظرة ايمانية عقلانية، متحررة من أسر برج بابل ليحاور العالم في تاريخه وحضارته وفي راهنه، ومتيحاً لمن لا يقرأون من كراسي قضاة التفتيش أو من مواقف جلاوزة دواوين المحن، إمكانية أن يقرأوا الوجود والحياة والثقافة والفكر (بما في ذلك فكر النيهوم نفسه) بطريقة صحيحة ومنهج سوي.

إن ما قيل هنا ليس إطراءًا للنيهوم بل هو محاولة لقول أن الرجل كان متميزاً بفكره عميق النظر بقدر رحابة ثقافته الموسوعية كما أنها مناسبة للإقرار بأن هذه قراءتي الشخصية للصادق النيهوم ولصورة ومكانة ” الجامع ” في فكره، وهي قراءة تطمح إلى أن تكتمل بمحاولة تقديم ملاحظتها على ما تراه نقصاً أو تقصيراً أو غموضاً في فكرة الجامع عند النيهوم.

 ولكننا هنا وكي لا نخرج عن سياق الحديث، من المجدي أن نلقي نظرة نحاول أن تكون ضافية وعلى قدر معقول من الشمول على برج بابل ودلالات تلك الأسطورة اليهودية وأهدافها.

 حيث نقرأ فيما يسمى ” الكتاب المقدس ” في روايته لأحداث مابعد طوفان نوح عليه السلام، في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين في العهد القديم بهذه الصيغة (وكانت الأرض لساناً واحداً ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا بقعة في أرض شنعار ” بلاد مابين النهرين ” وسكنوا هناك، وقال بعضهم لبعض هلم نصنع لِبْناً ونشويه شَيّاً، فكان لهم اللِبن مكان الحجر وكان لهم الحُمَرُ مكان الطين، وقالوا هلمّ نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء، ونصنع لنا إسما لئلّا نتبدد على وجه كل الأرض، فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذَين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب هوذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه هلمّ ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة، لذلك دُعيَ إسمُها بابلَ، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بدّدهم الرب على وجه كل الأرض) التكوين 11 / 1-9

وواضح في المقطع مدى الحقد الناغل في النفس اليهودية على سكان مابين النهرين بسبب واقعة السبي البابلي.

وتعيد صيغة أخرى لهذه الأسطورة بناء برج بابل إلى النمروذ الذي تقول أنه من نسل حام وتجعله بذلك جداً للكنعانيين (الفلسطينيين) لتبرير إدعاءات اليهود الكاذبة حول ما يسمونه ” أرض الميعاد “، وعندما توضع تلك الأسطورة في نص يزعم أنه ديني وتقدم باعتبارها وحياً إلهياً فلنا أن نتصور الأثر الذي يمكن أن يكون لها في نفوس ومواقف من يعتبرون ما يسمى ” الكتاب المقدس ” وحياً إلهيا ووصايا وأوامر إلهية، فأسطورة برج بابل هي أبلغ صيغة تختزل اللاهوت الوثني الظلامي العدمي اليهودي بأقانيمه الثلاثة (رب الجنود ” يهوه ” / الشعب المختار ” اليهود ” / أرض الميعاد ” فلسطين “) والذي جعله عزرا و الأحبار بديلاً لما جاء به موسى عليه السلام في ألْواحِهِ داعياً إياهم إلى توحيد الله وعبادته، بل لم يتوقف اليهود عند ذلك الحد ولا اكتفوا بما أحدثوه من فساد في دين الله، فقد استحوذ الفريسي شاوول الطرسوسي والفريسيون على رسالة عيسى وحولوها إلى صيغة إضافية لوثنية عزرا وسيجوها بأقانيم (الآب / الإبن / الروح القدس )، بحيث لم تعد رسالة عيسى ثورة إصلاحية داخل اليهودية ووسط المجتمع اليهودي لتحريره من وثنية عزرا والأحبار، بل غدت ردة عن الحق ونكوصاً إلى تلك الوثنية بالذات، فليس برج بابل سوى التبرير اليهودي لتلك الأيديولوجيا العنصرية، التي غدت مع إمتداد لاهوت الطرسوسي (الذي انتسب زوراً إلى حظيرة المؤمنين بالمسيح والحاملين لواء دعوته وصار يدعى ” بولس الرسول “) إلى خارج المجتمع اليهودي مكوناً رئيسيا من مكونات الثقافة الإنسانية، تحمل في جعبتها أحقاد اليهود وغلهم وأوهام عظمتهم المدفوعة بنزوعاتهم الهمجية إلى الاستحواذ والتسلط، مغلفة بمبرراتهم الاسطورية الواهية وبادعاءات قداسة زائفة.

تلك هي ثقافة برج بابل، ثقافة الكذب والتزوير والمغالطة التي وقف الصادق النيهوم خصماً لها، منطلقاً من الثقافة الوحيدة المؤهلة لكشف زيفها وتهافتها، إنها ثقافة الجامع التي لا يبدو من أمل في تقويض برج بابل دون اعتمادها والانطلاق منها.

وما من مبالغة في هذا القول، ولا هو تمنِّ، أو تحليق في الخيال، بل هو أمر واقعي، وقابل للتحقيق في الحياة الواقعية اليومية لكل منا، فكل ما نحن بحاجة إليه للتثبت منه ألا نكتفي بظاهر عالمنا وألا نتوقف عند الشعارات المرفوعة متوهمين أنها تجسد أفكار ونوايا من يرفعونها ودليل صدق ما يدّعون.

الكاتب الراحل الصادق النيهوم (الصورة: عن الشبكة)

2 – أفلاطون والنيهوم وجهاً لوجه مع الديكتاتورية.

لا يبدو أن المقارنة بين ما كان من علاقة أفلاطون بطاغية ساراكوزا ديونسيوس الأول، وعلاقة النيهوم بمعمر القذافي ستكون دقيقة و مشبعة لفضولنا حول ما تهمنا منهما ” علاقة النيهوم بالقذافي ” ولا كافية لملاشاة ما يكتنف هذه العلاقة من غموض، ولكن رغم ذلك فإن مقارنة بين الخطوط والسمات العامة للعلاقتين قد تكون مجدية لنا.

فحول أولى العلاقتين تخبرنا المصادر المتاحة (أن نفس أفلاطون ضاقت بالحياة في أثينا بعد أن اغتالت ديموقراطيتها أستاذه سقراط، فهجرها وقام بكثير من الرحلات متنقلاً بين ميجارا إلى بقية ارجاء بلاد اليونان ومصر وإيطاليا وصقلية، وفي أثناء وجوده في مصر دعاه طاغية سيراكوزا ديونسيوس الأول إلى زيارته، زاعماً في دعوته أنه أوتي ذوقاً أدبيا وحساً فلسفياً، في حين لم يكن في الواقع (وكما تؤكد الرواية التاريخية) إلا كاتباً تراجيدياً محدود الموهبة والقدرة، يقول عنه الدكتور إمام عبدالفتاح إمام ” رحمه الله ” في كتابه (الطاغية) بعد أن ينقل عن وِلْ ديورانت وصفه الساخر لديونيسوس بأنه ” كان رجلاً واسع الثقافة، وكان شاعراً، ولمّا طلب إلى الشاعر فيلكسنوس رأيه في شعره، وأجاب بأنه غث لا قيمة له، حكم عليه بالأشغال الشاقة في المحاجر “… يقول الدكتور إمام: – (والحق أن ديونيسوس الأول كان كاتب تراجيديا محدود القدرة، ربح بعض الجوائز في الاحتفالات الثقافية، لكنه كغيره من الطغاة الذين اهتموا بالفنون – من أمثال ” نيرون ” – الذين كانوا يشعرون بالغيرة الشديدة من منافسيهم، أو من حكم النقاد على أعمالهم، ولذلك عندما رفض الشاعر فيلكسنوس Philoxenes أن يمتدح هذه الأعمال بعث به ديونيسوس إلى السجن، لكنه عاد فأرسل إليه ليستمع إلى ” تراجيديا ملكية ” كتبها الطاغية، ووقف الشاعر صامتاً، وعندما سأله (الطاغية) عن رأيه فيما سمع، لم يُجِبْ (الشاعر) بل مال على حارسه وهو يقول ” عد بي إلى السجن “…).

 وبعد هذا التعريف بشخصية طاغية سيراكوزا يفيدنا الدكتور إمام بتفسير مقنع لدعوة ذلك الطاغية لأفلاطون بقوله: – (ان الطغاة كانوا على مدار التاريخ يفاخرون بوجود الفلاسفة والعلماء والشعراء والأدباء في ” بلاطهم “، ذلك لأن الطغاة يعرفون بصفة عامة أنهم لن ينالوا الشهرة إلا على يد هؤلاء)

ولكن لعل السؤال الذي يثور هنا والأكثر إلحاحاً من سابقه، هو ذلك السؤال عن الدوافع التي جعلت أفلاطون يصدق إدعاءات الطاغية ويلبي دعوته، والذي لم يغفل عنه المفكرون والباحثون الذين تناولوا تلك العلاقة، وتعددت إجاباتهم وتباينت، ولعل الإجابة الأرجح من بينها جميعاً هي تلك التي تقول، أن أمل أفلاطون في أن تتحقق أفكاره السياسية كان وراء قبوله دعوة الطاغية وتلبيته لها، وهو أمل ازداد قوة بعد تلبية أفلاطون تلك الدعوة وتعرفه على ” ديون ” صهر ديونيسوس الذي تقبل أفكاره وتأثر بها حتى ليبدو ذلك الثأثر واضحاً على شخصية ذلك الشاب وفي سلوكه وأسلوب حياته، الأمر الذي أثر سلباً على مواقف أفراد حاشية الطاغية من أفلاطون، وأثار غضب الطاغية نفسه، وجعل ذلك الوضع من أفلاطون هدفاً للمؤامرات والمكائد، وهدد حياته، ما دعا صديقه الوفي ديون إلى أن يحاول مساعدته على الرحيل، حيث حملته سفينة كانت تقل أيضاً سفير اسبرطة الذي أوصاه الطاغية سراً بأن يقتل أفلاطون في الطريق أو يبيعه، فآثر السفير الاسبرطي الخيار الثاني (وباعه فعلاً في ايجينا، حيث اشتراه ” اينقورس القورينائي ” بثلاثمأة درهم وأعاده إلى أثينا) * وواضح أنه ما من شيء غير ذلك الأمل كان وراء عودة أفلاطون إلى سيراكوزا لتتكرر معه نفس المعاناة ويحصد نفس الخيبة على يدي ديونسيوس الثاني خليفة ديونسيوس الأول ووريثه على عرشه.

ولا يمكننا أن ندعي بخصوص علاقة النيهوم بالقذافي القطع ولا حتى التخمين بأنها كانت قائمة قبل سبتمبر 69م، ولعل الارجح والاقرب إلى المنطق تخمين أن القذافي بعد وصوله إلى السلطة اتصل بالنيهوم الذي كان يقيم في فنلندا ودعاه إلى الحضور واعداً إياه بأن يتيح له عرض افكاره، وأن النيهوم استجاب لتلك الدعوة، وقد يكون هو من طرح فكرة ماسمي في حينه (ندوة الفكر الثوري) التي جرت وقائعها على مسرح الكشاف بطرابلس ونقلت جلساتها عبر البث المباشر لقناة التلفزيون الزسمية، كما اتيحت فيها المشاركة والحديث لكل من رغب في ذلك، حتى لقد كان عدد من الأميين من بين المشاركين فيها ونجومها التي يُتندر بآرائهم وأساليب حديثهم، ولعل فيما عرضه التلفزيون من مواقف هزلية يقرب أحداث تلك الندوة لمن لم يروها.

ولكن لعدم إمكانية الاسترسال في سرد ما رافق تلك الأحداث وما لحقها بها، فيحسن أن نتوقف عند بعض المؤشرات، التي قد تسعفنا الذاكرة بها، علها تلقي بعض الضوء على ما نحن بصدده، خصوصا مع عدم توفر شيء من المستندات الرسمية مثل محاضر تلك الندوة، إضافة إلى جهلنا بما كان يدور في كواليس تلك الندوة من أحداث ونقاشات ” بالتأكيد ” قد لا يقل أهمية عما شهدناه علناً، ومن بين تلك المؤشرات ما كانت تنشره الصحف والمجلات، خصوصا ” مجلة الكفاح العربي ” من استطلاعات ومقالات مرفقة ببعض الصور التي تجمع النيهوم وبعض من أعضاء ما كان يُعرف بمجلس قيادة الثورة، في شكل حلقات يتوسطها جهاز تسجيل، الأمر الذي لا تفسير له إلّا أن تلك الندوة التي نقلت من مسرح الكشاف لم تنته تواصلت بعد انتهائها الرسمي، بل ضيقت حدودها ليتاح للنيهوم طرح افكاره وشرح رؤاه باستفاضة وتفصيل، ولمستمعيه مناقشته حولها، وهو ما يبدو واضحا تعذره في ظروف انعقاد تلك الندوة في مسرح الكشاف.

ولا يبدو مجانباً للصواب أن نرى فيما سمي ” خطاب زوارة ” الذي القاه القذافي في مدينة زوارة بمناسبة ذكرى المولد النبوي التي صادفت يوم 1973/4/15 بنقاطه الخمس المعروفة

1 – تعطيل القوانين المعمول بها
2 – القضاء على الحزبيين، ومن دعاهم القذافي ” أعداء الثورة “
3 – إعلان الثورة الثقافية
4 – إعلان الثورة الإدارية
5 – إعلان الثورة الشعبية.

اعلاناً عن الشروع في التطبيق الفعلي لأفكار النيهوم التي جمعتها دفتا كتابه (نقاش )، وذلك وفق قراءة معمر القذافي لتلك الأفكار وليس وفق ما أراده منها صاحبها، مما يجعل من ذلك الخطاب لحظة افتراق رؤية وفكر كل من الرجلين عن الآخر، وإن لم يفترق الرجلان نفسيهما، ربما لحاجة القذافي لثقافة النيهوم وحلوله لما قد يعترض تطبيقه لرؤيته من إشكاليات، و ربما أمِل النيهوم في أن يتيح له استمرار تلك العلاقة أن يصلح ما يمكنه من فكره ورؤيته اللذين أفسدتهما قراءة القذافي، إو قد يكون لجؤاً منه إلى التقية لما يعرفه جيدا من طباع الطغاة إضافة إلى ما قد يكون قد لاحظه من نرجسية القذافي وأنانيته، كل ذلك محتمل، وإذا كان لنا أن نستخلص شيئا ذا معنى لما حدث لاحقاً فهو حقيقة أن الكتاب الأخضر هو أسوأ قراءة أبتُلي بها فكر الصادق النيهوم، وأن نتائج تلك القراءة لم تزل تحاصرنا وتفسد عيشنا نحن الليبيون جميعاً، وتتهدد مستقبلنا، وأنها الأشد وطأة وثقلاً من كل ما منينا به من خسائر وما أصابنا من كوارث وأضرار.

3 – ملاحظة واحدة حول الجامع، لا مؤاخذة

أشرت في السياق إلى كتاب الصادق النيهوم (نقاش) الذي نشر في طبعته الأولى بعدد محدود من النسخ عام 1971م، والذي يهمني هنا أن أشير إلى أهمية ذلك الكتاب وضرورة قراءته وفهمه لمن يريد فعلاً أن يقرأ النيهوم.

يبدأ النيهوم الفصل الإول من نقاشه بمحاولة تحديد معنى الحياة، من حيث العلاقة بالفراغ والزمن، وبالتفريق بين صفة الحياة من حيث أنها تنتج وتستهلك وتموت، وطبيعتها (الوعي بوجودها) في أربعة أبعاد، ليواصل النقاش في سياق جدلي متتبعاً تطور الوعي من الغريزة وحتى العقل ليخلص إلى مجموعة من النتائج التي لعل من أهمها تصحيح المعنى غير الدقيق لعبارة ” البقاء للأصلح ” التي هي في الواقع من ثوابت الداروينية التي انسحبت على عدة نظر ومفاهيم العلوم غير البيولوجياوطالت الكثير من الإفكار السياسية والإجتماعية وحتى الأخلاقية لتصبح من ثم مبرراً للعنصرية والميز العنصري، وجنون القوة، فيحدها بالغريزة التي ” بحكم طبيعتها ” تسجن الحياة في دائرة مغلقة، وتحولها إلى صيغة من صيغ الموت، لنصل عبر تحليله إلى ما الذي يمكن لمبدإ البقاء للأصلاح أن يحدثه من فساد حين يجاوز حدود الحياة العضوية إلى حياة الفكر ومجالات الاجتماع والأخلاق والسياسة.

ولأن المجال ليس مجالاً لتحليل كتاب نقاش ” رغم الاهمية الجوهرية لذلك ” فإن المحاولة سوف تتركز على بعض الافكار المحورية الواردة فيه، والتي لها أصداء في غيره من مؤلفات النيهوم، وإذا نحن لم ننس أن عنوان هذه المقاربة هو ” ما وراء الجامع ” فسوف لن أتوقف طويلاً عند نقاش لسببين أولهما ما تفرضه طبيعة هذه المقاربة من اقتضاب، والآخر هو ما يحتويه كتاب النيهوم ” رغم صغر حجمه ” من أفكار عميقة ومركزة يجعل من أية محاولة لفهمه ومحاورته والدخول في نقاش جدي معه في حاجة إلى متسع من الوقت ومن التسترسال والتدقيق ولذا سأحاول التركيز على أفكار النيهوم حول السلطة في المجتمع الإنساني السوي وفق وجهة نظره، لألاحظ قبل الشروع في ذلك خلو الطبعة الثانية من الشكل البياني الذي يوضح تلك الأفكار ويقدم السلطة في صورة قاعدية أفقية مختلفة تماماً عن الصورة الهرمية الرإسية المعتادة للسلطة، وعلى العموم فإن التصور الأفقي للسلطة هو ما رأى النيهوم إمكانية تحققه في الجامع، خصوصاً وقد فشلت صيغة المؤتمرات الشعبية التي ضمّنها القذافي الكتاب الأخضر وذلك لأسباب عديدة لعل أهمها وأوضحها الافتقار إلى الإيمان الحقيقي بالأفكار المؤسسة للسلطة القاعدية، والناتج بكل تأكيد عن محاولة توظيف تلك الأفكار لتثبيت اركان السلطة القائمة والتي يتعارض وجودها أصلاً مع تصور السلطة القاعدية وفق نقاش النيهوم، لكن ما يمكن ملاحظته على طرح النيهوم لفكرة الجامع أنها تبدو مبتورة من منبتها ومجتثة من جذورها، ذلك أنه لا يستوي أن نسمي تصور النيهوم للسلطة والمؤسس على الجامع (ديموقراطية اسلامية) مثلاً، بل كان الأولى بالنيهوم الحديث عن الشورى (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)…) التي ليست فقط إسم لسورة في القرآن الكريم ، بل قيمة إنسانية سامية، تقف إلى جانب غيرها من قيم الإسلام السامية التي تتصدرها قيمتا (المودة والرحمة) وتضم قيم الحياة والحرية والعدالة والمساواة والشورى…

إن ممارسة السلطة انطلاقاً من الجامع تحتاج قبل كل شيء آخر إنساناً يعي دينه ويفهم معنى أن يمارس الشورى التي يتوقف تحققها على قيمة الحرية ” حرية الرأي والقول والسلوك ” وعلى قيمة العدالة التي تضمن له سلامته عندما يمارس حريته الفكرية، وعلى قيمة المساواة التي تضمن ألّا يفاضل أحد بينه وبين آخر ويفضل الآخر عليه حتى إذا كان ذلك مسؤولاً، وقبل ذلك يتوقف تحقق الشورى على قيمة الحياة وقداستها، فلا يستوي أن يظل من يشير برأيه مهددا في حياته، سواء بقطع رزقه أو بقطع رأسه، وشأن الشورى شأن كل القيم الأخرى فهي بتأسسها على أسمى المباديء على الإطلاق (مبدأ التوحيد) الذي تستمد منه معانيها كفيلة بتحقيق الشرط الإنساني الذي ظل الوعي الانساني منذ بداياته الأولى يتطلع إليه، إن هذه الملاحظة ليست مؤاخذة للنيهوم ولا اتهام له بتعمد اجتثاث قيمة الشورى من منظومتها بهدف توظيفها فيما يناقضها ويناقض اصلها العقدي والأخلاقي، مثلما حدث فيما سمي الديموقراطية المباشرة والمجتمع الجماهيري وغيرها من المسميات الزئبقية التي تعني الشيء ونقيضه دون أن تستقر على قاعدة من المعنى يمكن الإطمئنان إليها، لكنها تظل برأيي ملاحظة وجيهة وتستحق اهتماماً خاصاً، إذا كنا نهتم بما يهم فعلاً.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (39)

المشرف العام

فقرة ناقصة مهمة بمهرجانات التراث

المشرف العام

ثمانون أمين مازن

المشرف العام

اترك تعليق